استمع إلى الملخص
- تسعى الحكومة البريطانية لتجنب الرسوم الجمركية الأمريكية الكبيرة، لكن هذا السعي قد يسبب توتراً مع الاتحاد الأوروبي، مما يضع بريطانيا في موقف محفوف بالمخاطر.
- أبدت المملكة المتحدة اهتمامًا بالانضمام إلى الاتفاقية الأوروبية المتوسطية لتعزيز التجارة، رغم أن التأثيرات الاقتصادية المباشرة قد تكون محدودة، إلا أنها تحمل أهمية رمزية كبيرة.
تواجه المملكة المتحدة معادلة صعبة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وسياساته الحمائية، التي قد تعيد تشكيل قواعد التجارة العالمية. وفي ظل هذه التحديات، تجد بريطانيا نفسها بين خيارين معقدين: تعزيز علاقتها مع واشنطن، أكبر شريك اقتصادي خارج الاتحاد الأوروبي أو الحفاظ على التوازن مع بروكسل، التي تمثل شريكها التجاري الأقرب. فكيف ستؤثر هذه التغيرات على مستقبل الاقتصاد البريطاني وموقعه في الساحة الدولية؟
في هذا السياق، حاورت "العربي الجديد"، البروفيسور أناند مينون، أستاذ السياسة الأوروبية والشؤون الخارجية في كلية كينغز بلندن، ومدير مبادرة المملكة المتحدة في أوروبا، لاستطلاع آرائه حول انعكاسات عودة ترامب وسياساته الاقتصادية على بريطانيا، وكيفية تحقيق التوازن مع الشركاء الأوروبيين.
مع عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، كيف يمكن لسياساته ونهجه "أميركا أولاً" أن يؤثر على قدرة المملكة المتحدة على تأمين صفقة تجارية مواتية والحفاظ على دورها كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي؟
تمتلك المملكة المتحدة اقتصادًا متوسط الحجم، مما يجعل فرصها في أن تصبح قائدة على الساحة العالمية محدودة. وتأتي عودة ترامب في وقت يشهد فيه الاقتصاد البريطاني مرحلة من الهشاشة والتحديات الكبيرة، فنحن نواجه ضغوطًا مالية كبيرة، ونعاني من صعوبة في تحقيق التوازن في الموازنة وتأمين التمويل اللازم للاستثمار في الخدمات العامة التي نحن بأمسّ الحاجة إليها. أرى أن الخطر المرتبط بسياسات ترامب يتمثل في إمكانية فرض تعريفات جمركية جديدة أو أن تتسبّب سياساته الاقتصادية في تصاعد العجز والتضخم في الولايات المتحدة، وهو ما سيكون له تأثير سلبي علينا بلا شك.
اللافت في اقتصاد المملكة المتحدة أنه، كونه اقتصادًا تجاريًا مفتوحًا بالكامل، يتأثر بشدة بالتطورات على الساحة الدولية. وخلال رئاسة جو بايدن، ظهر توجه واضح نحو تقليص العولمة في الاقتصاد الأميركي، حيث أصبح أقل انفتاحًا على التجارة الحرة، مع تخصيص جزء كبير من أموال دافعي الضرائب لدعم الشركات المحلية الأميركية. هذا التوجه بطبيعة الحال يفرض تحديات كبيرة على الشركات الأجنبية. وإذا استمر الاقتصاد الأميركي في تبني سياسات أكثر انغلاقًا وزيادة الحماية التجارية، فإن ذلك سيترك أثرًا ملموسًا علينا. وهكذا نجد أن اقتصاد المملكة المتحدة في موقف حساس، يعكس هشاشته أمام التغيرات الخارجية.
تسعى حكومة المملكة المتحدة إلى إقناع إدارة ترامب بعدم فرض رسوم جمركية كبيرة على الصادرات البريطانية، مشيرة إلى عدم وجود عجز في تجارة السلع بين البلدين. برأيك، ما هي فرص نجاح هذا النهج؟ وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على العلاقات الاقتصادية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، خاصة في مرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟
نحن نعاني حاليًا من عجز تجاري مع الولايات المتحدة، وهو ما يبدو أنه يصب في مصلحتنا بالنظر إلى نهج ترامب. فمن خلال فهمنا لتوجهاته، يتضح أنه ينتقد بشدة الدول التي تحقق فائضًا تجاريًا مع الولايات المتحدة، أي تلك التي تصدّر إليها سلعًا أكثر مما تستورد منها، معتبرًا هذا الوضع غير عادل لأميركا. ولحسن الحظ، نحن لا نقع ضمن هذه الفئة.
قد يتبنى ترامب موقفًا يقضي بفرض الرسوم الجمركية على الدول التي تحقق فائضًا تجاريًا مع الولايات المتحدة فقط، وليس تلك التي تعاني من عجز. ومع ذلك، يكمن الخطر في حال سعت المملكة المتحدة للحصول على معاملة خاصة من ترامب بخصوص التعريفات الجمركية، حيث قد يؤدي هذا النهج إلى توتر علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.
للتوضيح أكثر، إذا طلبت المملكة المتحدة من ترامب عدم فرض تعريفات جمركية، ووافق على تقديم صفقة خاصة، فقد تنظر أوروبا إلى ذلك على أنه تفضيل للمملكة المتحدة للعلاقة مع الولايات المتحدة على حساب الاتحاد الأوروبي. وهذا قد يدفع الاتحاد الأوروبي للتساؤل عن جدوى إعادة التفاوض على أي اتفاقيات تجارية مع المملكة المتحدة. مثل هذا السيناريو سيضع بريطانيا في موقف صعب للغاية، حيث ستجد نفسها مضطرة للاختيار بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو اختيار محفوف بالمخاطر وبالغ التعقيد.
أبقت حكومة المملكة المتحدة الباب مفتوحًا للانضمام إلى اتفاقية التجارة الغذائية التابعة للاتحاد الأوروبي بهدف 'إعادة ضبط' علاقتها مع الكتلة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. برأيك، ما مدى أهمية هذه الخطوة بالنسبة للقطاع الزراعي في المملكة المتحدة، ولعلاقاتها الاقتصادية الأوسع مع الاتحاد الأوروبي؟
هذه ليست أخبارًا ذات أهمية كبيرة لأننا كنا نعلم ذلك مسبقًا. فقد أوضح حزب العمال في بيانه أنه يعتزم التفاوض على صفقة زراعية مع الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، ما يزال هناك غموض حول التفاصيل الدقيقة لما يطالبون به، ومدى استعداد الاتحاد الأوروبي للموافقة على هذه الشروط. في الوقت الحالي، ليس أمامنا سوى الانتظار ومراقبة التطورات. المشكلة تكمن في أن المملكة المتحدة كانت بطيئة للغاية في تقديم تفاصيل واضحة حول ما تطلبه تحديدًا من الاتحاد الأوروبي.
أبدت المملكة المتحدة مؤخرًا اهتمامًا بالانضمام إلى الاتفاقية الأوروبية المتوسطية (PEM)، والتي يمكن أن تسمح بالتجارة بدون رسوم جمركية مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى بعض دول شمال أفريقيا والمشرق. ما هي في رأيك الآثار الاقتصادية المحتملة لانضمام المملكة المتحدة إلى هذا المخطط، خاصة في ما يتعلق باستراتيجيتها التجارية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟
صرّح المفوض الأوروبي باستعداده للتفاوض بشأن عضوية المملكة المتحدة، لكن يبدو أن المملكة المتحدة لم تُبدِ بعد موقفًا واضحًا حول هذه المسألة. من الناحية الاقتصادية، التأثيرات المترتبة على ذلك محدودة للغاية، إذ يقتصر الأمر على معالجة قضايا ضيقة للغاية دون تقديم حل شامل للاحتكاكات التجارية القائمة. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تحمل أهمية رمزية كبيرة. إذا وافقت المملكة المتحدة، فقد يُنظر إليها كخطوة أولى نحو تخفيف بعض الحواجز التجارية التي نشأت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وربما فتح الباب لمفاوضات أوسع في المستقبل. لكن في حد ذاتها، هذه الخطوة لن تُحدث تحولًا جذريًا في الاقتصاد.
ما هي التحديات الاقتصادية التي قد تواجهها اسكتلندا وأيرلندا الشمالية في حال تم التفاوض على اتفاقيات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال رئاسة ترامب، خاصة في ظل المخاوف الاقتصادية الخاصة بهما؟
هذا الأمر غامض إلى حد كبير، لأنني لست متأكدًا من وجود احتمالية كبيرة لعقد صفقات تجارية جديدة، خصوصًا مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى صفقة تجارية محتملة مع الولايات المتحدة، فالتعريفات الجمركية ليست ذات أهمية كبيرة، حيث يوجد بالفعل عدد قليل جدًا من التعريفات الجمركية على التجارة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة. من المحتمل أن تركز أي صفقة تجارية على الخدمات والتقارب التنظيمي بين البلدين. على سبيل المثال، قد تتضمن الصفقة الزراعية موافقة المملكة المتحدة على السماح بدخول مزيد من المنتجات الزراعية إلى أسواقنا.
لكن الخطر يكمن في العواقب المحتملة على المملكة المتحدة ككل، ما يعني قبول منتجات محظورة حاليًا في المملكة المتحدة بسبب المعايير التنظيمية، مثل الدجاج المغسول بالكلور. بالنسبة لأيرلندا الشمالية، هي ملزمة ببروتوكول أيرلندا الشمالية، وبالتالي لا يمكن بيع مثل هذه المنتجات هناك لأنها لا تزال تتبع لوائح الاتحاد الأوروبي في هذه المجالات.
أما في ما يخص اسكتلندا، فقد تزعم الحكومة الاسكتلندية، وخاصة الحزب الوطني الاسكتلندي، أن حكومة وستمنستر تعمل على تخفيض المعايير، وقد تستخدم ذلك سياسيًا كأداة ضدها.