تجار نظاميون يزاحمون "باعة الشوارع" على أرصفة الجزائر

05 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 19:15 (توقيت القدس)
أسواق الجزائر، الجزائر العاصمة، 21 نوفمبر 2023 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير السوق الموازية: السوق الموازية في الجزائر تُقدر بأكثر من 8 آلاف مليار دينار، مما يجعلها منافسًا قويًا للسوق الرسمية، حيث يفضل بعض التجار العمل خارج القانون لتجنب الضرائب، مما يضر بصحة المستهلك وسلامته.

- التحديات القانونية: رغم وجود قوانين تمنع احتلال الأرصفة، إلا أن تطبيقها ضعيف، مما يخلق منطقة رمادية بين السوق السوداء والنشاط الرسمي، ويستدعي إجراءات حازمة.

- الأسباب الاقتصادية والاجتماعية: نقص الأماكن الرسمية وارتفاع تكاليف الأسواق يدفع التجار لاستغلال الأرصفة، حيث تعتبر مواقع استراتيجية لزيادة المبيعات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

تتجاوز تأثيرات السوق الموازية في الجزائر العديد من المستويات إلى حدود أبعد من التداعيات الرقابية وتحصيل المستحقات الضريبية لصالح الخزينة العمومية، فحجم الظاهرة الذي يتعدى مستوى السوق الرسمية، حسب تقديرات حكومية سابقة، قالت إنّه يفوق 8 آلاف مليار دينار، أي ما يعادل 60 مليار دولار، ما يجعلها بمثابة المنافس القوي للنشاط التجاري النظامي.

وبينما يفضل بعض التجار الخروج من الدائرة الرسمية ومزاولة نشاطهم "خارج القانون"، بهدف الاستفادة من "ميزة" التخلص من تسديد أعباء الضريبة، يلجأ آخرون إلى استلهام طريقة عمل التجار الفوضويين، بانتقال عدوى عرض وفرش منتوجاتهم المختلفة على الرصيف والطريق العمومي رغم امتلاكهم محلات بسجلات تجارية.

وفي هذا الاتجاه، أرجع رئيس جمعية حماية المستهلك، مصطفى زبدي، انتشار هذه الظاهرة إلى "التنافس بين التجار لتحقيق أكبر قدر ممكن من الربح، على الرغم من أنها تمس بصحة المستهلك وسلامته، لاسيما إذا تعلّق الأمر ببيع المواد الغذائية أو أنواع المشروبات، ما  يعرضها للغبار والأتربة، فضلا عن أشعة الشمس".

وأشار المتحدث، في تصريحه لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ جمعية حماية المستهلك تلقت العديد من الشكاوى حول حالات "استيلاء" التجار النظاميين على الأرصفة والطريق العام، بحكم أنّ ذلك يعتبر تعديا على حقوق المواطنين، كما يعرضهم إلى خطر الطريق أيضا، بصرف النظر عن المخاطر المترتبة عن طريقة عرض هذه المنتوجات.

ودعا زبدي إلى ضرورة التطبيق الصارم للقانون لمواجهة هذه الظاهرة التي أضحت تنافس ممارسي التجارة الفوضوية، من خلال اتّباع نمط نشاطهم وطريقة عرضهم للمنتوجات، دون أدنى اعتبار لقواعد الصحة العمومية، ما يفرض على السلطات الرقابية التصدي لها، خاصة أنّ هؤلاء التجار مسجلّون، وبالتالي فإنّ إمكانية الوصول إليهم ومراقبتهم متاحة، على خلاف التجار الفوضويين.

ويرى مصطفى زبدي أن هذه الظاهرة أضحت تشكل صورة جديدة لتجارة موازية، بين منطقة "رمادية" تتوسط نشاط السوق السوداء البعيد عن الرقابة من جهة، والنشاط التجاري الرسمي من الجهة المقابلة، "ما يستدعي اتخاذ إجراءات لمواجهتها والحد من انتشارها، فالقانون الجزائري واللوائح البلدية تمنع احتلال الأرصفة بدون ترخيص، وتفرض على المخالفين عقوبات وغرامات مالية، لكن غالبا ما يكون التنفيذ ضعيفا أو موسميا".

عقوبات غير مطبقة

ينص القانون الجزائري على توقيع عقوبات صارمة ضد المخالفين لتنظيم ممارسة النشاط التجاري، فالقانون رقم 90ـ29 المتعلق بالتهيئة والتعمير يجرم الاحتلال غير الشرعي للأملاك العمومية ويمنح صلاحية إزالة أي تعديات للبلديات بصفتها مسؤولة عن التهيئة الحضرية، بالإضافة إلى قانون البلدية رقم 11ـ 10 الذي يمنع أي شخص طبيعي أو معنوي من شغل الرصيف أو الطريق العمومي بدون رخصة، كما يعاقب القانون 01ـ 19 المتعلق بتنظيم السير وحماية مستعملي الطرق كل من يعيق حركة المرور أو يعرض المارة للخطر، أما الغرامات المالية فتتراوح بين خمسة آلاف و20 ألف دينار جزائري (38.63 دولارا إلى 154.53 دولارا)، بالإضافة إلى الحجز الإداري للسلع المعروضة على الأرصفة وإجراءات الغلق المؤقت أو النهائي للمحل إذا تكرر مثل هذا النوع من المخالفات.

القوانين موجودة، لكن التطبيق غائب، فأغلب البلديات تتساهل في تطبيق القانون، أو لا تملك الوسائل الكافية للرقابة اليومية. في الجزائر، تُعد ظاهرة استيلاء الباعة النظاميين على الأرصفة مخالفة قانونية، حيث يُمنع عرض السلع في الأماكن غير المخصصة للبيع، مثل الأرصفة والطرقات العمومية، إلا بتراخيص إدارية من السلطات المحلية، كما تلجأ السلطات الرقابية أحيانا إلى إجراءات وقائية، عبر حملات دورية لتحرير الأرصفة والطرقات من الباعة المخالفين، مع تشديد الرقابة على الأسواق والأماكن العامة.

اقتصاد الناس
التحديثات الحية

أسباب مختلفة

خلال الجولة الميدانية التي قادت "العربي الجديد" إلى بعض أسواق الجزائر العاصمة، برر التجار النظاميون استعمال هذا الأسلوب في عرض السلع على الأرصفة بمجموعة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تنبع من واقعهم اليومي وتحدياتهم المستمرة. فـ"غالبا ما تكون الأسواق الرسمية والفضاءات المخصصة للبيع محدودَة السعة وغير قادرة على استيعاب جميع التجار الذين يسعون إلى عرض منتجاتهم بشكل قانوني ومنظم، ما يترك العديد منا بدون مكان ملائم للعرض. هذا النقص في الأماكن الرسمية يدفع كثيرين إلى استغلال الأرصفة والمساحات العامة كبدائل مؤقتة أو دائمة لضمان استمرار النشاط التجاري".

كما تشكل التكاليف المالية التي تفرضها الأسواق الرسمية عبئا كبيرا على هؤلاء التجار، حيث تتطلب هذه الأماكن دفع إيجارات ورسوم إدارية قد تكون مرتفعة مقارنة بإمكاناتهم المالية المحدودة. ونتيجة لذلك، فإن البيع على الأرصفة "يمثل خيارا اقتصاديا أكثر مرونة، إذ يمكنهم عرض بضائعهم دون تحمل أعباء مالية إضافية تُثقل كاهلهم".

ولم ينف بعض من التقينا بهم كون الأرصفة أماكن استراتيجية لعرض السلع، حيث تتميز بمرور عدد كبير من المارة يوميا، مما يعزز فرص الوصول إلى زبائن محتملين وزيادة المبيعات. هذا الموقع القريب من الشارع يتيح للتجار التفاعل المباشر مع الزبائن بطريقة أكثر ديناميكية وفعالية مقارنة بالأسواق التقليدية التي قد تكون محاطة بجدران وقيود تحد حركة الناس، خاصة بالنسبة للمنتجات التي تخفض أسعارها في مواسم "التخفيضات".

ولا يمكن بشكل عام، إغفال تأثير الظروف الاقتصادية العامة التي تمر بها البلاد، والتي تتميز بارتفاع معدلات البطالة وتدهور القدرة الشرائية للكثير من المواطنين، ليصبح البيع على الأرصفة بالنسبة للكثير من التجار وسيلة ضرورية للاستمرار في النشاط لتأمين لقمة العيش، خاصة لأولئك الذين لا يملكون بدائل أخرى أو فرص عمل مستقرة.

المساهمون