استمع إلى الملخص
- توسعت قاعدة المشاركين في سوق تأجير الذهب، حيث أكدت شركات مثل مونيتري ميتالز وغولدستروم على زيادة الطلب، مما رفع السيولة المتاحة لقطاع المجوهرات والمصافي، مع عوائد تتراوح بين 3% و4%.
- رغم الفوائد، يحمل نظام تأجير الذهب مخاطر تتعلق بعدم قدرة بعض الشركات على إعادة الكمية المستعارة، لكن التأجير يضيف طبقة جديدة للطلب، مما يساهم في توازن العرض والطلب مستقبلاً.
شهدت سوق الذهب العالمية ظاهرة لافتة وغير مسبوقة خلال عام 2025، بعدما أعلنت منصة سيف غولد (SafeGold) الهندية، أحد أبرز مقدمي خدمات تأجير الذهب عالميا، أن حجم السبائك المؤجرة عبرها ارتفع من 2 مليون دولار في بداية العام إلى 40 مليون دولار حتى منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أي بنسبة نمو مذهلة بلغت 1900%. وهو ما يعكس التحول السريع في سلوك المستثمرين الأثرياء، الذين لم يعودوا يكتفون بالاحتفاظ بالذهب بوصفه ملاذا ثابتا، أو أصلا جامدا، بل يتجهون إلى تشغيله عبر عقود تأجير تدر عوائد سنوية مدفوعة بالذهب نفسه، في خطوة قد تقلب موازين السوق وتعيد رسم علاقة المستثمرين بالمعدن النفيس في ظل أسعاره القياسية.
ويأتي هذا التحول في وقت تتداول أونصة الذهب فوق مستوى 4000 دولار منذ أشهر، وهو ارتفاع غير مسبوق دفع شريحة واسعة من المستثمرين إلى إعادة النظر في طريقة إدارة الذهب، الذي ظل لسنوات طويلة أصلا عالي الأمان لكنه غير منتج. كما يتزامن اتساع قاعدة المشاركين في سوق التأجير مع ارتفاع المخاوف الجيوسياسية، وزيادة مشتريات البنوك المركزية، بالإضافة إلى توقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية، وهي عوامل رفعت أسعار الذهب بنحو 55% منذ بداية العام.
إقبال غير مسبوق
وأكدت أبرز الشركات العالمية العاملة في قطاع تأجير الذهب وجود موجة توسع غير مسبوقة في الطلب على تأجير الذهب خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل معدلات نمو استثنائية، بحسب "CNBC" الأميركية، وأعلنت شركة سيف غولد (SafeGold)، وهي منصة رقمية متخصصة في الربط بين المستثمرين وشركات المصافي والمجوهرات، تسجيل أحد أكبر معدلات النمو في تاريخها، وقال مؤسس الشركة، غوراف ماثور، إن هذا الارتفاع يعود إلى دخول شريحة كبيرة من العملاء الأثرياء الذين باتوا يعتبرون تأجير السبائك وسيلة فعالة لتشغيل الذهب بدل تجميده في الخزائن، مع ازدياد تقبلهم لفكرة تحقيق عائد دوري يُدفع بالذهب نفسه.
وأفادت مونيتري ميتالز (Monetary Metals)، وهي شركة أميركية مقرها ولاية أريزونا وتعد من أول الشركات التي طورت نموذج "العائد المدفوع بالذهب"، بأن العديد من عملائها ضاعفوا كميات الذهب المؤجرة لديهم خلال العام، مع اعتماد الشركة على نموذج يربط المستثمرين بالمستخدمين الصناعيين للمعدن في أكثر من دولة. وأكد مؤسسها ورئيسها التنفيذي كيث وينر أن الشركة تشهد ارتفاعا ملحوظا في عدد المستثمرين الأميركيين والدوليين الذين ينظرون إلى الذهب ليس فقط باعتباره ملاذاً آمناً، بل أصلاً قادراً على تحقيق دخل، خاصة بعد بقاء الأسعار فوق مستوى 4000 دولار للأونصة، لافتا إلى أن الشركة توفر عوائد تتراوح عادة بين 3% و4% وفق نوع عقود التأجير، مع دفع الفائدة بالكامل بالذهب.
أما شركة غولدستروم (Goldstrom)، ومقرها سنغافورة ولها امتداد كبير في أسواق دبي وغانا، وواحدة من أكثر الجهات تأثيرا في قطاع تمويل الذهب الصناعي، فإنها تعتمد على تزويد شركات المجوهرات والمصنعين بالذهب المؤجر في أسواق تنشط فيها تجارة المعدن بشكل يومي. وأكدت أن الطلب من عملائها في قطاع المجوهرات تضاعف خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار وصعوبة شراء المخزون عبر القروض البنكية التقليدية. وتعتمد غولدستروم نظاما متقدما في تتبع السبائك والقطع المصنعة باستخدام شرائح RFID المتصلة بالمنصة لحظيا، وهو ما يتيح مراقبة حركة كل غرام من الذهب ويقلل من مخاطر التعثر أو الفقد.
وبحسب البيانات المشتركة لهذه الشركات الثلاث، فقد ساهم تزايد استخدام آلية التأجير في رفع مستوى السيولة المتاحة لقطاع المجوهرات والمصافي، وفي الوقت ذاته مكن المستثمرين الأثرياء من تحقيق عائد دوري من سبائك كانت تعد سابقا أصلا جامدا غير منتج، وهو ما يفسر النمو القوي الذي يشهده هذا السوق خلال 2025. وتعتمد الشركات المستعيرة على بيع منتجاتها وفق السعر الفوري للذهب، ثم إعادة شراء الكميات اللازمة لإرجاع السبيكة في نهاية فترة التأجير، وهو ما يجعل عملية التمويل متوازنة وغير مرتبطة مباشرة بتغيرات الأسعار.
كيف يعمل نظام تأجير الذهب؟
يقوم نظام تأجير الذهب على مبدأ بسيط يشبه القرض التقليدي من حيث البنية العامة، لكنه يختلف جذريا في طبيعة الأصل المستخدم؛ فالعقد هنا لا يبرم بالدولار، بل بالأونصات الذهبية. وبحسب نظام الشركات، يبدأ المستثمر الخطوة الأولى بتسليم سبائكه إلى منصة تأجير أو شركة مالية متخصصة، التي تتولى بدورها إعادة توجيه هذا الذهب إلى شركات المجوهرات والمصافي والمصانع التي تحتاجه بشكل يومي في عمليات الإنتاج. ويحصل المستثمر مقابل ذلك على عائد سنوي مدفوع بالذهب نفسه يتراوح عادة بين 2 و4%، وقد وصل إلى 5% خلال الأشهر الأولى من العام بحسب بيانات سيف غولد (SafeGold)، ليزداد بذلك حجم الذهب الذي يملكه دون الحاجة لشراء المزيد من السوق.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة غولدستروم (Goldstrom)، باتريك توهي، إن هذا النظام مطبق في الشرق الأوسط منذ 2006 ولم يحدث تعثر واحد، غير أن الجديد فيه أنه لم يعد حكرا على البنوك المركزية وبنوك السبائك الكبرى، بل أصبح اليوم متاحا للمستثمرين الأفراد والأثرياء عبر منصات رقمية تعتمد أنظمة تأمين، ومراجعة، وفحصا دقيقا للسبائك، بما يجعل العملية أكثر شفافية وأقل مخاطرة من أي وقت مضى، وهو ما عزز ثقة المستثمرين وأدى إلى توسع قاعدة المشاركين من مختلف الجنسيات. والجانب الأكثر أهمية، وفق "CNBC"، في ظاهرة تأجير الذهب يرتبط بدوافع المستعيرين، أي الشركات التي تحصل على الذهب من خلال هذه العقود. فالارتفاع الكبير في الأسعار (بما يتجاوز 50% منذ بداية العام) جعل تمويل المخزون عبر القروض البنكية التقليدية تحديا ماليا شديدا، إذ إن القرض الذي كان يكفي لشراء كمية كبيرة من الذهب قبل عام، أصبح اليوم لا يكفي إلا لجزء بسيط منه. هذا الواقع دفع شركات المجوهرات والمصانع إلى البحث عن نموذج تمويلي لا يعرضها لمخاطر تقلب الأسعار اليومية.
ويقوم جوهر العملية على أن المستعير يعيد كمية الذهب نفسها عند نهاية العقد، وليس قيمتها بالدولار، وهو ما يمنحه تمويلا مستقرا وغير مرتبط مباشرة بحركة السوق. فالشركة تحصل على الذهب، وتصنع منتجاتها، وتبيعها وفق السعر الفوري، ثم تعيد شراء نفس كمية الذهب لاحقا لإعادتها إلى المستثمر. وهذا ما يجعل التأجير نموذجا أكثر كفاءة وأقل تكلفة مقارنة بالاقتراض النقدي. وأكد الرئيس التنفيذي لشركة كيلو كابيتال (Kilo Capital)، ويد برينان، أن شراء الذهب بقرض مصرفي يعرض الشركات لمخاطر ضخمة في حال ارتفع السعر، إذ تضطر حينها إلى التحوط عبر عقود مستقبلية، وهي أدوات لا تتقنها غالبية الشركات الصغيرة والمتوسطة. أما في نموذج التأجير، فإن الشركة تحصل على الذهب وتنتج ما تحتاجه دون أن تنشغل بحركة الأسعار، لتسدد في النهاية الكمية نفسها من المعدن، وهو ما يجعل تأجير الذهب حلا تمويليا ذا مخاطر أقل واستقرار أكبر.
مخاطر تأجير الذهب
ورغم أن سوق تأجير الذهب يوفر مزايا متعددة، إلا أنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر تتعلق بالطرف المقابل. ويحذر مجلس الذهب العالمي من احتمالية عدم قدرة بعض الشركات على إعادة الكمية المستعارة في الوقت المحدد، أو إعادة سبائك غير مطابقة للمواصفات. وتؤكد منصات التأجير أنها تتعامل مع هذه المخاطر عبر التأمين الكامل على السبائك المؤجرة، وإجراء اختبارات متعددة عند استلامها، بالإضافة إلى احتفاظها بحق مصادرة المنتجات المصنوعة من الذهب المؤجر في حال تعثر الشركة. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن انتشار آلية التأجير يضيف طبقة جديدة إلى الطلب على الذهب، تعتمد على دورة الإنتاج وليس على الاستثمار المباشر فقط. فبدلا من أن يقود ارتفاع الأسعار إلى تراجع في استخدام الذهب الصناعي بسبب ارتفاع كلفته، يسمح التأجير للشركات بالاستمرار في إنتاج المجوهرات والمكونات الإلكترونية المعتمدة على الذهب دون تحميلها أعباء مالية كبيرة. ويمثل هذا الاتجاه تحولاً مهماً قد يؤثر في مسار أسعار الذهب خلال 2026، إذ يحافظ على قاعدة الطلب حتى في ظل الأسعار المرتفعة.
وقالت مجموعة غولدمان ساكس، أول أمس الاثنين، إن البنوك المركزية اشترت على الأرجح كميات كبيرة من الذهب خلال شهر نوفمبر الجاري، في إطار اتجاه مستمر منذ سنوات لتنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر الجيوسياسية والمالية. وقدرت المؤسسة المالية أن مشتريات البنوك المركزية بلغت 64 طنّا في سبتمبر/أيلول 2025، ارتفاعا من 21 طنا في أغسطس/آب الماضي. وجددت غولدمان ساكس في مذكرة بحثية توقعها أن تصل أسعار الذهب إلى 4900 دولار للأونصة بحلول نهاية 2026، مع إمكانية تسجيل مزيد من المكاسب إذا واصل المستثمرون في القطاع الخاص تنويع محافظهم الاستثمارية نحو الذهب. ويعتقد خبراء السوق أن التأجير قد يصبح عنصرا أساسيا في البنية المالية للذهب خلال السنوات المقبلة، نظرا لدوره في توفير تمويل مستدام للصناعة، وخلق عائد ثابت للمستثمرين، وتقليل الضغط على الشركات التي تعتمد على الذهب مادةً أولية. وإذا استمر هذا النمو في 2026، فمن المتوقع أن يشهد السوق مزيدا من التوازن بين العرض والطلب، مع تحول الذهب إلى أصل مالي كامل لا يقتصر على التخزين والتحوط فقط، بل يمتد ليصبح عنصرا فاعلا في دورة الإنتاج وسلاسل التوريد العالمية.