بلومبيرغ: السعودية تخفض تمويل "نيوم" وتركز على الذكاء الاصطناعي والألعاب الإلكترونية

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 19:42 (توقيت القدس)
مدير نيوم، طارق قدومي (يمين) يروج المشروع في هونغ كونغ ، 19 إبريل 2025 Getty
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت السعودية تحولًا في استراتيجياتها الاستثمارية، حيث قللت التركيز على مشروع "نيوم" ووجهت استثماراتها نحو الذكاء الاصطناعي، والألعاب الإلكترونية، والتصنيع المتقدم، بهدف تقليل الاعتماد على النفط.

- تواجه مشاريع "نيوم" تحديات مع تباطؤ العمل في بعض مكوناتها، بينما تركز المملكة على مبادرات جديدة مثل "هيوماين" و"آلات"، مما يعكس تحولًا نحو مجالات ذات عائد أسرع وأكثر استدامة.

- تستمر السعودية في جذب الاستثمارات العالمية عبر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، رغم التحديات الاقتصادية، مما يوفر فرصًا مربحة للبنوك والشركات العالمية.

تشير تقارير صحافية إلى أن المملكة العربية السعودية باتت تولي اهتماماً أكبر في الوقت الراهن لتوجيه استثماراتها نحو الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم والألعاب الإلكترونية فيما تراجع الاهتمام بمشروع نيوم الذي قُدرت كلفته المبدئية وقت إطلاقه بـ 500 مليار دولار.

ويقول تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ اليوم الخميس إنه حين جلس ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى جانب ستيف شوارتزمان وماسايوشي سون خلال النسخة الأولى من القمة المالية السنوية للمملكة في عام 2017، كان وقتها يكشف النقاب عن مشروع «نيوم» – المدينة المستقبلية التي قُدّر لها أن تصبح نموذجًا للمدن الذكية في القرن المقبل.

وقد سارع المليارديران حينها إلى الإشادة بالمشروع الذي تبلغ تكلفته 500 مليار دولار، والذي تخيّل مدينة يسكنها روبوتات أكثر من البشر، ومجهزة بما يكفي من الألواح الشمسية لتغطية سور الصين العظيم.

لكن مع توجّه عمالقة المال العالميين إلى الرياض هذا الأسبوع لحضور «مبادرة مستقبل الاستثمار»، تغيّر المشهد. فالمملكة باتت تقلّص طموحاتها بشأن ما كان يمكن أن يكون أضخم مشروع إنشائي في العالم، لتوجّه مليارات الدولارات الجديدة نحو مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والألعاب الإلكترونية، والتصنيع المتقدّم، في إطار سعيها لتقليل اعتماد اقتصادها على النفط، بحسب مصادر مطّلعة.

تقلّصت العقود الجديدة الخاصة بـ«نيوم»، ولم يرد ذكر المشروع في البيان التمهيدي لميزانية 2026 بعد أن كان موضوعاً متميزاً لثلاث سنوات متتالية. كما تباطأ العمل في مشروع «ذا لاين» – المدينة التي تضم خطين ممتدين من ناطحات السحاب بطول 170 كيلومترًا – وفقًا لبعض المصادر. وفي الوقت نفسه، واجهت مشاريع أخرى مثل جزيرة «سندالة» الفاخرة ومنتجع التزلج الجبلي «تروجينا» انتكاسات مماثلة. وتقول المصادر إن الحكومة تراجع أهداف «نيوم» في ضوء أولوياتها الأخرى، خصوصًا مع توقع بقاء أسعار النفط منخفضة لفترة أطول.

وفي «مبادرة مستقبل الاستثمار» الأسبوع المقبل، سينضم رؤساء مؤسسات مالية عالمية، مثل جيمي ديمون (جيه بي مورغان تشيس)، وديفيد سولومون (غولدمان ساكس)، ولاري فينك (بلاك روك)، وبروس فلات (بروكفيلد)، إلى مئات المصرفيين والمستشارين والتنفيذيين في قطاع التكنولوجيا، في محاولة لاستكشاف خطط المملكة لإنفاق أكثر من 200 مليار دولار من عائدات صادراتها النفطية السنوية.

ويستند تقرير بلومبيرغ عن إعادة هيكلة الإنفاق السعودي، بحسب ما تقول الوكالة إلى مقابلات مع أكثر من ستة أشخاص مطّلعين على الأمر، طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم. فنجاح هذا التحول سيكون حاسمًا لمستقبل المملكة في الداخل والخارج. وقد امتنع كل من صندوق الاستثمارات العامة وشركة نيوم عن التعليق.

يواصل التنفيذيون الأجانب الاعتماد على المملكة مصدراً رئيسياً للعقود والرسوم، لكن ضخّ المليارات في مشاريع مثل «نيوم» حدّ في السنوات الأخيرة من قدرة المملكة على توجيه رؤوس الأموال نحو شركات الأسهم الخاصة وصناديق التحوّط الدولية. كما أدى ذلك إلى ضغط على النظام المصرفي المحلي، مسببًا شحًّا مستمرًّا في السيولة.

وقد تراجعت أسعار النفط في لندن بأكثر من 10٪ هذا العام، مما يزيد الضغط على الاقتصاد السعودي، نظرًا إلى أن قطاع النفط يشكّل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي. ويُجري «صندوق الاستثمارات العامة»، الذي يدير خطة «رؤية 2030» الطموحة، مراجعة شاملة لبعض المشاريع العملاقة. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن الأموال ستتجه إلى مجالات جديدة تفتح فرصًا للشركات العالمية.

يتصدر القائمة مشروع الذكاء الاصطناعي «هيوماين» (Humain) المملوك للصندوق السيادي السعودي. ومن المتوقع أن تُعلَن تطورات كبيرة خلال مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، في ظل سعي شركات كبرى مثل «بلاكستون» و«بلاك روك» لاستثمار مليارات الدولارات فيه، وفقًا لتقارير بلومبيرغ.

كما تركّز الرياض بشكل متزايد على شركة "آلات"، الرائدة في بناء مراكز التصنيع الذكي، وعلى شركة الطيران الجديدة "طيران الرياض". وقال وزير المالية محمد الجدعان في واشنطن أوائل هذا الشهر: "إذا تبيّن أن أي مشروع أو استراتيجية لم تعد منطقية، فلن نتردد في تغييرها أو إيقافها".

بحسب بيانات شركة الأبحاث "ميد" (MEED)، فقد بلغت قيمة العقود الممنوحة لجميع المشاريع العملاقة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نحو 8 مليارات دولار فقط، منها 20 مليون دولار لـ«نيوم». ورغم أن إجمالي العقود الموقّعة منذ 2019 بلغ نحو 110 مليارات دولار، إلا أن وتيرة الإنفاق بلغت ذروتها في 2023 ثم تراجعت بشدة خلال العامين الماضيين. ويُتوقّع أن تُوجَّه الأموال الآن نحو مشاريع بناء مساكن ومكاتب جديدة في العاصمة الرياض، إضافة إلى الإنفاق الضخم على معرض "إكسبو 2030" المقررة إقامته في العاصمة.

ومن المتوقع أن يكشف الصندوق السيادي في الأشهر المقبلة عن استراتيجيته لما بعد 2026، بما يشمل مستقبل «نيوم». لكن التباطؤ الحاصل في المشروع العملاق بدأ يترك أثرًا عالميًّا، إذ تؤكد مصادر أن بعض الشركات الاستشارية قلّصت إيراداتها ونقلت موظفيها بعيدًا عن «نيوم». كما علّقت شركات مقاولات سعودية أعمالها هناك أو خفّضت عملياتها إلى الحد الأدنى بانتظار القرار النهائي.

وقد خلق تسارع وتيرة البناء في السنوات الماضية حاجة هائلة إلى التمويل والائتمان في مختلف قطاعات الاقتصاد السعودي. ويُتوقّع أن يخفف تباطؤ «نيوم» من الضغط على السيولة، وإن ظلّ الوضع ضيقًا نظرًا إلى احتياج مشاريع أخرى – مثل الإسكان الميسّر – إلى تمويل كبير.

وقال فاروق سوسة، كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في غولدمان ساكس: "الظروف الإقليمية والعالمية تمثّل تحديًا حاليًّا، لكنها ليست دائمة. سيأتي وقت تخفّ فيه القيود وتُستأنف الاستثمارات بوتيرة أسرع"

وفي حين يسعى التنفيذيون القادمون إلى الرياض لتعزيز علاقاتهم بالمملكة، تظلّ فرص الأرباح قائمة.
فصفقة شراء شركة الألعاب الإلكترونية «إي إيه» (EA) البالغة 55 مليار دولار وحدها يُتوقع أن تولّد نحو 500 مليون دولار من الرسوم للبنوك الأميركية المشاركة في تمويلها. وفي أغسطس الماضي، وقّع تحالف تقوده «بلاك روك» صفقة إيجار بقيمة 11 مليار دولار تتعلق بمرافق الغاز الطبيعي التابعة لـ«أرامكو».

كما واصلت السعودية إصدار سندات سيادية بمليارات الدولارات، ما يتيح لبنوك وول ستريت مصدرًا آخر للأرباح. وأفاد أحد التنفيذيين الغربيين أن شركته تجني اليوم أموالًا من الرياض أكثر من أي نشاط استشاري خارجي.

وترى بعض المؤسسات الاستثمارية أن التغييرات الأخيرة إيجابية لأنها تعكس واقعية في نهج الحكومة.
وقالت آثيرا براساد، مديرة الاقتصاد الكلي في شركة الاستشارات ناصر سعيدي وشركاه" «إنه أمر إيجابي عندما تقول الحكومة إنها لن توقف الاستثمارات كليًّا، لكنها ستوجّه الأموال إلى المجالات ذات الأولوية والعائد الأسرع".

المساهمون