بريطانيا: القطاع المالي يعارض توجه ستارمر للتقارب مع الاتحاد الأوروبي
استمع إلى الملخص
- أثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على القطاع المالي بنقل بعض المؤسسات مقارها، لكنه أتاح لحي المال في لندن التحرر من القواعد الأوروبية، بينما تسعى حكومة العمال للتقارب مع الاتحاد الأوروبي وسط معارضة القطاع المالي.
- رغم تراجع الإنتاج منذ أزمة 2008، تظل الخدمات المالية مساهمًا كبيرًا في الإيرادات الضريبية، مع بقاء "سيتي أوف لندن" مركزًا ماليًا عالميًا يعكس التحول نحو اقتصاد المعرفة.
يُصنّف الاقتصاد البريطاني منذ ثمانينيّات القرن الماضي، وتحت حكم رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، بأنه اقتصاد خدمات. وأيدت ثاتشر تراجع القطاعات الصناعية ذات العمالة الكثيفة مثل صناعة الصلب والمناجم وبناء السفن، لتفسح الطريق أمام قطاعات البنوك والتأمين والخدمات المالية بمختلف أنواعها. وعلى مدى العقود القليلة الماضية، تعزّز دور القطاع المالي في بريطانيا ليصبح أحد أكبر القطاعات، إذ يمثل نحو 9% من الناتج الاقتصادي، ويوفر 1.1 مليون وظيفة.
وقد تسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي يعرف بـ"بريكست"، في 2016، في مصاعب لهذا القطاع، إذ فضلت بنوك ومؤسّسات مالية عالمية نقل مقارها الإقليمية إلى مدن أخرى مثل فرانكفورت وبروكسل، لكن بريكست وفرت في الوقت ذاته فرصة ذهبية لحي "السيتي"، حي المال والأعمال، في لندن للتحرّر من القواعد التنظيمية المشدّدة التي تفرضها منظومة الاتحاد.
وقد بدأت حكومة العمال بقيادة كير ستارمر منذ أسابيع سياسة تقارب مع الاتحاد الأوروبي يرى كثيرون أنها تهدف لإعادة تأسيس نوع من الارتباط بين بريطانيا والاتحاد، وهو أمر بدأ على المستوى التعليمي والجامعي، وتوقع كثيرون أن يمتد ليشمل القطاع المالي، لكنّ تقريراً نشرته "فايننشال تايمز" أمس يشير إلى معارضة قوية من جانب القطاع المالي للعودة إلى الاتحاد.
وكان ستارمر قد صرح في وقت سابق من الأسبوع الجاري بأنه "إذا كان من مصلحتنا الوطنية تحقيق تقارب أكبر حتّى مع السوق الموحدة، فعلينا أن ندرس ذلك". وفي وقت لاحق، لمح نائب رئيس الحكومة ديفيد لامي، إلى فوائد إقامة اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي. لكن كلمات ستارمر ولامي أثارت قلق الدوائر المالية، التي كافحت كثيراً لتجاوز مرحلة الاضطراب وعدم اليقين التي تسببت فيها بريكست.
لماذا الخوف؟
ينظر خبراء القطاع المالي إلى الوضع الراهن باعتباره أكثر سلاسة من حيث القوانين التي تنظم الخدمات المالية والبنكية، فالمؤسّسات المالية في بريطانيا تخضع لقواعد بريطانيا التي في نظرهم أكثر مرونة من القواعد التي تفرضها المفوضية الأوروبية على دولها الـ27 وينبغي على الجميع اتباعها.
وتنقل فايننشال تايمز عن ستيفن فاين، الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار بيل هانت، قوله: "أحرزت المملكة المتحدة تقدماً كبيراً في إصلاح الخدمات المالية خلال السنوات القليلة الماضية، وسيقول لك معظم المحامين التنظيميين إن لدينا احتكاكاً أقل بكثير في الإطار التنظيمي مقارنة بمعظم الولايات القضائية في أوروبا. لا تريد خلق حالة من عدم اليقين المحتمل في وقت تستعيد فيه مدينة لندن زخمها".
ويعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك لبريطانيا في الخدمات المالية. ورغم ذلك تشير التقارير إلى أنّ حكومة ستارمر قرّرت استثناء هذا القطاع من سياسة التقارب التي تتبعها تجاه الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة، التي شملت العودة إلى تبني القواعد التي يطبقها الاتحاد في المواد الغذائية والطاقة.
وتشير تقارير صحافية إلى أن جماعات الضغط في حي "السيتي" قد مارست جهوداً على الحكومة لإقناعها باستثناء القطاع من سياسة التقارب، التي يعارضها اليمين البريطاني، وفي مقدمته حزب المحافظين صاحب دعوة الخروج من الاتحاد وحزب "ريفورم" اليميني المتطرف.
وقال متحدث رسمي بريطاني تعليقاً على هذه التقارير: "إنّ التفاهم المشترك بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي جرى التوصل إليه العام الماضي، والذي فتح الباب أمام اعتماد بريطانيا لقواعد بروكسل في مجالات مثل معايير الغذاء والطاقة، كان محدود النطاق ولم يشمل الخدمات المالية".
ورغم تراجع الإنتاج الحقيقي للقطاع المالي منذ الأزمة العالمية في 2008، فلا تزال الخدمات المالية والمهنية المرتبطة بها مساهماً رئيسياً في الإيرادات الضريبية، إذ ولدت 110 مليارات جنيه إسترليني (حوالى 134 مليار دولار) في السنة المنتهية في مارس 2023، وفقاً لتحليل أجرته شركة برايس ووترهاوس كوبرز.
وتمثل "سيتي أوف لندن"، وهي مساحة في قلب لندن على مساحة ميل مربع، رمزية خاصة للاقتصاد الخدمي البريطاني لأنها تعتبر مركزاً للخدمات المالية البريطانية والعالمية منذ قرون. وقد ظلت مركزاً للبنوك والتأمين وتداول الأسهم والتمويل الدولي منذ حكم الإمبراطورية وحتى الآن. وتضم "سيتي أوف لندن" مقرات البنوك الكبرى وشركات الاستثمار والأسواق المالية مثل بورصة لندن، وتتعامل مع معاملات بقيمة تريليونات الدولارات على مستوى العالم.
وتتجلى رمزية المدينة في جوانب عدّة، إذ تجسّد التحول من التصنيع إلى الخدمات عالية القيمة والمعتمدة على المعرفة، كما تظهر التأثير الاقتصادي العالمي للمملكة المتحدة رغم صغر حجمها الجغرافي.