استمع إلى الملخص
- أهداف استراتيجية: يسعى التغيير للانضمام إلى مؤشر MSCI أوروبا، رغم عدم شعبية الخطوة محليًا، كجزء من استراتيجية لتحويل البورصة إلى منصة أكثر اندماجًا في النظام المالي العالمي.
- أداء السوق: ارتفع مؤشر تل أبيب 35 بنسبة 73% بالدولار، مع تدفقات كبيرة من رؤوس الأموال الأجنبية وزيادة الاهتمام الدولي بالسوق الإسرائيلية.
تعتمد بورصة تل أبيب نظام تداول جديدًا يمتد من الاثنين إلى الجمعة اعتبارًا من الأسبوع المقبل، في خطوة تهدف إلى تعزيز جاذبية السوق الإسرائيلية أمام المستثمرين الدوليين، بعد نحو عامين من الحرب والاضطرابات الأمنية. وعلى مدى عقود، التزمت البورصة بنظام تداول من الأحد إلى الخميس، انسجامًا مع أسبوع العمل المحلي، كما هو الحال في عدد من أسواق المنطقة.
غير أن النظام الجديد ينصّ على إنهاء جلسة التداول يوم الجمعة عند الساعة الثانية بعد الظهر، احترامًا لبداية السبت اليهودي، فيما تستمر جلسات التداول من الاثنين إلى الخميس حتى الساعة 5:35 مساءً. وتأتي هذه الخطوة عقب عام استثنائي سجّلت فيه السوق أداءً قويًّا، متفوقة على عدد من نظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة، في ظل تحسّن نسبي في موقع إسرائيل ضمن سلسلة الحروب الإقليمية التي اندلعت بعد هجوم حركة حماس في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وفي السياق، قال الرئيس التنفيذي لبورصة تل أبيب، إيتاي بن زئيف، في تصريحات إلى "بلومبيرغ"، إن السوق تتوقع تدفقات كبيرة من رؤوس الأموال، معتبرًا أن البورصة تمثل قناة التوزيع الاقتصادي والبوابة التي تربط الاقتصاد الإسرائيلي بأسواق رأس المال العالمية، مشيرًا إلى أن "تعديل أيام التداول يهدف بالدرجة الأولى إلى تلبية متطلبات المستثمرين الأجانب".
وساعدت تطورات سياسية وأمنية عدة على تهيئة المناخ لعودة الاستثمارات الخارجية، من بينها وقف إطلاق النار مع حزب الله اللبناني أواخر العام الماضي، تلاه هجوم استهدف منشآت نووية وصاروخية إيرانية، إضافة إلى نهاية متقلبة للحرب في غزة. ويُنظر إلى مواءمة أسبوع التداول مع الأسواق العالمية على أنها أداة إضافية لرفع جاذبية السوق أمام المستثمرين غير الإسرائيليين.
ويرتبط تغيير أيام التداول أيضًا بهدف استراتيجي آخر، يتمثل في السعي للانضمام إلى مؤشر MSCI أوروبا، الذي يضم أسهم الشركات الكبيرة والمتوسطة في 15 دولة أوروبية. وكان عدم تطابق أيام التداول يشكّل عائقًا أمام هذا الانضمام، رغم عدم شعبية الخطوة لدى القوى العاملة المحلية بسبب تعارضها مع نمط العمل السائد في إسرائيل. وقال بن زئيف إن إسرائيل "ممثلة تمثيلًا ناقصًا بوضوح في المؤشرات الدولية"، لافتًا إلى أن عددًا من المؤسسات الأجنبية أبدى استعدادًا لزيادة استثماراته في حال تحسّن حضور السوق الإسرائيلية ضمن تلك المؤشرات.
وأظهرت بيانات نشرتها بورصة تل أبيب هذا الأسبوع، تغطي الفترة حتى 19 ديسمبر/كانون الأول، أن مؤشر تل أبيب 35 ارتفع بنسبة 73% مقومًا بالدولار، متفوقًا على العديد من المؤشرات الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة. وتضم البورصة حاليًّا 546 شركة مدرجة، من بينها 49 شركة ذات إدراج مزدوج. وخلال الاثني عشر شهرًا الماضية، عكس المستثمرون الأجانب اتجاههم السابق، مسجلين صافي مشتريات سنوية بنحو 4.3 مليارات شيكل (نحو 1.35 مليار دولار)، بعد عامين متتاليين من صافي المبيعات.
وفي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، ارتفعت قيمة حيازات المؤسسات غير الإسرائيلية من الأسهم غير المدرجة إدراجًا مزدوجًا بنحو 70% مقومة بالدولار، لتبلغ ذروتها عند مستوى تاريخي قدره 63.5 مليار شيكل في سبتمبر/أيلول، وفق تقرير صادر عن البورصة. كما فاق الطلب الأجنبي، إلى جانب طلب المستثمرين الأفراد المحليين، الطلب الصادر عن المؤسسات المحلية التي عززت انكشافها على الأصول المحلية بوتيرة معتدلة.
وتشكل مواءمة أيام التداول وساعاتها مع الأسواق العالمية أحد المحددات الأساسية لقرارات الصناديق الاستثمارية الدولية، ولا سيما الصناديق السيادية وصناديق التقاعد ومديري الأصول الكبار الذين يديرون محافظ عابرة للحدود. فاختلاف أيام التداول يفرض تكاليف تشغيلية إضافية، ويحدّ من القدرة على تنفيذ استراتيجيات التحوط وإدارة المخاطر بشكل متزامن، كما يخلق فجوات زمنية بين فتح وإغلاق الأسواق تؤثر في كفاءة التسعير والسيولة.
ومن هذا المنطلق، تسعى بورصة تل أبيب إلى تقليص ما يُعرف بـ"العزلة الزمنية" التي كانت تفصلها عن المراكز المالية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، إذ إن التداول من الأحد إلى الخميس كان يضع السوق خارج الإيقاع العالمي في لحظات مفصلية من الأسبوع، خصوصًا عند صدور بيانات اقتصادية أميركية أو قرارات نقدية مؤثرة. ويُتوقع أن يسهم الانتقال إلى أسبوع تداول من الاثنين إلى الجمعة في تحسين تفاعل السوق مع التدفقات الرأسمالية الدولية، وتعزيز حجم التداول اليومي، ورفع جاذبية الأسهم الإسرائيلية لدى المستثمرين المؤسسيين.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعٍ أوسع لإعادة تموضع السوق المالية الإسرائيلية بعد سنوات من التوترات الجيوسياسية التي أثرت في ثقة المستثمرين الأجانب، وأدت إلى تراجع الوزن النسبي لإسرائيل في المحافظ العالمية. ورغم الأداء القوي للأسهم المحلية خلال العام الماضي، ظل هذا الأداء محصورًا جزئيًّا داخل السوق المحلية أو في نطاق المستثمرين ذوي الشهية العالية للمخاطر، من دون أن ينعكس بالكامل في تدفقات أجنبية مستقرة وطويلة الأجل.
كما يرتبط هذا التغيير بمحاولة معالجة ما تصفه المؤسسات المالية الدولية بــ"التمثيل الناقص" لإسرائيل في المؤشرات العالمية، وعلى رأسها مؤشرات MSCI، التي تلعب دورًا محوريًّا في توجيه مليارات الدولارات من الاستثمارات السلبية. فالدخول إلى هذه المؤشرات لا يعني فقط اعترافًا مؤسسيًّا بنضج السوق، بل يفتح الباب أمام تدفقات تلقائية من الصناديق المتتبعة للمؤشرات، ما يعزز عمق السوق واستقرارها على المدى المتوسط والطويل.
ولا يمكن فصل تغيير أيام التداول عن استراتيجية أشمل تهدف إلى تحويل بورصة تل أبيب من سوق متأثرة بالاعتبارات المحلية والإقليمية إلى منصة أكثر اندماجًا في النظام المالي العالمي. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بعوامل أخرى، في مقدمتها الاستقرار السياسي والأمني، واستمرارية الإصلاحات التنظيمية، وقدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد نمو مستدام يدعم تقييمات الأسهم ويحدّ من تقلبات رؤوس الأموال الساخنة.