استمع إلى الملخص
- تبنت ألمانيا استراتيجية "دي-ريسكن" لتقليل الاعتماد على الصين، تشمل تنويع مصادر المواد الخام من خلال الاستثمار في أفريقيا وأميركا اللاتينية، وتعزيز التعاون مع كندا وأستراليا، وإنشاء احتياطيات استراتيجية.
- يتداخل الملف الاقتصادي مع الأبعاد السياسية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، حيث أطلقت المفوضية الأوروبية قانون المواد الخام الحرجة لتقليص التبعية للصين، بينما تسعى ألمانيا للحفاظ على مصالحها الاقتصادية.
يتوجّه وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول، يوم الأحد، إلى الصين لإجراء محادثات تتمحور حول إمكانية الوصول إلى المعادن النادرة والمواد الخام الحيوية، في زيارة كانت قد أُرجئت سابقاً بسبب التوتر التجاري بين البلدين. ويحذو فادفول حذو زميله وزير المال لارس كلينغبيل، الذي كان أول وزير في حكومة فريدريش ميرز يقوم بزيارة رسمية إلى الصين في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، بحسب ما ذكرت وكالة فرانس برس.
وأشار كلينغبيل، في ختام زيارته، إلى "التزام واضح من الصين بشأن المعادن النادرة والمواد الخام الحيوية، بما يضمن إتاحة موثوقة وسلاسل توريد آمنة". تُعدّ المعادن النادرة عناصر أساسية لقطاعات اقتصادية كبرى، منها إنتاج السيارات والطاقة المتجددة والتقنيات الرقمية والدفاع. وتمتلك الصين الجزء الأكبر من الاحتياطيات العالمية لهذه المعادن، وقد أحدثت صدمة في قطاع التصنيع العالمي بعد فرض قيود على صادراتها عام 2025.
وأوضح ناطق باسم وزارة الخارجية الألمانية، الجمعة، أن فادفول سيثير هذه المسألة خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي يوم الاثنين، مؤكداً في مؤتمر صحافي دوري للحكومة في برلين أن "القيود المفروضة على سلاسل التوريد لها عواقب سلبية على الشركات الألمانية والأوروبية". وإلى جانب مناقشة ملف المعادن النادرة، من المقرر أن يبحث الوزيران النزاعات في أوكرانيا والشرق الأوسط، والوضع في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان، إضافة إلى قضايا احترام حقوق الإنسان، بحسب ما أفاد الناطق.
وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت العلاقات بين برلين وبكين مزيداً من الفتور على خلفية الخلافات الجيوسياسية وتصاعد التوتر التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين. ويُرتقب أن يزور فادفول، يوم الثلاثاء، شركات في مدينة غوانتشو، التي تُعد مركزاً رئيسياً للتكنولوجيا، بمرافقة ممثلين عن القطاع الاقتصادي والمجتمع المدني.
تُعدّ العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والصين من الأعمدة الأساسية للتجارة العالمية، إذ تمثل الصين منذ عام 2016 الشريك التجاري الأول لألمانيا. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 250 مليار يورو عام 2024، بحسب بيانات مكتب الإحصاء الفيدرالي الألماني، ما يجعل من بكين محوراً رئيسياً لسلاسل التوريد الألمانية، خصوصاً في قطاعات الصناعة الثقيلة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. غير أن هذه العلاقات، التي كانت تُبنى لعقود على مبدأ المنفعة المتبادلة، تمرّ اليوم بمرحلة حساسة تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية والمخاطر الاستراتيجية. فبرلين، التي تعتمد بشكل كبير على الواردات الصينية من المعادن النادرة والمواد الخام الحيوية، بدأت تنظر بقلق متزايد إلى سياسة التحكم في الموارد التي تنتهجها بكين.
المعادن النادرة.. محور الصراع الصناعي الجديد
تُعدّ المعادن النادرة ركيزة الصناعات المستقبلية. فهي تدخل في تصنيع السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والرقائق الإلكترونية والمعدات الدفاعية والأجهزة الرقمية المتقدمة. تمتلك الصين أكثر من 60% من الإنتاج العالمي وقرابة 85% من قدرات التكرير والمعالجة، ما يمنحها نفوذاً استراتيجياً كبيراً في الأسواق الصناعية. وقد استغلت بكين هذا التفوق مراراً ورقةَ ضغط، إذ فرضت عام 2025 قيوداً على صادرات بعض المعادن الأساسية مثل الغاليوم والغرافيت، بحجة حماية الأمن القومي البيئي. إلا أن هذه الخطوة كانت بمثابة صدمة للصناعة الأوروبية التي تعتمد بشكل مباشر على المواد الخام الصينية، ما أعاد إلى الأذهان أزمة سلاسل التوريد التي تفاقمت خلال جائحة كورونا وحرب أوكرانيا.
سياسة التنويع الاقتصادي الألمانية
إدراكاً لحجم المخاطر، تبنّت برلين خلال العامين الأخيرين استراتيجية "دي-ريسكن"، أي تقليص الاعتماد المفرط على الصين من دون القطيعة معها. تشمل هذه السياسة حوافز للشركات الألمانية لتنويع مصادرها من المواد الخام، عبر الاستثمار في أفريقيا وأميركا اللاتينية، ودعم مشروعات معالجة المعادن داخل أوروبا، فضلاً عن تعزيز التعاون مع كندا وأستراليا الغنيتين بالموارد الاستراتيجية. في هذا الإطار، خصصت الحكومة الألمانية صندوقاً بقيمة ملياري يورو لدعم شركات التعدين والمعادن التي تستثمر في مناطق بديلة للصين.
كما تعمل على إنشاء احتياطيات استراتيجية وطنية لبعض المواد الحيوية، مشابهة لمخزون الطاقة الطارئ، تحسباً لأزمات مستقبلية في التوريد. إلا أن تحقيق هذا التنويع لا يزال صعباً على المدى القصير، لأن الصين لا تهيمن فقط على استخراج المعادن، بل أيضاً على سلسلة القيمة المضافة بأكملها، من المعالجة إلى التصنيع المتقدم.
البعد الأوروبي والأمني
يتقاطع الملف الاقتصادي مع البعد السياسي والأمني داخل الاتحاد الأوروبي. فالمفوضية الأوروبية أطلقت عام 2023 قانون المواد الخام الحرجة بهدف تقليص التبعية للصين وضمان أمن الإمدادات. ورغم هذا التوجه، لا تزال بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، حذرة من التصعيد التجاري مع بكين خوفاً من ردود انتقامية قد تطاول قطاعاتها الصناعية الحساسة. في المقابل، ترى برلين أن استمرار القيود الصينية يُهدد استقلال أوروبا الصناعي وموقعها التكنولوجي في ظل المنافسة الشرسة مع الولايات المتحدة، التي تستثمر بدورها مليارات الدولارات في سلاسل توريد خالية من الصين بموجب قانون خفض التضخم.
زيارة وزير الخارجية يوهان فادفول تأتي في لحظة حرجة من إعادة تعريف العلاقات الألمانية - الصينية. فبينما تسعى برلين إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وضمان تدفق المعادن الحيوية، تحاول في الوقت نفسه تقليص هشاشتها الاستراتيجية أمام قرارات بكين. المعادلة المعقدة بين الاعتماد الاقتصادي والتحفظ السياسي تجعل من الملف الصيني أحد أبرز تحديات السياسة الخارجية الألمانية في عهد فريدريش ميرز، وتضع برلين أمام اختبار صعب:هل تستطيع تنويع شراكاتها من دون خسارة السوق الصينية التي لا بديل عنها حالياً؟