على أرصفة منطقة العصافرة شرقي الإسكندرية، يقف عادل محمود، وهو خمسيني يعمل حارساً لعقار سكني، ليوضح كيف تتبدل أحواله المالية في الصيف. يقول عادل لـ"العربي الجديد"، إنه طوال أشهر الشتاء يتدبر معيشة أسرته المكونة من خمسة أفراد براتب ضئيل لا يتجاوز بضعة آلاف من الجنيهات، وهو رقم بات غير كافٍ لتوفير السلع الأساسية في ظل قفزات الأسعار المتتالية.
لكن بمجرد بدء موسم الاصطياف، تتاح له فرصة إدارة وتجهيز أربع شقق مفروشة داخل البناية التي يحرسها لمصلحة ملاك يقطنون في محافظات أخرى. يحصل عادل على نسبة من إيجار تلك الشقق، التي تتراوح أسعارها اليومية هذا العام بين 1500 و2500 جنيه للمستويات المتوسطة، فضلاً عن إكراميات المصطافين لقاء تلبية طلباتهم. يصف عادل هذا الدخل الموسمي بأنه المنقذ الوحيد الذي يمكّنه من دفع ديون الشتاء المتراكمة وحجز مصاريف الدروس الخصوصية لأبنائه مع بداية الخريف.
إذ في كلّ عام، ومع بلوغ درجات الحرارة ذروتها خلال أشهر الصيف، تتنفس المدن الساحلية في مصر الصعداء، مع تجدد موسم الاصطياف الذي ينقذ السكان المحليين من شتاء طويل ساد فيه الركود والضغوط التضخمية التي تنال من ميزانيات الأسر.
وتشهد الشواطئ، بخاصة الشعبية والتاريخية، تدفقات استثنائية من المصطافين دفعت نسب الإشغال الفندقي والسياحي لتسجيل 100% في أغلب مناطقها. وتزدحم الشوارع والأماكن العامة بأهالي المدن الساحلية وضيوفها الوافدين إليها من العائلات والشباب. وتفيض المقاهي والمطاعم والمتاجر بالحركة والنشاط لتطل الحياة من جديد برواج عشرات الحرف والمهن الموسمية، التي يرى فيها أصحابها موسم عمل ورزق ينتفع منه آلاف العاطلين للهروب من البطالة وإن بشكل مؤقت أو موسمي.
ويرى سامح زكي، وهو أحد سماسرة العقارات والشقق المفروشة في منطقة ميامي، أن الموسم الحالي يمثل نقطة تحول مقارنة بالأعوام السابقة، موضحاً أنّ طلبات الحجز شهدت كثافة غير معتادة أدت إلى نفاد الشقق المعروضة للإيجار اليومي بالكامل، بما فيها تلك الواقعة في الأحياء شبه البعيدة عن الشريط الساحلي. ويضيف زكي أن أسعار الإيجارات اليومية قفزت بنسب تراوحت بين 30% و50% مقارنة بالعام الماضي، نتيجة الطلب المرتفع ومحاولة أصحاب الممتلكات تعويض التضخم المتصاعد وتكاليف الصيانة المرتفعة. الصورة ذاتها تتكرر على جبهة الخدمات المباشرة، إذ تمثل الشواطئ والمقاهي المنتشرة على طول الساحل ملاذاً آمناً لآلاف الطلاب والشباب الخريجين الباحثين عن فرص عمل مؤقتة.
ففي ظل صعوبة العثور على وظائف مستقرة ومجزية في القطاع الرسمي، يتحول العمل كـ"عامل شاطئ"، أو مقدم طلبات (ويتر) في المقاهي والمطاعم، أو بائع للمأكولات الخفيفة مثل الفريسكا والذرة المشوية، إلى الخيار الأكثر واقعية لمواجهة الأعباء اليومية. يعمل هؤلاء الشباب ساعات طويلة تتجاوز أحياناً 15 ساعة يومياً تحت أشعة الشمس، مستندين إلى حقيقة أن حركة الإنفاق الاستهلاكي للمصطافين تظل قوية رغم التضخم، فالجميع يقتطع من مدخراته لشراء بضع لحظات من الاستجمام. أمام هذا التزاحم، شهدت الشواطئ المجانية، وتلك الخاضعة لنظام "الخدمة لمن يطلبها" الإقبال الأشد من الأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود القادمة في رحلات اليوم الواحد عبر قطارات السكة الحديد وباصات الرحلات.
ورغم تدابير الإدارة المركزية للسياحة والمصايف للرقابة على الأسعار ومنع الاستغلال، فإنّ الطاقة الاستيعابية للشواطئ أُغلق بعضها في أيام العطلات الأسبوعية بعد وصول الإشغالات إلى 100% في وقت مبكر من الصباح. ولم يقتصر هذا الانتعاش على قطاع السياحة، بل امتدت آثاره إلى سوق العمل المحلية. ويؤكد الخبير الاقتصادي والباحث في الشأن الإسكندري، الدكتور محمد جابر، أن استقبال الإسكندرية لنحو 4 ملايين مصطاف وفق تقديرات حركة النقل والخدمات يمثل شريان حياة حيوياً للاقتصاد المحلي، مشيراً إلى أنّ القطاع غير الرسمي يُعد الرابح الأكبر؛ إذ تستوعب الشواطئ والأنشطة المرتبطة بها آلاف الشباب القادمين من محافظات الدلتا والصعيد للعمل الصيفي المؤقت في بيع المستلزمات والخدمات الشاطئية وتسيير رحلات النقل الذكي والأجرة، وهي فرص عمل تؤمن دخلاً طارئاً لمئات الأسر لمواجهة موجات الغلاء الراهنة.
في المقابل، يواجه قطاع الأغذية والمطاعم تحديات مزدوجة فرضها هذا الإقبال الاستثنائي. ويوضح محمد بيسو، وهو صاحب مطعم أسماك بمنطقة بحري، أن الإقبال على الوجبات البحرية وصل إلى مستويات قياسية، لكنه يشير إلى أن ارتفاع أسعار المواد الخام والأسماك من الموردين نتيجة زيادة تكاليف النقل والتشغيل جعل هامش الربح محكوماً بمدى القدرة على البيع بأسعار تتناسب مع قدرات الطبقة المتوسطة، التي تشكل الكتلة الصلبة من زائري المدينة.
غير أن هذه الفورة الاقتصادية لم تخلُ من ضغوط معيشية حادة على السكان المحليين، حيث يشتكي أهالي الأحياء المتاخمة للكورنيش، مثل العصافرة وسيدي بشر والإبراهيمية، من ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخضروات التي تكيّفت تلقائياً مع القدرة الإنفاقية للمصيفين، إلى جانب المعاناة اليومية من الازدحام المروري واستهلاك شبكات المياه والكهرباء. وتقول ماجدة عبد الحميد، وهي معلمة متقاعدة تقطن بمنطقة كامب شيزار، بالإسكندرية، إن موسم الصيف بات يحمل وجهين متناقضين لأهل المدينة الساحلية؛ فهو يمثل انتعاشاً وقتياً لشرايين الاقتصاد المحلي يحرّك الركود التجاري، لكنه في الوقت ذاته يضع المدينة أمام تحديات هيكلية تتعلق بقدرة بنيتها التحتية على استيعاب هذه الكثافات، ويرفع كلفة المعيشة اليومية على المواطن المستقر فيها طوال العام.
بدوره، يقول الدكتور سعيد عبد العزيز، أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية، لـ"العربي الجديد"، إن تقديرات غير رسمية لخبراء اقتصاد محليين تشير إلى أن الاقتصاد الموسمي المرتبط بالمصايف يساهم بنسبة تتراوح بين 15% و20% من الناتج المحلي غير الرسمي في المدن الساحلية مثل الإسكندرية، ومرسى مطروح، وبلدات البحر الأحمر والدلتا الساحلية. هذا النشاط الموازي يعتمد على تدوير النقد السائل بشكل سريع ومباشر بين أيدي المستهلكين والصناع الصغار، مما ينعش تجارة التجزئة وحركة النقل والمواصلات الداخلية التي تشهد طفرة استثنائية في الطلب طوال أشهر الصيف الثلاثة.
ويشير إلى أن هذا الهروب الجماعي للشواطئ يضع المدن الساحلية التقليدية أمام اختبار ضخم لإدارة الموارد والبنية التحتية، ويزيح الستار عن تحولات عميقة في نمط السياحة الداخلية وإعادة رسم لخريطة الاستهلاك تحت وطأة الضغوط المعيشية المتزايدة.
ويضيف عبد العزيز أن هذا الانتعاش لا يخلو من تحديات بنيوية كبرى يفرضها التضخم ذاته على أصحاب الأرض والسكان المحليين الذين لا يملكون أصولاً سياحية أو تجارية للاستفادة منها، موضحاً أن الطلب الهائل والمفاجئ من مئات الآلاف من الزوار يدفع بأسعار السلع الغذائية، والخدمات، والنقل والمواصلات إلى مستويات قياسية داخل تلك المدن، مما يشكل عبئاً إضافياً على السكان المحليين من أصحاب الدخول الثابتة الذين يجدون أنفسهم مضطرين لشراء احتياجاتهم اليومية بأسعار سياحية مبالغ فيها طوال الصيف، دون أن يطرأ أي تحسن على رواتبهم المحدودة.
فيما يرى الباحث الاقتصادي محمد عبد الرحيم أن الاقتصاد الموسمي يمثل صمام أمان حقيقياً ضد الانفجار الاجتماعي الناتج عن الضغوط المعيشية، لكونه يمتص طاقات هائلة من العمالة غير المنتظمة التي تعاني من البطالة أو ضعف الأجور خلال بقية فترات السنة. ويشير عبد الرحيم إلى أن هذه الأسواق الموازية ليست مجرد ترفيه عابر، بل هي وقود حيوي يدور في ماكينة اقتصادية معقدة، تمنح آلاف الأسر القدرة على الصمود في وجه موجات الغلاء المرتفعة وتأمين قوت يومها لشهور قادمة وتعوض غياب الدعم الحكومي المباشر لبعض الفئات، وتخلق نوعاً من إعادة توزيع الثروة بين سكان المدن الكبرى مثل القاهرة الذين ينفقون أموالهم في المصايف، وبين الفئات البسيطة في المدن الساحلية.
ومع ذلك، يؤكد عبد الرحيم أن هذا النموذج يظل قاصراً على المدى الطويل لأنه يفتقر إلى الاستدامة والحماية التأمينية والاجتماعية للعاملين فيه، مما يتطلب محاولات لتقنينه بمرونة تضمن حقوق العاملين دون فرض قيود تعجيزية قد تقتل هذا النشاط العفوي.