بريطانيا: ثقة الأعمال تتهاوى وحزب العمال في اختبار صعب
استمع إلى الملخص
- رفعت الحكومة الضرائب بمقدار 40 مليار جنيه إسترليني، مما أثار قلق مجتمع الأعمال، بينما يواجه حزب العمال تحديات في إعادة ضبط سياساته لتعزيز النمو.
- تواجه وزيرة الخزانة ريتشل ريفز قيودًا مالية وسياسية، حيث تبحث عن إيرادات إضافية دون زيادة الضرائب الرئيسية، مما يهدد مشروع "تجديد بريطانيا" إذا لم يتحقق توازن بين النمو والاستقرار المالي.
سجّل مؤشر بريطاني لثقة الأعمال مستوى قياسيًا منخفضًا، بالتزامن مع اختتام حزب العمال الحاكم مؤتمره السنوي في ليفربول، حيث حذّر التنفيذيون وزيرة الخزانة ريتشل ريفز من المزيد من الزيادات الضريبية. وانخفض مؤشر ثقة الأعمال التابع لمعهد المديرين، الذي يقيس تفاؤل قادة الأعمال، إلى سالب 74 في سبتمبر/ أيلول، بعد أن كان سالب 61 في أغسطس/ آب، متراجعًا عن قراءة يوليو/ تموز البالغة سالب 72، ليصل إلى أدنى مستوى منذ بدء سلسلة البيانات عام 2016.
يبرز هذا التراجع حجم التحدي الذي يواجهه رئيس الوزراء كير ستارمر في سعيه إلى "تجديد بريطانيا"، شعار مؤتمر الحزب. فالحكومة تحاول إطلاق النمو عبر مزيج من الاقتراض للاستثمار في الخدمات العامة، مع تبسيط قواعد التخطيط وخفض اللوائح التي تعيق الاستثمار. وقالت آنا ليتش، كبيرة الاقتصاديين في المعهد: "يدعو قادة الأعمال إلى خفض التكاليف التي تفرضها الحكومة، سواء من خلال عبء ضريبي أقل أو تنظيم أخف. والأهم أنهم يبحثون عن خطة أكثر ترابطًا ومصداقية للنمو"، وفق وكالة بلومبيرغ.
عبء الضرائب وفقدان الثقة
كانت الحكومة قد رفعت الضرائب بمقدار 40 مليار جنيه إسترليني (54 مليار دولار) في ميزانية العام الماضي، معظمها فُرض على الشركات، ما عزز شعور مجتمع الأعمال بالقلق. وفي خطابه الرئيسي الثلاثاء، أقر ستارمر قائلاً: "لقد طلبنا الكثير في الميزانية الأخيرة". يوم الاثنين، استضاف حزب العمال فعالية خاصة استمرت يومًا كاملًا لرجال الأعمال، شملت كلمات لستارمر ووزير الأعمال بيتر كايل. ورغم مضاعفة أسعار التذاكر إلى 6,000 جنيه إسترليني وتقليص عدد الحضور إلى النصف لتوفير أجواء أكثر حصرية، فإن المزاج العام لم يكن إيجابيًا.
وفي السياق، قال أحد الحاضرين إن الوزراء بدوا ملتزمين بتعزيز النمو ومتقبلين لمخاوف الأعمال بشأن عبء الضرائب. لكنه أشار إلى أن أجواء المؤتمر هذا العام بدت أقل حماسًا مقارنة بمؤتمر العام الماضي، الذي جاء بعد الفوز الساحق في انتخابات يوليو/تموز 2024. وقال مشارك آخر إن حزب العمال يكافح لإعادة ضبط سياساته، وإن بعض الخطط بدت وكأنها مستعادة من فترة حكم غوردون براون (2007-2010). كما اعتبر أن ستارمر ووزيرة الخزانة لم ينجزا الكثير خلال الأشهر الـ15 الماضية.
وبحسب "بلومبيرغ"، قال كريم فتيحي، الرئيس التنفيذي لغرفة تجارة وصناعة لندن: "يجب أن يتطابق طموح الحكومة مع المتابعة والوضوح إذا أرادت تزويد الشركات باليقين اللازم للتخطيط والاستثمار بثقة". كما أشار مسؤول تنفيذي بارز إلى أن الشركات ما زالت تشعر بمرارة من حملة الضرائب الأخيرة، رغم تأكيد ريفز المسؤولية المالية والنمو والاستثمار في البنية التحتية.
تواجه الحكومة وضعًا ماليًا صعبًا. فمنذ البيان المالي في مارس/ آذار، اتسع العجز وسط نمو بطيء وارتفاع تكاليف الاقتراض وتوقعات بتراجع الإنتاجية. ووفق تقديرات "بلومبرغ إيكونوميكس"، ستحتاج ريفز إلى إيجاد 35 مليار جنيه إسترليني في ميزانية ستُعرض بعد ثمانية أسابيع لاستعادة الهامش المالي المحدود الذي تحقق في مارس/ آذار.
لكن أدوات وزيرة الخزانة محدودة: الاقتراض الإضافي محفوف بالمخاطر في ظل الأسواق المتوترة، وتخفيضات الإنفاق تهدد بإثارة غضب داخل حزبها، بعد أن أجبرها نواب العمال سابقًا على التراجع عن تقليص دعم الرعاية الاجتماعية ووقود الشتاء. وتبقى الزيادات الضريبية الخيار الأكثر قبولًا لتعزيز مالية بريطانيا، لكن حتى هنا تجد ريفز نفسها محاصرة بالقيود السياسية والاقتصادية.
وتجد ريفز نفسها محاصرة بتعهدات انتخابية بعدم زيادة ضريبة الدخل أو التأمين الوطني أو ضريبة القيمة المضافة، وهي أكبر مصادر إيرادات الخزانة، إضافة إلى التعهد بعدم رفع ضريبة الشركات. لكن تمديد تجميد حدود الضرائب الشخصية لعامين إضافيين قد يدر ثمانية مليارات جنيه إسترليني، بحسب "مؤسسة ريزوليوشن فاونديشن"، غير أن هذه الخطوة قد تُتهم بأنها خرق لتعهد الحزب بعدم زيادة الضرائب على العاملين. ويُرجَّح أن تبحث الوزيرة عن إيرادات إضافية عبر زيادات أصغر تشمل ضرائب على المعاشات والأرباح الموزعة ومكاسب رأس المال.
كما لمّحت ريفز يوم الاثنين إلى احتمال رفع الضرائب على شركات القمار. وبينما كان مجلس المراهنة والألعاب يستضيف فعالية في كازينو غروسفينور على هامش المؤتمر، حيث قُدّمت شامبانيا "دوم بيريغنون" مباشرة من الصنبور، مازح إحدى جماعات الضغط قائلاً إن هذا القطاع "ربما يستطيع تحمّل عبء ضريبي أكبر". يواجه حزب العمال تحديًا معقدًا بين التزامه بتعهداته الانتخابية والحاجة الملحّة لإصلاح المالية العامة، فيما يظل مجتمع الأعمال متوجسًا من أي زيادات ضريبية جديدة. وإذا لم تنجح الحكومة في إيجاد توازن واضح بين النمو والاستقرار المالي، فقد يستمر تراجع الثقة ويُهدّد مشروع "تجديد بريطانيا" الذي ترفعه كشعار.