بريطانيا: أوسع إصلاحات لحقوق العمال تواجه شبح البطالة
- يشير جيمس كوكيت إلى أن الإصلاحات تأتي في بيئة اقتصادية هشة، مما قد يقلل فرص العمل، حيث يخطط ثلث أصحاب الأعمال لتقليص التوظيف الدائم.
- تشمل الإصلاحات حقوقًا جديدة مثل الأجر المرضي من اليوم الأول، لكن توقيت تطبيقها يثير قلق الشركات، مع تقديرات حكومية لتكلفة سنوية تبلغ مليار جنيه إسترليني.
تشهد سوق العمل في بريطانيا مرحلة اختبار جديدة مع إقرار حزمة واسعة من إصلاحات حقوق العمال، في توقيت اقتصادي يتّسم بتباطؤ النمو وارتفاع كلفة التشغيل. وبينما تصف الحكومة هذه الخطوات بأنها "أكبر ترقية لحقوق العاملين منذ جيل"، تتصاعد مخاوف أصحاب الأعمال من آثار جانبية قد تُقيّد التوظيف الدائم وتعيد تشكيل سوق العمل على نحو أقل استقراراً.
في السياق، يقول باتريك ميلنز، رئيس سياسات شؤون العاملين والعمل في غرف التجارة البريطانية، لـ"العربي الجديد": إن "الارتفاع المتواصل في كلفة ممارسة الأعمال يُلقي بظلال مقلقة على سوق الوظائف في المملكة المتحدة"، محذراً من أن ضغوط التوظيف مرشحة للتفاقم مع بدء سريان أجزاء من قانون حقوق العمل اعتباراً من إبريل/نيسان المقبل.
يوضح ميلنز، أن أبحاث غرف التجارة البريطانية تُظهر أن كلفة العمالة لا تزال تمثل العبء الأكبر على الشركات، إذ أفادت 72% من المؤسسات بأنها أكبر مصدر للضغط المالي، فيما تواجه 70% من الشركات التي تحاول توظيف عمال جدد صعوبات حادة في التوظيف عبر مختلف القطاعات. وينتقد ميلنز ما وصفه بـ"استخفاف الحكومة بالتأثير المالي الكامل لقانون حقوق العمل على الشركات"، داعياً الوزراء إلى الاعتراف بالكلفة الحقيقية للتشريع واتخاذ خطوات سريعة لخفض أعباء الأعمال في مجالات أخرى. ويضيف أن "الشركات في مختلف أنحاء المملكة المتحدة بحاجة إلى دعم يمكّنها من التوظيف والاستثمار بثقة وإلا سيبقى النمو الاقتصادي عالقاً في المسار البطيء".
بدوره يقول جيمس كوكيت، كبير خبراء اقتصاد سوق العمل في المعهد القانوني لشؤون الأفراد والتنمية (CIPD)، في ردّه على أسئلة "العربي الجديد"، إن "قانون حقوق العمل يأتي في ظل بيئة اقتصادية هشّة أصلًا، تتسم بتراجع ثقة الشركات وضعف نيات التوظيف، ما يخلق خطراً حقيقياً من أن يؤدي التشريع إلى تقليص فرص العمل بدل تعزيزها". يوضح كوكيت أن أحدث تقرير فصلي للمعهد حول آفاق سوق العمل يُظهر أن أكثر من ثلث أصحاب الأعمال (37%) يخططون لتقليص توظيف العاملين الدائمين نتيجة واحد أو أكثر من الإصلاحات الأساسية التي يتضمنها القانون. ويضيف أن بعض التدابير، مثل تقليص فترة الأهلية لرفع دعاوى الفصل التعسفي من عامين إلى ستة أشهر وإقرار الأجر المرضي القانوني منذ اليوم الأول للمرض، "مرشحة لزيادة كلفة التوظيف وتعقيد إجراءاته"، محذراً من أن ذلك قد يدفع الشركات إلى الاعتماد بشكل أكبر على العمالة المؤقتة.
ويشدد كوكيت على "ضرورة أن تعمل الحكومة بشكل استباقي للحد من أي تداعيات سلبية محتملة على أصحاب الأعمال"، داعياً إلى مواصلة التشاور الجدي مع الشركات وإبداء قدر من المرونة والاستعداد للتعديل في بعض الإجراءات التي لم يُحسم أمرها بعد. ويختم بالقول إن "الشركات الصغيرة على وجه الخصوص بحاجة إلى وضوح أكبر بشأن التزاماتها القانونية الجديدة وجداول زمنية واقعية للامتثال وإرشادات عملية تساعدها على فهم ما تعنيه هذه التغييرات في إدارة أعمالها اليومية".
مؤشرات مقلقة من سوق العمل البريطاني
تأتي هذه المخاوف في وقت تُظهر فيه البيانات الرسمية إشارات إضافية إلى ضعف سوق العمل. فقد أفاد مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني بأن معدل البطالة ارتفع إلى 5.2% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في ديسمبر/كانون الأول، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ مطلع عام 2021 وأعلى مستوى خارج فترة الجائحة منذ أكثر من عقد. كما أظهرت الأرقام تراجع عدد العاملين على كشوف الرواتب بنحو 134 ألف شخص خلال العام الماضي، في مؤشر على فتور التوظيف.
وفي موازاة ذلك، تباطأ نمو الأجور المنتظمة إلى 4.2%، مع تسجيل فجوة واضحة بين القطاعين العام والخاص، حيث تجاوز نمو الأجور في القطاع العام ضعف نظيره في القطاع الخاص. ورغم تسجيل ارتفاع طفيف في عدد الوظائف الشاغرة، فإن مكتب الإحصاءات أشار إلى أن عدد العاطلين لكل وظيفة شاغرة بلغ أعلى مستوياته منذ نهاية الجائحة، في ظل اتجاه صعودي لحالات التسريح من العمل.
ما الذي تغيّر في قانون العمل؟
تشمل الإصلاحات المقرّة حقوقاً للموظفين "من اليوم الأول"، من بينها استحقاق الأجر المرضي القانوني فور بدء العمل وتسهيل الاعتراف بالنقابات وتقليص فترة الأهلية لرفع دعاوى الفصل التعسفي من عامين إلى ستة أشهر. وترى الحكومة أن تحديث الإطار القانوني سيحدّ من النزاعات المكلفة أمام المحاكم العمالية، غير أن شركات عديدة تشكك في هذا الرهان، معتبرة أن توسيع الحقوق لا يعني بالضرورة تقليص الخلافات داخل أماكن العمل.
لا ترتبط مخاوف أصحاب الأعمال بمضمون الإصلاحات وحده، بل بتوقيت تطبيقها أيضاً. فقد أُقِرّ قانون حقوق العمل نهاية عام 2025، على أن يبدأ تأثيره الفعلي على سوق العمل على مراحل تمتد بين عامي 2026 و2027. ففي إبريل/نيسان 2026، تدخل حزمة واسعة من الالتزامات حيّز التنفيذ، من بينها الأجر المرضي منذ اليوم الأول وتوسيع بعض الحقوق النقابية، بينما تُطبّق التعديلات الأكثر حساسية والمتعلقة بالفصل التعسفي مطلع عام 2027.
ويرى كثير من أصحاب الأعمال أن هذا الجدول الزمني يأتي في مرحلة اقتصادية غير مواتية، إذ لا يزال الاقتصاد البريطاني يواجه ضغوطاً مرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع كلفة الأعمال، ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوظيف الدائم أو إعادة النظر فيها. تقدّر الحكومة الكلفة السنوية المباشرة لتطبيق قانون حقوق العمل بنحو مليار جنيه إسترليني، غير أن المعهد القانوني لشؤون الأفراد والتنمية يرى أن هذه التقديرات لا تعكس العبء الإداري الكامل ولا الوقت الذي ستقضيه فرق الموارد البشرية في تنفيذ القواعد الجديدة. ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل الغالبية الساحقة من أصحاب الأعمال في بريطانيا وتفتقر غالباً إلى موارد إدارية موسّعة.
من الوظائف الدائمة إلى العمل المؤقت؟
يحذّر خبراء من أن تشديد شروط التوظيف الدائم قد يدفع بعض الشركات إلى الاعتماد بشكل أكبر على العقود المؤقتة أو العمالة غير المستقرة، في نتيجة عكسية قد تُقوّض الهدف المعلن للإصلاحات. ويشير اقتصاديون في سوق العمل إلى أن توقعات الحكومة بانخفاض النزاعات لا تنسجم مع قراءة أصحاب الأعمال، إذ أظهرت بيانات استطلاع CIPD أن 4% فقط من الشركات تتوقع تراجع الخلافات، مقابل أغلبية ترى أن التغييرات، لا سيما ما يتعلق بالفصل التعسفي والحقوق النقابية، ستزيد من احتمالات النزاع داخل أماكن العمل.
في المقابل، تدافع النقابات العمالية عن الإصلاحات باعتبارها خطوة ضرورية لتعزيز "الكرامة والرفاه في العمل"، بينما تطالب منظمات الأعمال بمزيد من التشاور والتدرّج في التطبيق لتفادي الإضرار بالتوظيف والنمو. وبين هذين الموقفين، تبدو سوق العمل البريطانية مقبلة على مرحلة دقيقة، سيحدّد فيها التنفيذ العملي للإصلاحات ما إذا كانت قادرة على تحسين شروط العمل من دون كبح خلق الوظائف.