ركود وبطالة وميزانيات عائلية مهدّدة... كيف يبدو الاقتصاد البريطاني في 2026؟

02 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 21:24 (توقيت القدس)
ريفز تحمل صندوق الميزانية الأحمر، لندن، 26 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الأسر البريطانية ضغوطًا متزايدة بسبب تجميد الشرائح الضريبية، مما يزيد العبء الضريبي على الدخل، خاصة لأصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، حيث يُتوقع انضمام 1.7 مليون عامل إلى منظومة الضرائب أو الانتقال إلى شرائح أعلى.

- يشهد سوق العمل البريطاني تحديات مع توقعات بارتفاع البطالة إلى 5.2%، مما يضيف قلقًا للموظفين في ظل تباطؤ التوظيف وزيادة الاعتماد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

- يعاني البريطانيون من تضخم مرتفع يؤثر على أسعار الغذاء والسكن، مما يجعل إدارة الميزانية الأسرية تحديًا كبيرًا، مع توقع استمرار الضغوط التضخمية في المستقبل القريب.

ليست الضرائب وحدها ما يضغط على الأسر البريطانية، بل شعور أعمق بأن مستوى المعيشة يهبط تدريجياً رغم الحديث عن التعافي. فبعد جدل طويل حول كيفية سد فجوة الإنفاق، جاءت الموازنة بقرارات تزيد العبء على الدخل بدل أن تخفّفه، ضرائب مجمّدة ترتفع فعلياً بمرور الوقت وتكاليف معيشة مستمرة بالصعود واقتصاد يمضي نحو مزيد من التباطؤ. 

تقرير شركة كيه بي إم جي (KPMG)، إحدى أكبر شركات الخدمات المهنية في العالم، يرسم صورة واضحة: نمو اقتصادي لا يتجاوز 1% في 2026، وارتفاع البطالة إلى أعلى مستوى منذ خمس سنوات، وتراجع الإنفاق الأسري تحت ضغط الغلاء. وبينما تتباطأ وتيرة التوظيف وتتوسع الأتمتة في سوق العمل، يجد بنك إنكلترا نفسه مضطراً لخفض الفائدة ليس بهدف تحفيز النمو بل للحد من الهبوط الحاصل.

ورغم أن الحكومة لم ترفع نسب ضريبة الدخل مباشرة، فإن قرار تمديد تجميد شرائح الدخل لثلاث سنوات إضافية يُضعف القوة الشرائية للأسر عملياً، إذ يدفع مزيداً من الموظفين إلى شرائح ضريبية أعلى مع كل زيادة اسمية في الرواتب. وتحذر مؤسسة ريزوليوشن فاونديشن (Resolution Foundation)، وهي مركز أبحاث معني بسياسات الدخل ومستوى المعيشة، من أن هذا الإجراء يلقي بالعبء الأكبر على أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، مشيرة إلى أن 1.7 مليون عامل سينضمون إلى منظومة الضرائب أو ينتقلون إلى شريحة أعلى خلال السنوات المقبلة، بينما كان رفع ضريبة الدخل بنسبة 1 بنس سيحقق عوائد مماثلة بكلفة أقل على أصحاب الرواتب دون 35 ألف جنيه.

ويصل المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية (NIESR)، إلى الاستنتاج نفسه تقريباً: تمديد تجميد الشرائح الضريبية حتى 2030 سيصيب النصف الأدنى من توزيع الدخل على نحوٍ غير متناسب، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية تحت ضغط أسعار السلع والخدمات. وهكذا يتحول تجميد الشرائح إلى أداة سريعة لزيادة تحصيل الخزانة، لكن على حساب الفئات التي لا تمتلك أماناً مالياً، فيما تبقى الشرائح الأعلى أقل تضرّراً نسبياً.

البطالة وضعف سوق العمل

من خلف الأرقام الصامتة للضرائب يقف عامل آخر لا يقل وطأة على معيشة الناس: سوق عمل يفقد شيئاً من يقينه القديم. فإذا كانت توقعات "كي بي أم جيه"،  تشير إلى نمو لا يتخطّى 1% العام المقبل، فإنها في المقابل تتوقع ارتفاع البطالة إلى 5.2%، وهو أعلى مستوى منذ بداية عام 2020. غير أنّ القلق لا يرتبط بمن يفقدون وظائفهم فحسب، بل أيضاً بمن يخشون أن يكونوا في الدفعة التالية.

يعود جزء من هذا الارتفاع إلى دخول أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل سابقاً إلى سوق الوظائف بحثاً عن دخل إضافي لتعويض الغلاء، في وقت تتباطأ فيه وتيرة التوظيف في القطاع الخاص. لكن العنصر الجديد وربما الأكثر حساسية، يتمثّل في تنامي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة في قطاعات كانت تعتمد تاريخياً على العامل البشري. وفي مكاتب الخدمات والإدارة والمحاسبة والمبيعات، باتت الخوارزميات تتسلّم تدريجياً مهاماً لطالما اعتُبرت اختصاصاً بشرياً، ما يضيف طبقة جديدة من القلق إلى الحياة المهنية.

هكذا يتحول البحث عن وظيفة إلى سباق مع الزمن والتكنولوجيا معاً؛ فالموظفون يحاولون الحفاظ على مواقعهم في سوق لا ينكمش عدديّاً فحسب، بل يتغيّر شكلاً ومحتوى. وبالنسبة للأسرة المتوسطة، لا يصبح النقاش مجرّد أرقام في تقارير رسمية، بل هو واقع يومي تُختبَر فيه كل زيادة في الراتب: جزء أكبر يذهب تلقائياً إلى الضرائب، بينما تواصل فواتير الطاقة والغذاء والإيجار الصعود.

الدخل المتاح للأسر بين الضرائب والتضخم

تُظهِر تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) أن ما يجري في بريطانيا ليس مجرد نقاش تقني حول الشرائح الضريبية، بل مسار طويل من الضغط الصامت على دخول الأسر. بعد انتعاشة جزئية في 2024-2025، يتوقّع المكتب أن يتباطأ نمو الدخل المتاح للأسر بعد الضريبة إلى نحو ربع في المئة سنوياً فقط خلال بقية العقد، أي أقل بكثير من متوسط العقد الماضي الذي دار حول 1% سنوياً. هذا التراجع لا يأتي من فراغ؛ فهو حصيلة مزيج من أجور حقيقية أضعف وعبء ضريبي أعلى، في وقت تتجه فيه حصيلة الضرائب إلى مستوى قياسي يناهز 38% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030-2031.

مع استمرار تجميد العتبات الضريبية وتواصل نمو الأجور الاسمية، يتوقّع المكتب أن ينضم مئات الآلاف إلى شرائح ضريبة الدخل أو ينتقلوا إلى شرائح أعلى بحلول نهاية العقد، بينما تبقى وتيرة التضخم فوق هدف بنك إنكلترا (البنك المركزي) لسنوات أطول مما كان متوقعاً.

تأتي هذه التقديرات في وقت يعيش فيه مكتب مسؤولية الميزانية نفسه حالة من الاضطراب المؤسسي، بعد استقالة رئيسه إثر التحقيق في التسريب المبكر لوثيقة الموازنة قبل إعلانها في البرلمان، في سابقة نادرة تعكس حجم التوتر داخل دوائر صنع القرار الاقتصادي.

الفائدة والرهن العقاري

ومع أن الموازنة أثقلت كاهل الأسر، فإن الأمل الوحيد الذي يلوح في الأفق يأتي هذه المرة من البنك المركزي. بعد سلسلة من الزيادات المتتالية بين عامَي 2021 و2023، خفّض بنك إنكلترا سعر الفائدة الأساسية من 5.25% في يوليو/ تموز 2024 إلى 4% في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في محاولة لاحتواء التضخم دون خنق النشاط الاقتصادي. غير أنّ التضخم لا يزال فوق هدف 2%، ما يجبر لجنة السياسة النقدية على اتباع نهج بالغ الحذر في أي تخفيف جديد لأسعار الفائدة.

رغم ذلك، يتوقّع اقتصاديون أن يشهد عام 2026 مزيداً من التخفيضات، وفق استطلاع لوكالة رويترز في أكتوبر الماضي، يرجّح نصف الخبراء خفضاً أول بحلول مارس/آذار، و60% يتوقّعون خفضاً ثانياً خلال الربع الثاني من العام ذاته، لتنخفض الفائدة إلى نحو 3.5% بحلول يونيو/حزيران. وتذهب مؤسسات مالية كبرى مثل "HSBC وUBS" أبعد من ذلك، مرجّحة أن تتراجع الفائدة إلى 3% مع نهاية 2026 إذا واصل التضخم مساره الهابط.

تأثير هذه الأرقام لا يبدو تقنياً حين يدخل المنزل. فبالنسبة لملايين الأسر، يمثل الرهن العقاري  "الإنفاق الأكبر" في الشهر، وأي تغيير فيه يمكن أن يعيد تشكيل ميزانية البيت بالكامل. سيكون أصحاب القروض ذات الفائدة المتغيّرة أو المربوطة مباشرة بقرارات بنك إنكلترا، أول من يشعر بانخفاض الفائدة على أقساطهم. أما أصحاب القروض ذات الفائدة الثابتة فلن يلمسوا الفرق مباشرة، لكن انتهاء العقود خلال العامين المقبلين سيجعل خيارات إعادة التمويل أقل تكلفة من السنوات الماضية.

غلاء الغذاء وتضخم سلة المعيشة

لم تكن فاتورة السكن وحدها ما يضغط على الأسر البريطانية، بل "فاتورة المطبخ" أيضاً. فمع أن التضخم العام تباطأ خلال 2025 مقارنة بعامَي الأزمة، يكشف تقرير اتحاد الصناعات الغذائية والمشروبات في بريطانيا (FDF) أن تضخم أسعار الغذاء يسلك مساراً مختلفاً تماماً. بين يناير 2020 ويوليو 2025، ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 37%، أعلى بكثير من التضخم العام الذي بلغ 28% خلال الفترة نفسها، مع قفزات حادّة في أسعار الحليب والجبن والبيض والزيوت تحديداً.

ولا يظهر أن 2026 سيجلب هدوءاً سريعاً. يتوقع التقرير ارتفاع تضخم الغذاء إلى 5.7% في  ديسمبر/كانون الأول الجاري، قبل أن يتراجع إلى نحو 3.1% في أواخر 2026. لكن اللافت في تحليل اتحاد الصناعات الغذائية والمشروبات في بريطانيا،  أن المحركات التقليدية لارتفاع الأسعار مثل تكاليف النقل والطاقة والمواد الخام لم تعد العامل الأساسي، بل حلّت محلّها الأنظمة الحكومية والقرارات التنظيمية التي باتت اليوم أكبر محرّك لغلاء الأسعار. هذا الاتجاه يفسّر لماذا تجاوز التضخم الغذائي في بريطانيا معظم الدول الأوروبية المقارنة منذ 2023، رغم تشابه الظروف الخارجية.

تضيف العوامل الجيوسياسية طبقة أخرى من التعقيد: البريكست ثم الجائحة فالحرب في أوكرانيا تركت أثراً أعمق على قطاع الغذاء والمشروبات مقارنة ببقية الاقتصاد، ما جعل الصناعة أقل قدرة على امتصاص الصدمات. وعلى الرغم من أن حرب الأسعار بين سلاسل السوبرماركت وتحسين الكفاءة الإنتاجية قد تساعد في كبح التضخم جزئياً، إلّا أن التقرير لا يستبعد سيناريوهات معاكسة، من موجات حر وجفاف إلى اضطرابات لوجستية عالمية، يمكن أن تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى من التوقعات.

وهكذا، يتضح أن غلاء الغذاء اليوم ليس مسألة "طلب وعرض" فحسب، بل نتيجة تفاعل معقد بين التنظيم الحكومي والسياسة التجارية وأزمات المناخ والجغرافيا السياسية. وفي النهاية، ينعكس هذا التعقيد البعيد على تفاصيل قريبة جداً: طبق على المائدة وسلّة أسبوعية باتت تتطلّب أكثر فأكثر من ميزانية الأسرة، حتى عندما لا يتغيّر دخلها.