بكين تتهم وواشنطن تنفي سرقة عملات رقمية من الصين بقيمة 13 مليار دولار

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:36 (توقيت القدس)
بيتكوين في بورصة العملات المشفرة بهونغ كونغ، 11 يوليو 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اتهمت الصين الولايات المتحدة بسرقة 13 مليار دولار من البيتكوين عبر هجوم على مجمع التعدين "لوبيان" في 2020، وربطت العملات المسروقة بتلك التي صادرتها واشنطن من رجل الأعمال "تشن تشي".
- تأتي الاتهامات وسط توتر متزايد بين البلدين في مجالات التكنولوجيا والتمويل الرقمي، حيث تسعى الصين لتوسيع استخدام اليوان الرقمي، مما تعتبره واشنطن تحديًا لهيمنتها النقدية.
- تعكس الواقعة تحول الصراعات الاقتصادية إلى الاقتصاد الرقمي، حيث أصبحت العملات الرقمية سلاحًا في معركة النفوذ المالي، مما يهدد الاستقلال المالي الذي وعدت به العملات المشفّرة.

اتهمت وكالة الأمن السيبراني الصينية، اليوم الأربعاء، الحكومة الأميركية بتنظيم سرقة ما يقارب 13 مليار دولار من عملة البيتكوين (BTC-USD)، في أحدث محاولة من بكين لنَسب هجمات إلكترونية كبرى إلى الولايات المتحدة. وتُعدّ سرقة 127,272 عملة بيتكوين من مجمع التعدين "لوبيان" في ديسمبر/كانون الأول 2020 واحدة من أكبر عمليات السطو على العملات المشفّرة في التاريخ.

ووفقًا للمركز الوطني الصيني للاستجابة لحالات طوارئ فيروسات الحاسوب، فإنّ الهجوم يُرجَّح أن يكون عملية قرصنة على مستوى دولة تقودها الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الحركة الهادئة والمؤجلة للعملات المسروقة توحي بأنها عملية حكومية وليست سلوكاً إجرامياً تقليدياً. ويربط البيان، الذي نُشر الأسبوع الماضي، بين عملات البيتكوين المسروقة من "لوبيان" — التي كانت يوماً من أكبر عمليات تعدين البيتكوين في العالم — وبين العملات التي صادرتها الحكومة الأميركية، والتي قالت واشنطن إنها مرتبطة برجل الأعمال الكمبودي "تشن تشي"، رئيس مجموعة "برنس".

وقد وُجّهت إلى تشن في أكتوبر/تشرين الأول تهمة التآمر لارتكاب احتيال إلكتروني وتشغيل مخطط لغسل الأموال من قبل السلطات الأميركية. وفي لائحة الاتهام المقدّمة ضده في نيويورك بتاريخ 8 أكتوبر/تشرين الأول، زعمت الولايات المتحدة أنه هو وشركاءه استخدموا عائدات غير مشروعة لتمويل عمليات تعدين رقمية واسعة النطاق، بما في ذلك مجمع "لوبيان". وأوضحت اللائحة أن العناوين المرتبطة بالمجمع تلقت مبالغ ضخمة من العملات المشفّرة من مصادر لا علاقة لها بعمليات التعدين الجديدة.

ورفض المدّعون الفيدراليون التعليق على كيفية أو توقيت حصولهم على السيطرة على تلك العملات، فيما قدّمت وزارة العدل الأميركية دعوى مدنية بالمصادرة تتعلق بـ127,271 بيتكوين، وهي أكبر قضية مصادرة في تاريخ الولايات المتحدة. وجاء في التقرير الصيني أن الحكومة الأميركية قد تكون استخدمت تقنيات قرصنة منذ عام 2020 لسرقة الـ127,000 بيتكوين التي كان يملكها تشن تشي، واصفًا العملية بأنها "أسود يأكل أسود" نفذتها منظمة قرصنة على مستوى الدولة.

هل نشهد ولادة فصل جديد من الحروب الرقمية؟

تأتي هذه الاتهامات في لحظة حرجة تشهد فيها العلاقات الأميركية– الصينية توتراً متزايداً على خلفية التنافس في مجالات التكنولوجيا، والطاقة، والتمويل الرقمي. ويكشف الاتهام الصيني عن تصاعد الصراع بين القوتين العظميين للهيمنة على الفضاء المالي الرقمي، حيث أصبحت العملات المشفّرة، وعلى رأسها البيتكوين، إحدى ساحات النفوذ الجديدة في الاقتصاد العالمي. ومنذ سنوات، تنظر الصين بعين الريبة إلى السيطرة الأميركية على النظام المالي الدولي القائم على الدولار، وتسعى لتوسيع نطاق استخدام اليوان الرقمي كبديل محتمل في التسويات الدولية.

في المقابل، ترى واشنطن في هذا التوجه تحديًا استراتيجيًا لهيمنتها النقدية، وتخشى من أن يؤدي توسّع النفوذ المالي الصيني إلى تآكل دور الدولار كعملة احتياط عالمية. ومن هنا، فإن اتهام بكين لواشنطن بسرقة عملات رقمية بمليارات الدولارات قد يُفهم أيضًا في سياق الحرب الاقتصادية الممتدة بين الجانبين. فالقضية تمسّ جوهر الثقة في الأنظمة المالية اللامركزية، إذ إن اتهام حكومة كبرى باستخدام قدراتها السيبرانية لاختراق محافظ رقمية يضرب الأساس الذي قامت عليه فكرة البلوكشين: الاستقلالية عن سلطة الدول.

مثل هذه الحوادث تعيد التساؤل عن مدى قدرة العملات المشفّرة على الصمود أمام تدخلات الدول وأجهزتها الاستخبارية، وتثير الشكوك بشأن مدى أمان النظام المالي الرقمي في مواجهة القوى السيادية. من زاوية الأسواق، يُتوقّع أن تُحدث القضية موجة جديدة من التذبذب في أسعار البيتكوين والعملات المشفّرة الأخرى. فمجرد الإشارة إلى تورط دولة في عملية بهذا الحجم كفيل بإثارة قلق المستثمرين، ودفع الحكومات الغربية إلى تشديد القوانين والرقابة على أنشطة التعدين والتحويلات الرقمية. كما أن الصين قد تستغل هذه الاتهامات لتبرير سياساتها المتشددة تجاه العملات المشفّرة، تحت ذريعة حماية الأمن الاقتصادي القومي.

هل يهدد الصراع السيبراني مستقبل البلوكتشين؟

قامت فكرة البلوكتشين منذ ظهورها على مبدأ جوهري: اللامركزية، أي فصل حركة الأموال والبيانات عن سلطة الحكومات والبنوك والمؤسسات المالية الكبرى، لتمنح الأفراد حرية التعامل المالي المطلقة في فضاء مفتوح وشفاف. غير أنّ دخول الدول، وخصوصاً القوى العظمى، إلى ساحة العملات المشفّرة عبر أدواتها الاستخباراتية والتكنولوجية، بدأ يُقوّض هذا الأساس النظري.

ففي الوقت الذي رُوّج فيه للبلوكتشين كمنظومة محصّنة ضد الاختراق والرقابة، تكشف الحروب السيبرانية المتصاعدة أن تلك الشبكات ليست بمنأى عن نفوذ الدول وقدراتها التقنية المتقدمة. ومع اتهام الصين للولايات المتحدة بتنفيذ عملية قرصنة على مستوى دولة، يتحوّل النظام الذي بُني على مبدأ الثقة دون وسطاء إلى ميدان صراع جيوسياسي بامتياز، تُستخدم فيه الشيفرات والخوادم بدل الأسلحة التقليدية.

هذا التحوّل يطرح تساؤلات عميقة حول مدى صمود نموذج البلوكتشين أمام القوى السيادية، وهل تستطيع المنظومة اللامركزية أن تحافظ على استقلالها في عالمٍ تتنافس فيه الدول على كل بايت من البيانات وكل معاملة رقمية؟ فمع كل اختراق أو تدخل حكومي، تتآكل الفكرة الأصلية التي بشّر بها مبتكرو العملات المشفّرة: أن الثقة تنبع من التقنية لا من السلطة. ومع استمرار سباق السيطرة على الفضاء الرقمي بين واشنطن وبكين، يبدو أن الثقة — لا التكنولوجيا — هي العنصر الأكثر هشاشة في منظومة البلوكتشين، وأن مستقبل الاستقلال المالي الذي وعدت به العملات المشفّرة قد يذوب تدريجيًا في حرارة الصراع السيبراني العالمي.

من الناحية الاقتصادية، تكشف هذه الواقعة عن انتقال المنافسة الأميركية– الصينية من التجارة والرسوم الجمركية إلى ميادين الاقتصاد الرقمي والتمويل المشفّر. فبعد حرب الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، يبدو أن العملات الرقمية أصبحت سلاحًا جديدًا في معركة النفوذ المالي العالمي. هذه التطورات تضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة غير مسبوقة من الصراع على السيطرة على البنية التحتية الرقمية، التي ستحدد ملامح القوة الاقتصادية في العقود القادمة. 

كما تعكس اتهامات بكين لواشنطن بقرصنة البيتكوين حجم التحوّل في طبيعة الصراعات الاقتصادية الحديثة، إذ لم تعد تُخاض بالصواريخ أو العقوبات التجارية فحسب، بل عبر الخوادم والشيفرات والبلوكتشين. لذلك، القضية لا تتعلق بسرقة أموال رقمية فحسب، بل بمستقبل السيطرة على النظام المالي العالمي في عصر التحول الرقمي. وسواء كانت الاتهامات دقيقة أم ذات خلفية سياسية، فإنها تؤكد أن الاقتصاد الرقمي أصبح ساحة مواجهة استراتيجية بين القوى العظمى. وفي عالم تزداد فيه الفجوة بين التكنولوجيا والرقابة، تبقى الثقة — لا العملة — هي العنصر الأكثر ندرة في الاقتصاد العالمي الجديد.

المساهمون