تاكايتشي... المرأة التي قُيّدت تعليمياً فأعادت تعريف اقتصاد اليابان

21 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 19:46 (توقيت القدس)
تاكايتشي لحظة اختيارها رئيسة وزراء، طوكيو 21 أكتوبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- النشأة والتحديات المبكرة: وُلدت ساناي تاكايتشي في نارا، اليابان، في بيئة صارمة، حيث عمل والدها في شركة سيارات ووالدتها في الشرطة. درست في جامعة كوبي، مما ساهم في تشكيل شخصيتها المثابرة، وعملت في واشنطن قبل العودة إلى طوكيو لشغل مناصب في الإعلام والتحليل التشريعي.

- المسار السياسي والاقتصادي: انضمت تاكايتشي إلى البرلمان الياباني عام 1993 و"الحزب الليبرالي الديمقراطي" عام 1996، وشغلت مناصب وزارية متعددة. تتبنى سياسة نقدية داعمة ومالية مرنة، مع التركيز على الأمن الاقتصادي وتعزيز الإمدادات.

- الأيديولوجية والتوجهات الاجتماعية: تُعرف تاكايتشي بأنها محافظة متشددة، مستلهمة من مارغريت تاتشر، وتثير زياراتها لضريح "ياسوكوني" توتراً مع الصين وكوريا الجنوبية. تسعى لتحقيق نمو مستدام مع التركيز على إصلاحات ضريبية وإعفاءات مستهدفة.

في بيت يجمع صرامة المصنع بانضباط الشرطة في مدينة نارا اليابانية، ولدت ساناي تاكايتشي لأب عمل في شركة سيارات تابعة لتويوتا وأم خدمت في الشرطة. تلك الصرامة المبالغ بها منعت ساناي من الالتحاق بجامعات طوكيو العريقة، فلا اغتراب لامراة في قانون العائلة، ولا ليل دون سقف الأسرة. هذه المطبات لم تُفقد ساناي الأمل، بل غذتها بإرادة وضعت معالم مسارها لاحقاً، فاختارت الدراسة في جامعة كوبي والتنقل يومياً لمسافة 60 كيلومتراً، وبين الغدوّ والمجيء، تشكل عصب شخصيتها المثابرة في الطريق الوعر.
قصة ساناي تجسّدت بانتقال من مدينة صامتة هادئة إلى كرسي الحكم. مسار حياتها لستة عقود وأربع سنوات مليء بالتحديات والمبادرات، بين زواجين وحياة بلا أولاد، ومشوار سياسي مغلق بالاقتصاد، توجد أسطر الامتحانات التي خرجت منها تاكايتشي بعد أخذها زمام المبادرة، لهذا تصر دوماً في دستورها الاقتصادي على دولة تستثمر لا تتفرج، وعلى اقتصاد يحمي تقنيته كي ينتج، وينتج كي يقدر على الحماية.

انكسار القيد

بعد التخرج، التحقت تاكايتشي بمعهد "ماتسوشيتا" لإعداد القيادات، ثم عبرت المحيط إلى واشنطن زميلة في مكتب النائبة الديمقراطية بات شرودر عام 1987، قبل أن تعود إلى طوكيو وتعمل محللة تشريعية وكاتبة، ثم مذيعة برنامج حواري في قناة "تي في أساهي" بطوكيو. في خلفية هذه السيرة، تلوح ملامح شغف شبابي: الطبول والبيانو وموسيقى الروك بلون "الميتال" الذي يدعو إلى التحرر من القيود، تفاصيل تقول الكثير عن مزاج لا يخشى التجريب.
دخلت تاكايتشي البرلمان عام 1993 مستقلة، ثم استقر بها المقام في "الحزب الليبرالي الديمقراطي" عام 1996 بعدما مرّت بمحطات حزبية سريعة. في داخل الحزب، التحقت بفصيل "موري"، أحد أكبر الفصائل في اليابان، ثم تقدمت على السلم التنفيذي الاقتصادي، من نائبة برلمانية لوزير التجارة الدولية والصناعة في حكومة كيزو أوبوتشي، إلى كبيرة نواب وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة في حكومة جونيشيرو كويزومي، ولاحقاً وزيرة للشؤون الداخلية والاتصالات في حكومات شينزو آبي. هذا المسار وضعها في قلب ماكينة النمو اليابانية، الصناعة والتجارة وسلاسل الإمداد وتنظيم الأسواق وأكسبها ثقة المعلم آبي، حتى وصفت بأنها من أقرب تلاميذه السياسيين.

رئيسة للوزراء

اليوم، مع تنصيبها رئيسة للوزراء، تبدو رؤيتها الاقتصادية امتداداً مُطعماً لـ"أبينوميكس" (مجموعة من التدابير السياسية تهدف إلى حل مشاكل الاقتصاد الكلي الياباني)، فهي تميل إلى سياسة نقدية داعمة للنشاط، ومالية عامة مرنة في الأزمات، مع استعداد لاستخدام أدوات التحفيز حين تمسّ الحاجة إلى حماية القدرة الشرائية ودفع الشركات إلى الاستثمار. وهي تسمي ذلك "استثمار إدارة الأزمات والنمو".
نظرتها تشتبك عضوياً مع "الأمن الاقتصادي" الذي تحول في طوكيو إلى سياسة دولة، وسبق أن تولت حقيبته وزيرة في 2022، وفي عهدتها أُقرّ "قانون تعزيز الأمن الاقتصادي" الذي أسّس لدعم الإمدادات الحرجة، وتحصين البنى التحتية الحساسة، وتمويل التقانات المتقدمة، وآلية "البراءات غير القابلة للنشر" لحماية الاختراعات. خلف ذلك وعي بسيط، لا نمو مستداماً من دون أمن تقني وسلاسل توريد مؤمنة.
ولدى ساناي أيضاً فكرة أثارت نقاشاً واسعاً بين الاقتصاديين: فرض ضريبة خفيفة على النقد والودائع الراكدة في ميزانيات الشركات الكبرى، بغرض دفع السيولة إلى الاستثمار والأجور، بدل تكديسها في الحسابات. أنصار المقاربة يرونها "عصا لطيفة" لتحريك المال الساكن، فيما يحذر منتقدون من رسائل سلبية لحيازة السيولة واحتمال ازدواج ضريبي. في الحالتين، تبقى الفكرة مُعبرة عن هاجسها الأهم، إنعاش الاستثمار الخاص من دون التفريط باستقرار الشركات.
وترافق "وصفة النمو" لديها حساسية عالية لاقتصاد الجغرافيا السياسية. فهي من الأصوات الأكثر انتقاداً لممارسات صينية، مثل انتهاكات الملكية الفكرية، وتدفع إلى تقليل التعرض للاعتماد التجاري الأحادي عبر تنويع الموردين وتشديد التدقيق على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحسّاسة، من دون إغلاق الباب أمام ما يخدم المصلحة التجارية.

الأيديولوجية

في الجانب الاجتماعي والسياسي، تُعرف تاكايتشي بأنها محافظة متشددة وتستلهم مارغريت تاتشر. زياراتها لضريح "ياسوكوني" كانت ولا تزال مادة توتر مع الصين وكوريا الجنوبية، فهناك يعتبر رمزاً سيئاً للحقبة التوسعية لليابان خلال الحرب العالمية الثانية. لكن صورتها العامة لا تنفصل عن قدرتها على تبسيط رسالتها الاقتصادية لجمهور متعب من التضخم والأجور الجامدة. إن نجحت في ضبط كلفة المعيشة عبر إعفاءات مستهدفة، وإصلاحات ضريبية، وتوجيه كثيف للاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية، مع الحفاظ على مصداقية السياسات النقدية والمالية، فسترى العائلات فرقاً في الفواتير، وترى الشركات بيئة أوضح لتوسيع الإنفاق الرأسمالي ورفع الأجور. وإن تعثرت الثقة أو ارتفعت كلفة الاقتراض، فسيعاد ترتيب الأولويات بسرعة، لأن دفتر الأرقام في طوكيو لا يترك مساحة كبيرة للوعود المفتوحة. ومع أن سجالاتها الأيديولوجية ستظل حاضرة، فإن الحكم الأخير سيكون في ساحات يعرفها اليابانيون جيداً: الأسعار، الأجور، والقدرة على المنافسة هناك فقط تقاس عهدتها. فهي ابنة مدرسة تشجع الطلب أولاً، وتحكم حساباتها داخل قيود ثلاثة: دين عام كبير، وين ضعيف يضغط على الأسر، وشريك ائتلافي متحفظ مالياً. بين هذه الحدود، سيختبر مدى قدرتها على تحويل "الضغط العالي" إلى نمو مستدام لا يكسره التضخم.

المساهمون