- المصالح المتعارضة: تتعارض مصالح شركات الطيران، التي ترغب في تقليل عبء التعويضات، مع جمعيات حماية المستهلكين التي تسعى للحفاظ على حقوق الركاب، مع دعوات لإصلاح يركز على تطبيق أفضل للقواعد الحالية.
- التحديات الإدارية: يواجه الركاب صعوبات في الحصول على التعويضات بسبب تعقيد الإجراءات، وتقترح بعض الجهات تحسين العملية لتكون أكثر تلقائية وسهولة، مع احتمالات فشل الإصلاحات بسبب تغيّر رئاسة الاتحاد الأوروبي.
تعيش أوروبا هذه الأيام جدلاً محتدماً حول سؤال واحد بسيط في الظاهر: هل يجب تعديل قواعد تعويض الركاب عند تأخر الرحلات الجوية أو إلغائها، أم الإبقاء عليها كما هي؟ خلف هذا السؤال تقف مصالح متعارضة بين شركات الطيران، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، وجمعيات حماية المستهلكين، وملايين المسافرين الذين يتأثرون يومياً بهذه القرارات.
ويستند حق الركاب في التعويض داخل الاتحاد الأوروبي إلى "التنظيم رقم 261 الصادر في 11 فبراير/ شباط 2004". هذا التنظيم ينص على أن ركاب شركات الطيران الأوروبية، أو الرحلات المغادرة من مطارات الاتحاد الأوروبي، يحق لهم الحصول على تعويض مالي في ثلاث حالات رئيسية: عندما يتأخر وصول الرحلة أكثر من ثلاث ساعات، أو عندما تُلغى الرحلة خلال الأربعة عشر يوماً التي تسبق موعد الإقلاع، أو عندما يُمنع الراكب من الصعود إلى الطائرة بسبب الحجز الزائد. وترواح قيمة التعويض بين 250 و600 يورو بحسب مسافة الرحلة، ما لم يكن سبب التأخير أو الإلغاء "ظروفاً استثنائية" مثل إنذار بوجود قنبلة، أو أحوال جوية سيئة، أو أزمة سياسية. وإلى جانب التعويض المالي، يمكن أن يشمل حق الراكب تغطية نفقات الإقامة في فندق أو وجبات طعام عند الضرورة.
رفع سقف التأخير
منذ الربيع الماضي، تتفاوض مؤسسات الاتحاد الأوروبي على إصلاح جديد لهذا التنظيم، ويتعلق جوهر الخلاف بسقف التأخر الذي يمنح الحق في التعويض. فبعض الدول وشركات الطيران تريد رفع هذا السقف، مثلاً من ثلاث ساعات إلى أربع، بحجة أن ثلاث ساعات لا تكفي عملياً لتدبير طائرة بديلة أو طاقم جديد، وأن القاعدة الحالية تدفع الشركات في كثير من الحالات إلى إلغاء الرحلة بالكامل بدلاً من محاولة تأخيرها وإعادة تنظيمها، وهو ما تعتبره "نتيجة عكسية". في المقابل، يدافع البرلمان الأوروبي عن الإبقاء على الحدود الحالية للتأخر، ويطالب أيضاً بضمان حق كل المسافرين في حمل حقيبة يد مجانية على متن الطائرة. ويُذكر أن محاولة سابقة لإصلاح هذا التنظيم في عام 2013 فشلت بسبب الخلاف نفسه حول عتبة الثلاث ساعات.
قبضة حديدية
وتصف المسؤولة القانونية المتخصصة في مساعدة ركاب الطيران على تحصيل التعويضات في شركة "فلايتريت" (Flightright) إيمان البوعناني في حديثها لصحيفة لوفيغارو الفرنسية الوضع بلهجة ساخرة، وتقول إن "حتى بعض النواب الذين يصوتون على النصوص القانونية لا يفهمون تماماً ما يجري، فكيف بالركاب العاديين؟". ومن جهة أخرى يرى رئيس الاتحاد الوطني لمستعملي وسائل النقل في فرنسا، فرانسوا دوليتراز أن شركات الطيران تعتبر سقف الثلاث ساعات منخفضاً جداً بحيث لا يترك لها وقتاً كافياً لإعادة تنظيم الرحلات، ما يدفعها في كثير من الحالات إلى إلغاء الرحلة، وهو ما يعدونه نتيجة غير فعّالة في النهاية.
أما وسيط السياحة والسفر في فرنسا، جان بيار ماس، فيختصر الصورة بالقول إن هناك موقفين متعارضين تماماً: "شركات الطيران التي تسعى لتخفيف عبء التعويضات، أي تقليص ما تدفعه، وجمعيات المستهلكين التي تريد الحفاظ على حقوق الركاب وربما تقويتها". ويشير إلى حالات يراها "مفاجئة"، حيث يحصل بعض الركاب الذين دفعوا أسعاراً منخفضة جداً للتذكرة على تعويضات تبلغ 300 أو 400 يورو، لأن قيمة التعويض مرتبطة بمسافة الرحلة لا بسعر التذكرة، بينما تواجه الشركات في المقابل الكثير من الطوارئ الخارجة عن إرادتها.
وتنتقد لوبيات الطيران بانتظام سياسة التعويض الأوروبية. وقال مدير الاتحاد الدولي للنقل الجوي فيلي والش، إن التشريع الحالي عتيق ويضر بتنافسية شركات الطيران الأوروبية. ومن وجهة نظر هذه الشركات، فإن رفع سقف التأخر إلى أربع ساعات مثلاً يمنحها هامشاً عملياً أكبر لتدبير طائرة جديدة وطاقم بديل، بدلاً من الوقوع تلقائياً تحت التزام دفع تعويضات مرتفعة بعد ثلاث ساعات فقط من التأخر. لكن إيمان البوعناني ترد بأن رفع السقف سيكون ثمنه مباشراً على الركاب، إذ تقدر أن نحو 60% من الركاب الذين يحصلون اليوم على تعويض لن يكونوا مؤهلين له إذا رُفع الحد الزمني. لذلك، تدعو إلى إصلاح يركز ليس على تقليص حقوق الركاب، بل على تطبيق أفضل للقواعد الموجودة بالفعل. وتشرح أن الأهم ضمان أن تعيد الشركات فعلاً حجز الركاب على رحلات بديلة عند إلغاء الرحلة، وألا يتركوا عالقين في المطارات دون حل، إضافة إلى إنشاء نموذج موحّد للشكاوى عبر الإنترنت في كل أوروبا لتسهيل مطالبة الركاب بحقوقهم.
حلول أخرى
على أرض الواقع، كثير من الركاب الذين يملكون الحق في التعويض لا يحصلون عليه في النهاية. وتقدّر المنظمة الفرنسية لحماية المستهلك "يو إف سي كي شو أزير" أن حوالى ثلث الركاب فقط الذين يحق لهم التعويض يقدمون طلباتهم فعلاً، بسبب جهلهم بحقوقهم أو تعقيد المسار الإداري للحصول على الأموال. ولهذا، يتفق الوسيط جان بيار ماس مع فكرة أن الأولوية ليست زيادة قيمة التعويض بقدر ما هي ضمان تعويض أفضل وأبسط، أي أن تتم العملية بشكل شبه تلقائي وبإجراءات واضحة وسريعة، حتى لو قلّ المبلغ قليلاً، بدلاً من أن يبقى الراكب في معركة إدارية طويلة ومعقدة.
وفي خضم هذه المفاوضات، طلب كل من الاتحاد الدولي للنقل الجوي ورابطة "إيرلاينز فور يوروب" التي تمثل عدداً من شركات الطيران الأوروبية، تعليق المناقشات لمدة ستة أشهر. وترى إيمان البوعناني أن الآفاق لا تبدو مشرقة، فمع تغيّر رئاسة الاتحاد الأوروبي في يناير/ كانون الثاني القادم، تزيد احتمالات فشل هذه الجولة من الإصلاحات أيضا. وعلى المستوى النظري، توجد آلية تسمى "إجراءات التوفيق" يمكن اللجوء إليها إذا تعثرت المفاوضات بين مؤسسات الاتحاد، لكن المثير أن هذه الآلية لم تُستخدم إطلاقاً منذ إنشاء الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس حساسية الملف.
في النهاية، تظل حقوق تعويض الركاب عن تأخر الرحلات الجوية وإلغائها واحداً من أكثر الملفات حساسية في أوروبا، فهي تمسّ حياة ملايين المسافرين، وتؤثر مباشرةً بنموذج عمل شركات الطيران، وتضع المشرّع الأوروبي أمام معادلة صعبة، كيف يوازن بين حماية المستهلك وعدم خنق شركات الطيران بقواعد مكلفة، وفي الوقت نفسه ضمان أن تتحول الحقوق المكتوبة على الورق إلى حقوق فعلية في أرض المطارات.