تجار في أسواق دمشق يهربون من العقوبات والتسعيرة الرسمية بالإغلاق

تجار في أسواق دمشق يهربون من العقوبات والتسعيرة الرسمية بإغلاق محلاتهم

10 ابريل 2021
الصورة
أسعار السلع والمنتجات تواصل الارتفاع رغم التدخل الحكومي (فرانس برس)
+ الخط -

اختار تجار وأصحاب محال في دمشق حل الإغلاق هرباً من عقوبة السجن والغرامات المالية المرتفعة التي ألمحت لها حكومة بشار الأسد، بعد الاجتماع الأسبوعي الأخير، ما حوّل بعض أسواق المدينة، بحسب مصادر لـ"العربي الجديد" إلى "أسواق أشباح"، وتمرّد من يزاول البيع والتجارة على الأسعار الرسمية التي حددتها وزارة التجارة الداخلية.
وبرر الباعة الإغلاق بأن الأسعار المحددة "أقل من التكلفة والمشكلة ليست بالباعة، بل بالتجار وتهاوي سعر الصرف ومدى توفر السلع" كما نقلت المصادر عن الباعة.
وتؤكد المصادر، التي طلبت عدم ذكر اسمها، أن تحسن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الواحد، خلال أسبوعين، لم ينعكس على أسعار السلع والمنتجات، بل حافظت الأسعار على ارتفاعها، وهو الأعلى منذ عشر سنوات، بل وشهدت أسعار البروتينات الحيوانية من لحم أبيض وأحمر وبيض وألبان وأجبان، ارتفاعاً بعد تحسن سعر الصرف وما قيل عن التدخل الحكومي.

وتشير المصادر  إلى أن "تذرّع الباعة" أضيف له أخيراً ارتفاع أجور النقل، بواقع الشلل الذي يعانيه القطاع، بعد شح المشتقات النفطية وارتفاع سعر ليتر المازوت بالسوق الحر إلى 1500 ليرة والبنزين إلى 3500 ليرة.

وحول أكثر الأسواق إغلاقاً بالعاصمة دمشق، تضيف المصادر أن نسب الإغلاق متفاوتة، وأكثرها بأسواق "باب سريجة والحريقة والحميدية" ومحال الغذائيات والسلع اليومية هي الأكثر إغلاقاً، في حين محال الألبسة والأثاث المنزلي تفتح وتستجدي الزبائن.
والملفت، بحسب المصادر، فضلاً عن الإغلاق هو فوضى التسعير واختلافه من محل لآخر، حيث إن "جميع عناصر دوريات التموين لا تغطي سوقاً واحداً".

عقوبات مشددة
وناقشت حكومة الأسد، خلال آخر اجتماع لها، التشدد في عقوبات المخالفات الجسيمة المتعلقة بالاتجار بالمواد المدعومة والغش وبيع المواد منتهية الصلاحية، وتعديل أحكام قانون حماية المستهلك رقم 14 لعام 2015.
وكشف وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، بحكومة الأسد، طلال البرازي، أنه تمت إضافة عقوبة جديدة تنص على الحبس لمدة سبع سنوات على الأقل وغرامة قدرها ثلاثة أضعاف قيمة الكميات المضبوطة بالسعر الرائج، لكل من سرق أو اختلس أو تاجر بالمواد المدعوم سعرها، مثل الدقيق والمشتقات النفطية.
كما، بحسب تصريحات الوزير البرازي أول من أمس، تمت إضافة عقوبة جديدة وهي الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة عشرة ملايين ليرة سورية لكل من امتنع عن تقديم البيان الجمركي والوثائق المطلوبة من قبل العاملين في الوزارة، أو امتنع عن إعطاء فاتورة أو أعطى فاتورة غير نظامية، أو امتنع عن بيع مادة أو سلعة أو باع أيا من المواد بسعر أعلى من السعر المحدد أو حاز على مواد مجهولة المصدر.
ويرى التاجر، لؤي شباط من ريف دمشق، أن مشكلة الغلاء بالأسواق السورية، ليست بقلة العرض كما يقول البعض، بل يوجد سلع ومنتجات أكثر من الطلب، لكن الأسعار مرتفعة وتفوق كثيراً قدرة السوريين الشرائية، لكن المشكلة بحسبه تعود إلى "زيادة تكاليف الإنتاج وتهاوي سعر الليرة وتدني الأجور".
ويضيف شباط لـ"العربي الجديد" أن بعض الباعة والتجار اختاروا إغلاق المحال كحل ريثما يستقر سعر الصرف، لأن البيع وفق التسعيرة الرسمية يلحق بهم الخسائر، كما أن عدم البيع يسبب لهم السجن أو الغرامات المالية، فيضطرون لرشوة دوريات التموين" التي تستطيع أن تجد عشرات المخالفات بأي محل ومتجر.
وأضاف أن "كثيرا من التجار يشترون سلعاً مهربة أو مجهولة المصدر، من الصيدلية إلى محال الغذائيات، خاصة المنتجات التركية التي تدخل من شمالي سورية، وهي أكثر ما يثير الدوريات ويعتبرونها تهريبا ومخالفة.
وحول ما يقال عن تدخل الحكومة لتخفيض الأسعار، يكشف التاجر السوري لـ"العربي الجديد" أن نظام بشار الأسد بدأ ببيع قطع أجنبي لبعض التجار لتمويل المستوردات، ولكن ليس بالسعر الرسمي 1256 ليرة للدولار، بل بسعر أقل من السوق، إذ بلغ سعر الدولار بالسوق السوداء أمس الجمعة، نحو 3500 ليرة، لكن المصرف المركزي يبيعه للتجار بسعر 3375 ليرة، مؤكدا أن "هذا القرار منذ يومين ولم يعلمه كثيرون حتى الآن".
وتوقع التاجر أن تبدأ الأسعار بالتراجع مطلع شهر رمضان، بعد وصول باخرة نفط إيرانية الأربعاء الماضي، وعودة تمويل المستوردات من المصرف المركزي والوعيد الحكومي بالسجن والغرامات للمخالفين.
واستقصى "العربي الجديد" حول بدء مصرف سورية المركزي ببيع الدولار بأقل من سعر السوق، وحصل على تصريحات متطابقة من عضو غرفة تجارة دمشق، طلب عدم ذكر اسمه، وأكد أن سعر الليرة سيستمر بالتعافي "لأن هناك قرارا سياسيا، وسنرى تدخلا مباشرا أكثر من المصرف المركزي وتشديد العقوبات على شركات الصرافة المخالفة وملاحقة المضاربين".
بالمقابل، أعلن مدير فرع المؤسسة السورية للتجارة بدمشق، لؤي حسن، أن المؤسسة تعمل على منحيين الأول بطرح المواد في صالات الخضار والفواكه المنتشرة في دمشق، إضافة إلى التدخل في سوق الهال من خلال طرح كميات جيدة بما ينعكس على واقع الأسعار.
ويرى الاقتصادي السوري، حسين جميل، أن إجراءات تدخل الحكومة المزعومة والتلويح بعصوات الغرامة والسجن، لن تجدي نفعاً وتبدل من واقع الأسعار، وإن خفضتها قليلاً ولأجل محدد، لأن المشكلة برأيه تكمن بتهاوي سعر صرف الليرة والفجوة الهائلة بين الدخل والانفاق.

أزمة مزمنة
ويلفت الاقتصادي جميل، خلال تصريحه لـ"العربي الجديد"، أن تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي زاد من الأزمة الاقتصادية بشكل عام، سواء زيادة البطالة والأسعار أو حتى وفرة السلع بالأسواق، ليأتي استمرار التصدير، ليزيد بلة طين الغلاء.

وما يتعلق بالإغلاق وهل يمكن أن يتطور لإضراب بدمشق، يقول جميل، الإغلاق هرباً من الخسائر وابتزاز دوريات وزارة التجارة الداخلية، مضيفا: "تصور لحاماً لا يبيع 10 كيلوغرامات يومياً بعد أن وصل سعر كيلو لحم الخروف إلى 30 ألف ليرة، فهل يبقي على محله أو يغلق".
وأشار إلى أن مسألة إضراب المحال وإعلان ذلك، سواء عبر الباعة أو غرف التجارة والتمثيل غير الحكومي "أمر مستبعد وربما مستحيل، لأنه سيعتبر احتجاجا ويدخل ضمن العقوبات السياسية والتمرد".
ويعاني السوريون، رغم ما يقال عن تحسن سعر الصرف وطرح المؤسسات الحكومية، سلعاً ومنتجات منافسة بسعرها، من حالة تجويع بعد تثبيت الدخل وتصريح وزير مالية النظام مؤخراً، بإمكانية إعادة النظر بالرواتب بعد شهر رمضان.
ففي حين لا يزيد متوسط الأجور بسورية عن 60 ألف ليرة، كشف مركز "قاسيون" من دمشق مؤخراً، أن نفقات الأسرة شهريا مليون وأربعون ألف ليرة.
وبيّن المركز السوري أن تكاليف الغذاء الضروري للشخص الواحد شهرياً، وصلت إلى 89 ألف ليرة سورية، خلال الربع الأول من 2021، لتصبح كلفة المكونات الغذائية الضرورية للعائلة (المكونة من 5 أفراد) 450 ألف ليرة شهرياً.

المساهمون