بريطانيا: معركة مشاريع البناء ومخاوف من انهيار الخدمات
استمع إلى الملخص
- ارتفعت أسعار المنازل في المملكة المتحدة بنسبة 2.8% سنوياً، مع تباين إقليمي، حيث شهد الشمال الشرقي زيادة بنسبة 7.9%، بينما كانت لندن الأضعف بزيادة 0.7%، مما يعكس تحول الطلب نحو مدن أقل تكلفة.
- ينظر القطاع العقاري إلى الإصلاحات كفرصة لزيادة الاستثمارات، مع توقعات بزيادة المعروض السكني، لكن نجاح الخطة يعتمد على استثمارات موازية في البنية التحتية والخدمات العامة.
تذهب بريطانيا إلى واحدة من أكثر الخطوات إثارة للجدل في سياسات التخطيط العمراني بعدما أعلنت الحكومة عن إصلاح يمنح الوزراء سلطة تتجاوز قرارات الرفض الصادرة عن المجالس المحلية في المشاريع السكنية الكبرى. لا تقدِّم الحكومة هذه الخطوة تعديلاً إدارياً فحسب، بل تدخّلاً اقتصادياً مباشراً لإعادة تنشيط قطاع الإسكان، بما يخدم أهداف النمو في مرحلة يعاني فيها الاقتصاد من تباطؤ واضح وتضخم في تكاليف السكن.
ووفقاً لمعلومات حديثة نشرتها صحف بريطانية، تشير الحكومة إلى أن نحو 900 مشروع إسكان تعطل خلال العام الماضي بسبب قرارات الرفض الصادرة عن المجالس المحلية، في حين تردّ المجالس البلدية بأن 9 من كل 10 طلبات تخطيط يجري اعتمادها أصلاً، معتبرة أن المشكلة ليست في تعطيل البناء بل في غياب التمويل الحكومي للمرافق اللازمة للمشاريع الجديدة. وفي خضمّ هذا السجال، أبدى اتحاد شركات البناء تأييده للإصلاحات الجديدة، وقال إنها ستسمح بطرح عدد أكبر من المواقع السكنية والحد من فترات التأخير، بينما وصف مسؤولون في المجالس البلدية، القرار بأنه "استهزاء بلجان التخطيط" واعتداء مباشر على الديمقراطية المحلية.
أرقام الأسعار والإيجارات
المقاربة الحكومية مبنية على قراءة رقمية تعتبر أن تعطّل بناء المساكن أصبح عائقاً أمام النمو. ففي 27 يوليو/تموز 2025 أفادت البيانات الرسمية لمؤشر أسعار المنازل في المملكة المتحدة أن متوسط سعر المنزل ارتفع بنسبة 2.8% على أساس سنوي ليبلغ نحو 270 ألف جنيه إسترليني (355 ألف دولار). ومن حيث المناطق، سجّل الشمال الشرقي للبلاد أقوى زيادة سنوية بلغ 7.9%، تلته المنطقة الشمالية الغربية، بينما بقيت لندن الأضعف من حيث زيادة الأسعار عند 0.7%.
هذا التباين الإقليمي يعكس انتقال الطلب والاستثمارات العقارية بعيداً عن العاصمة نحو مدن أقل تكلفة، ما يمهّد لجغرافيا عمرانية جديدة في حال نُفِّذت المشاريع السكنية الكبرى بوتيرة عالية. بيد أنّ محور الأزمة لا يكمن في الأسعار فحسب، بل في قدرة المجالس المحلية على المواكبة. الحكومة تُحمِّل هذه المجالس مسؤولية تعطيل مئات المشاريع، وتقول إن عدداً كبيراً منها رُفض أو تأجِّل خلال العام الماضي رغم بلوغ أزمة السكن مستويات غير مسبوقة.
في المقابل، تُصرّ المجالس على أن قرارات الرفض ليست تعطيلاً متعمداً، بل دفاعاً عن المجتمعات التي تمثّلها، خصوصاً عندما تكون البنية التحتية غير قادرة على تحمّل تدفّق سكاني كبير. رؤساء مجالس محلية قالوا في تصريحات متكرّرة إن المدرسة والمشفى والطريق العام "ليست أرقاماً إضافية يمكن زيادتها بالسرعة نفسها التي تتزايد بها الوحدات السكنية".
الصراع بين الجهتين ليس جديداً، لكنه بلغ ذروته بعد الإعلان الحكومي الأخير، إذ حُرمت المجالس فعلياً من حقّ الحسم في المشاريع الكبرى التي تتجاوز 150 وحدة، وأصبحت مطالبة بإحالة الرفض إلى الوزير مباشرة. هذا التحوّل يعيد رسم ميزان السلطة بين المركز والمناطق، ويترك سؤالاً مفتوحاً: "هل ستحافظ المجالس البلدية على دورها أم ستفقد دورها بوصفها جهةً صانعة للقرار العمراني؟"
إصلاحات عمرانية أم ضغوط على الخدمات العامة؟
من جانب آخر، ينظر القطاع العقاري إلى هذه الإصلاحات بوصفها خطوة تفتح الباب أمام استقرار تشريعي واستثمارات أكبر في السوق السكنية. وفي هذا السياق، شدّد المعهد الملكي للتخطيط المدني في بريطانيا في بيان رسمي صدر في 6 أكتوبر 2025 على أن "التخطيط ليس مجرد إجراء إداري، بل محرّك للنشاط الاقتصادي. وإذا كان تحقيق النمو هدفاً وطنياً، فيجب تزويد إدارات التخطيط بالموارد اللازمة لاتخاذ قرارات سريعة وعالية الجودة".
وتتوقع شركات التطوير أن تسريع الموافقات سيُسهم في زيادة المعروض تدريجياً، ما يخفّف الضغط على الإيجارات التي تجاوز متوسطها خارج لندن 1300 جنيه شهرياً في الربع الثالث من 2025، بينما بقيت لندن متصدّرة بأكثر من ضعف هذا الرقم. غير أن محللين يحذّرون من أن نجاح الخطة مرتبط بقدرة الدولة على مواكبة المشاريع العمرانية باستثمارات موازية في الطرق والمدارس والمواصلات والرعاية الصحية. فبدون ذلك، يمكن أن تتحول زيادة البناء إلى عامل ضغط وليس عامل نمو، خصوصاً في المناطق الشمالية التي تشهد صعوداً سريعاً في الأسعار.
الإصلاح إذن ليس مجرد سباق لزيادة عدد الوحدات السكنية، بل معادلة اقتصادية دقيقة فيها المستفيدون والمتحفظون. الحكومة تراهن على أن بناءً أسرع يعني سوقاً عقارية أكثر توازناً وقوة شرائية أعلى ونموّاً اقتصادياً أوضح. أما المجالس المحلية، فترى أن سرعة التنفيذ إذا جاءت على حساب المجتمعات والخدمات الأساسية ستخلق أزمة أخرى على مدى أبعد.
ويأتي ذلك فيما تستهدف الحكومة بناء 1.5 مليون منزل خلال هذه الدورة البرلمانية، رغم أن عدد المنازل التي مُنحت تصاريح بناء في الربع الأول من العام هو الأدنى منذ 13 عاماً ما يجعل الإسكان اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على تحويل الوعود العمرانية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.