بكين تناور في أسواق الطاقة.. بين إعادة تصدير الغاز الأميركي وارتفاع واردات النفط في يوليو

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 15:24 (توقيت القدس)
ناقلات الغاز الطبيعي المسال في الصين، يانتاي في 11 سبتمبر 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد تجارة الطاقة الصينية تحولات كبيرة مع إعادة تصدير الغاز الطبيعي المسال الأميركي لتجنب الرسوم الجمركية المرتفعة، وسط تراجع واردات الغاز من قطر والإمارات.
- من المتوقع ارتفاع واردات الصين من النفط الخام في يوليو بسبب تحسن تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز وزيادة تكرير النفط الروسي، مع زيادة الواردات من السعودية والإمارات وروسيا.
- تعكس هذه التحولات تعقيدات المشهد الاقتصادي العالمي، حيث تتداخل حسابات الربح التجاري مع التوترات الإقليمية، بينما تسعى الصين لتنويع مصادر إمداداتها.

تشهد خريطة تجارة الطاقة الصينية تحولات لافتة هذا الشهر، تعكس تعقيدات المشهد الاقتصادي العالمي. ففي وقت تستعد الصين لإعادة تصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال الأميركي، في خطوة تكشف عن استمرار الفتور التجاري بين البلدين وحرص المستوردين الصينيين على تجنب الرسوم الجمركية وتحقيق عوائد أفضل في الأسواق الخارجية، تتجه واردات الصين من النفط الخام نحو ارتفاع ملحوظ بعد أن سجلت أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد من الزمن.

أول شحنة غاز أميركية إلى الصين منذ عام تُعاد إلى الخارج

بحسب ما ذكرته وكالة بلومبيرغ نقلاً عن مصادر مطلعة، اليوم الاثنين، ستتم إعادة تصدير أول شحنة أميركية من الغاز الطبيعي المسال إلى الصين منذ أكثر من عام، إذ تسعى الشركات المحلية المعنية إلى تحقيق أرباح أعلى في الأسواق الخارجية وتجنب دفع الرسوم الجمركية، وذلك وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر.

وأظهرت بيانات تتبع ناقلات الشحن التي رصدتها "بلومبيرغ" أن الحمولة القادمة من منشأة "بلاكيمينز" التابعة لشركة "فينتشر غلوبال" ولاية لويزيانا، أُفرغت في ميناء يانغبو جنوبي الصين مطلع هذا الشهر، قبل أن تُنقل إلى منشآت التخزين المرتبطة بالميناء تمهيداً لإعادة تصديرها.

وأوضحت المصادر أن الغاز وصل أصلا بهدف إعادة بيعه في الأسواق الخارجية حيث الأسعار أكثر إغراءً. ولو جرى استيراد هذه الشحنة إلى السوق الصينية المحلية، لكان على المستورد الصيني تسديد رسوم جمركية تبلغ 25% على الوقود. وقد رصدت بيانات تتبع السفن ناقلة شبه خالية وصلت أخيراً إلى يانغبو، جرى تحميل جزء من الغاز الأميركي عليها.

وتلمح خطوة إعادة التصدير هذه إلى أن بكين ليست في عجلة من أمرها لاستئناف وارداتها من الغاز الأميركي، حتى في ظل تراجع الشحنات القادمة من قطر والإمارات بفعل الحرب في المنطقة. فقد عوّضت الصين عن تراجع الإمدادات الأميركية والقطرية بزيادة وارداتها من موردين آخرين ككندا وعُمان، وفق بيانات تتبع السفن.

 وكانت صادرات الغاز الأميركي إلى الصين قد تراجعت مطلع العام الماضيي مع تدهور العلاقات التجارية بين أكبر مستورد للغاز في العالم وأكبر مصدر بحري له، إثر فرض بكين رسوماً جمركية على الغاز المسال الأميركي في فبراير/ شباط 2025 رداً على الرسوم التي فرضتها إدارة ترامب على الصادرات الصينية.

وفي السياق ذاته، دفع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال عالمياً خلال الشهر الماضي بعض المستوردين الصينيين إلى إعادة بيع جزء من إمداداتهم التعاقدية طويلة الأجل، إذ باتت العوائد في الخارج أفضل مقارنة بالسوق المحلية، وفق ما أفاد به متعاملون في هذا المجال.

واردات الصين من الخام المتوقعة ترتفع في يوليو

في المقابل، من المرجح أن تشهد واردات الصين من النفط الخام هذا الشهر ارتفاعاً ملحوظاً بعدما هبطت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عشر سنوات، وذلك مع تسارع تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز وزيادة معدلات تكرير النفط الروسي. وبحسب أرقام أولية صادرة عن شركة تحليل البيانات "كبلر"، يُتوقع أن يبلغ متوسط الواردات البحرية للصين نحو 7.8 ملايين برميل يومياً خلال يوليو/تموز، مقارنة بـ6.2 ملايين برميل يومياً في يونيو/ حزيران وهو أدنى معدل يومي مسجل منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2015 وأقل بكثير من مستويات الشراء التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.

واردات الصين من النفط الخام (مليون برميل يومياً)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وقد تحسّن تدفق النفط من الخليج عقب التوصل لاتفاق سلام مؤقت بين واشنطن وطهران الشهر الماضي، إلا أن تصاعد التوترات أخيراً في المنطقة أدى إلى تعقيد الملاحة عبر المضيق مجدداً. كذلك أسهمت التهديدات في البحر الأحمر في رفع المخاطر المحيطة بإمدادات النفط الخام السعودي.

ونقلت "بلومبيرغ" عن كبير محللي النفط الخام في "كبلر" مو يو شو، قوله إن الارتفاع المتوقع في واردات يوليو/تموز يعكس بشكل رئيسي تحسّن ظروف العبور عبر المضيق بعد الاضطرابات السابقة، وليس تحسّناً فعلياً في طلب المصافي، مضيفاً أن شحنات ظلت عالقة في الخليج وصلت أخيراً إلى الصين، وأن ما إذا كان هذا المستوى سيمثل القاع الفعلي للواردات سيتوقف على ظروف الشحن في الأسابيع المقبلة.

وأظهرت بيانات "كبلر" أن الشحنات القادمة من السعودية إلى الصين تضاعفت في يوليو/تموز، فيما قفزت التدفقات من الإمارات بأكثر من عشرة أضعاف، بينما ارتفعت الواردات من روسيا بنسبة تقارب 10%. وكانت واردات الصين الإجمالية من النفط الخام، بما فيها التدفقات عبر خطوط الأنابيب التي قد تصل إلى مليون برميل يومياً، قد بلغت نحو 12.6 مليون برميل يومياً في فبراير، أي قبل التصعيد الواسع للحرب الإيرانية، وفق أرقام الجمارك الصينية.

وقالت مؤسسة شركة الاستشارات GL ومقرها قوانغتشو لياو نا لـ"بلومبيرغ"، إن واردات الصين من الخام باتت الآن المتغير الأكثر حساسية للأسعار في السوق، مشيرة إلى أن الطلب المحلي على النفط الخام يتعافى بوتيرة معتدلة نسبياً، بفعل تباطؤ النمو الاقتصادي والسياسات الحكومية الرامية إلى تسريع التحول نحو الكهربة وتقليص الاعتماد على النفط.

منشآت تخزين النفط في مقاطعة شاندونغ الصينية، 17 نوفمبر 2025 (Getty)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية أواخر فبراير/شباط، خفّضت الصين وارداتها من الخام بأكثر من 5 ملايين برميل يومياً وقلّصت عمليات التكرير، وهي إجراءات ساهمت في كبح ارتفاع أسعار النفط عالمياً. ويترقب السوق عن كثب أي مؤشرات على انتعاش في الشراء الصيني إلى جانب استئناف عمليات التخزين.

وتكشف هاتان القصتان، وفق ما رصدته بلومبيرغ، عن مشهد متغير لعلاقة الصين بأسواق الطاقة العالمية، حيث تتقاطع فيه حسابات الربح التجاري مع التوترات في المنطقة ومسار العلاقات الأميركية- الصينية. فبينما تبقي بكين الباب موصداً امام عودة كاملة للغاز الأميركي، مفضلة تنويع مصادر إمداداتها وتعظيم عوائدها التجاري، تظل رهينة لتقلبات الأمن في المنطقة التي تتحكم في وتيرة تدفق نفطها الخام.