بعد مصادرة "سكيبر"... اقتصاد فنزويلا يختنق ومن يغامر بشراء نفطها؟
استمع إلى الملخص
- تعتبر الصين أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، حيث تستورد 80% من صادراته، وتتم عمليات البيع بخصومات لمصافي صغيرة، مع تعقيدات لتفادي العقوبات، وتعتبر كوبا وجهة رئيسية أخرى.
- تلعب شركة شيفرون دوراً مهماً في قطاع النفط الفنزويلي، حيث تشكل عملياتها ربع الإنتاج، مما ساعد في تعزيز الصادرات إلى 920 ألف برميل يومياً في نوفمبر.
تعتمد فنزويلا على النفط والمنتجات المرتبطة به في معظم عائدات صادراتها، وبالتالي مصادرة المزيد من الناقلات ستقيد هذا المصدر من الإيرادات. فكل شحنة تُصادر تعني خسارة دخل، وقد تُجبر كاراكاس على بيع نفطها بخصم كبير للوسطاء الذين ما زالوا مستعدين للمخاطرة بالتعامل مع البلاد، فاقتصادها يعمل على نحوٍ استثنائي على النفط لإبقاء الحكومة قائمة ودفع كلفة الضروريات الأساسية واستيراد الغذاء وصيانة أنظمة الأسلحة.
وكشفت مصادرة الولايات المتحدة لناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا عاملاً حاسماً في المواجهة بين كاراكاس وواشنطن، فالنفط ما يزال شريان الحياة للاقتصاد الهش.
النفط يتربع على اقتصاد فنزويلا
تمتلك فنزويلا احتياطيات من معادن نادرة، ومساحات شاسعة صالحة للزراعة، وشواطئ كاريبية لامعة قد تجذب سياحاً أجانب. لكن النفط يظل المحرك الأساسي للاقتصاد، كما كان طوال معظم القرن الماضي.
وتعاني فنزويلا مما يسميه الاقتصاديون "المرض الهولندي"، إذ تطور الحكومة اعتماداً غير صحي على صادرات الموارد الطبيعية على حساب قطاعات أخرى. وقد طُبق المفهوم بداية على هولندا عندما اكتُشفت رواسب الغاز الطبيعي في بحر الشمال، ويتضمن ارتفاعاً في قيمة العملة نتيجة صادرات الموارد الطبيعية، ما يجعل الصادرات الأخرى أقل تنافسية.
تعتمد فنزويلا على النفط والمنتجات المرتبطة به في معظم عائدات صادراتها، وبالتالي مصادرة المزيد من الناقلات ستقيد هذا المصدر من الإيرادات
ويشكل النفط حالياً نحو 88% من عائدات صادرات فنزويلا البالغة 24 مليار دولار، وكل ناقلة تُصادر ستقوض دخلاً تحتاجه البلاد لاستيراد الغذاء والأدوية. وتشكل المنتجات المرتبطة بإنتاج النفط، مثل البتروكيماويات، جزءاً كبيراً من الباقي.
لكن الأمر يتجه نحو الأسوأ؛ لأنّ إنتاج فنزويلا النفطي تراجع بسبب سوء الإدارة والفساد والعقوبات الأميركية، كما انخفضت أسعار النفط مقارنة بالمستويات المرتفعة جداً التي دعمت الثورة ذات الإلهام الاشتراكي في عهد هوغو تشافيز، سلف الرئيس الحالي نيكولاس مادورو.
وقال الاقتصادي الفرنزويلي في جامعة دنفر فرانسيسكو رودريغيز في تصريحات أمس لصحيفة واشنطن بوست الأميركية "إن استمرار سياسة المصادرات سيتسبب في تراجع حاد في قدرة كاراكاس على الاستيراد، ما سيدفع البلاد إلى ركود جديد". وأشار إلى حصول فنزويلا في عام 2012 على نحو 120 مليار دولار سنوياً من صادرات النفط، مقارنة بالمستوى الحالي البالغ نحو 21 مليار دولار.
وخلال هذه الفترة، شهد اقتصاد فنزويلا "أكبر انهيار اقتصادي منفرد لبلد غير منخرط في نزاع خلال ما يقارب نصف قرن"، وفقاً لصندوق النقد الدولي لكن وفقاً لمجلة "ويل آند غاز جورنال" المتخصصة في مجال الطاقة فإن فنزويلا لا تزال تجلس فوق كمية نفط تفوق ما لدى السعودية أو روسيا أو الولايات المتحدة، أي نحو 17% من احتياطيات النفط المعروفة عالمياً، لكن النزاعات مع شركات النفط الدولية، إلى جانب صعوبة استخراج النفط الشبيه بالقار في البلاد، أرهقت قدرتها على الاستفادة أكثر من احتياطياتها عبر زيادة الإنتاج.
من يشتري نفط فنزويلا؟
كانت الولايات المتحدة عبر التاريخ هي أكبر مشترٍ لنفط فنزويلا. وبُنيت هذه العلاقة على الجغرافيا والتقارب السياسي واحتياجات المصافي الأميركية الخاصة.
أما الآن، فتشتري الصين نحو 80% من الصادرات الفنزويلية النفطية. وغالباً ما يكون المشترون ما يُعرف في الصين بـ"مصافي إبريق الشاي"، وهي مصافٍ معروفة بحجمها الصغير وقدرتها على معالجة النفط الخام الذي يُباع بخصومات كبيرة. لكن لكي يصل النفط الفنزويلي فعلياً إلى الصين، تمر الشحنات غالباً عبر شبكة معتمة لتفادي العقوبات، تضم تجاراً ووسطاء وناقلات. مثلما حدث مع الناقلة "سكيبر" التي صادرتها الولايات المتحدة أول أمس الأربعاء.
وكانت "سكيبر" تحمل نفطاً من شركة النفط الوطنية الفنزويلية "بتروليوس دي فنزويلا"، وكانت ترفع علم غيانا زوراً، بحسب ما قالت السلطة البحرية في غيانا. وكانت الوجهة النهائية للسفينة هي آسيا.
ورغم تصاعد التوتر بين إدارة ترامب وكاراكاس، ما تزال الولايات المتحدة مشترياً مهماً آخر للنفط الفنزويلي، الذي يُنقل غالباً إلى مصاف في تكساس ولويزيانا وميسيسيبي.
الصين تشتري نحو 80% من صادرات فنزويلا النفطية. وغالباً ما يكون المشترون ما يُعرف في الصين بـ"مصافي إبريق الشاي"، وهي مصافٍ معروفة بحجمها الصغير وقدرتها على معالجة النفط الخام الذي يُباع بخصومات كبيرة.
كذلك تعتبر كوبا وجهة رئيسية أخرى للنفط الفنزويلي، إذ اعتمد قادة شيوعيون لسنوات على هذه الواردات لمنع انقطاعات الكهرباء وتوفير الوقود لأسطول السيارات المتداعي في الجزيرة. لكن ليس واضحاً مقدار العملة الصعبة، إن وُجدت، التي تحصل عليها فنزويلا من هذا الترتيب. فكثيراً ما كان النفط يُقدَّم لكوبا مقابل خدمات، مثل الأطباء الكوبيين الذين دعموا النظام الصحي في فنزويلا.
عامل شيفرون
تتمتع شركة النفط الأميركية شيفرون بمكانة استثنائية في فنزويلا التي يقودها "اشتراكيون" وفق تعريفهم. وتشكل عمليات شيفرون ما يقرب من ربع إنتاج فنزويلا النفطي، كما نجحت شيفرون في إيجاد طريقة للعمل مع حكومة كاراكاس وإدارة ترامب، التي جدّدت رخصة الشركة للعمل في البلاد.
ويعود تحول شيفرون إلى ركيزة في اقتصاد فنزويلا إلى رهان اتخذته قبل عقدين بالبقاء فيها عندما بدأت السلطات تأميم أصول نفطية مملوكة للأجانب. وفي ذلك الوقت اختار منافسون مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس المغادرة.
ومع تصعيد إدارة ترامب حملة الضغط العسكرية التي تستهدف قيادة فنزويلا، سمحت السفن الحربية الأميركية للناقلات التي تحمل نفطاً من عمليات شيفرون بالوصول إلى الولايات المتحدة.
وساعدت تلك التجارة في تعزيز صادرات كاراكاس النفطية، التي ارتفعت إلى 920 ألف برميل يوميا في نوفمبر، بزيادة 3% عن الشهر السابق.