برازيلي يجمع العلب ليشتري بيتكوين... كم علبة تحتاج لتمتلك عملة كاملة؟
استمع إلى الملخص
- جمع بيتكوين كامل يتطلب بيع ملايين العلب، مما يبرز التحديات الاقتصادية في الاقتصادات الناشئة والفجوة بين القدرة الشرائية المحلية وقيمة الأصول الرقمية.
- تجربة أوليفيرا تعكس المثابرة والطموح في مواجهة الأزمات الاقتصادية، مشيرة إلى أن المشاركة في الاقتصاد العالمي تتطلب إصراراً وهدفاً واضحاً، وليس رأسمالاً كبيراً.
في وقت يبحث فيه المستثمرون عن طرق معقدة لاقتناص البيتكوين، اختار رجل برازيلي طريقاً يبدو في ظاهره عبثياً، لكنه يعكس واقعاً اقتصادياً عميقاً في عالم يتشابك فيه الفقر والطموح الرقمي. برونو أوليفيرا، وهو شاب من مدينة ليميرا بولاية ساو باولو، قرر منذ عام 2022 أن يجمع ويبيع علب الألمنيوم الفارغة من الشوارع ليحول عائدها إلى استثمار في عملة البيتكوين. وبعد مرور أكثر من عامين على محاولته، أصبح اسمه رمزاً لثقافة "العمل مقابل الساتوشي"، بحسب "سي أن أن"، إذ يسعى ليس إلى امتلاك عملة كاملة، بل إلى الوصول إلى عُشر بيتكوين واحد فقط.
بين الأسطورة والواقع
انتشرت قصة أوليفيرا عبر مواقع التواصل في البرازيل والعالم، بعد تداول منشورات تزعم أنه اقترب من جمع بيتكوين كامل، إلّا أن الرجل نفى ذلك بنفسه، قائلاً: "الهدف ليس عملة بيتكوين واحدة، هذا مستحيل. أطمح فقط إلى 0.1"، وأعاد في منشور على منصة "إكس" التأكيد أن جمع عملة رقمية كاملة من بيع العلب "شبه مستحيل"، موضحاً أن دخله من إعادة التدوير بالكاد يكفي لشراء أجزاء صغيرة جداً من العملة المشفرة. ومع ذلك، فإنّ رحلته اليومية بين القمامة والمصارف أصبحت تجسيداً عملياً لفكرة "إثبات العمل" التي تقوم عليها فلسفة البيتكوين، ولكن في نسختها الواقعية، إذ يُترجم الجهد اليدوي إلى قيمة رقمية ساطعة. ورغم أن قصته بدت للبعض مجرد مغامرة فردية، إلّا أنها لاقت اهتماماً من مجتمع العملات الرقمية العالمي، واعتبرها بعضهم صورة حقيقية لتحديات الاقتصاد الشعبي في مواجهة اللامركزية المالية، وكتب أحد مستخدمي "إكس" قائلاً: "هنا إثبات العمل الحقيقي... علبة بعد علبة، ساتوشي بعد ساتوشي"، في إشارة رمزية إلى الجهد الذي يبذله مقابل كل جزء صغير من البيتكوين.
كم تحتاج من العلب لشراء بيتكوين واحد؟
وفقاً لتقديرات "سي أن أن"، فإن حجم الجهد المطلوب لتحقيق حلم أوليفيرا في دول أخرى يبلغ أرقاماً صادمة. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، يبلغ سعر رطل الألمنيوم النظيف نحو 0.50 دولار، ما يعني أن جمع بيتكوين واحد (يعادل تقريباً 106 آلاف دولار) يتطلب بيع نحو 210 آلاف رطل من العلب، أي ما يعادل 6.3 ملايين علبة تقريباً. وفي المناطق التي تقل فيها أسعار الخردة، قد يصل العدد إلى أكثر من 10 ملايين علبة، وهي كمية يستحيل على شخص واحد جمعها خلال حياته العملية.
أما في بريطانيا، فالمهمة أكثر صعوبة، إذ يبلغ متوسط سعر كيلو الألمنيوم المستخدم حوالى 0.20 جنيه إسترليني، ومع سعر بيتكوين يناهز 82 ألف جنيه، سيحتاج جامع العلب إلى نحو 410 أطنان من الألمنيوم، أي ما يعادل 27 مليون علبة مشروبات تقريباً. حتى مع الأسعار الأعلى، فإنّ الهدف لن يتحقق بأقل من 16 مليون علبة، ويشير خبراء البيئة إلى أن إعادة التدوير في بريطانيا تصل إلى معدل 80% من العلب المستهلكة، لكنها رغم ذلك لا تعود على الأفراد بعوائد مالية مجزية تجعلها مصدر دخل حقيقي.
رحلة أوليفيرا ليست مجرد محاولة لادخار عملة مشفرة، بل هي انعكاس لوضع اقتصادي هش في بلد يعاني من تفاوت اجتماعيٍ كبير. فالبرازيل، التي تشهد تقلبات حادة في قيمة عملتها المحلية وارتفاعاً في تكاليف المعيشة، أصبحت بيئة خصبة لتجارب شعبية في الادخار الرقمي، إذ يرى البعض في البيتكوين وسيلة للتحرّر من تقلبات البنوك والتضخم المستمر. لكن في المقابل، يراها آخرون صورة رمزية لـ"أسطورة العملة المستحيلة"، إذ إنّ الجهد المطلوب لتحصيلها عبر العمل اليدوي يجعلها حلماً بعيد المنال للفقراء. ويصف بعض المراقبين رحلة أوليفيرا بأنها "تجسيد عكسي لاقتصاد التعدين الرقمي"، فبينما تستخدم أجهزة الحوسبة الفائقة لاستخراج العملات في العالم الرقمي، يمارس الرجل عمله البدني المضني في جمع المعادن لشراء رموزها الرقمية. وبين المفارقتَين، تمتد مساحة رمزية عميقة بين من ينتجون البيتكوين بالمعالجات الدقيقة ومن يكدون من أجل امتلاك كسور منها.
أساطير في عالم العملات المشفرة
كما أن تجربة أوليفيرا ليست الأولى من نوعها في عالم البيتكوين. فقد سبقه كثيرون إلى طرق غير تقليدية لاكتسابها. ففي عام 2014، قبل مغني الراب الأميركي 50 سنت الدفع بعملة البيتكوين مقابل ألبومه "Animal Ambition"، وحصل حينها على نحو 700 بيتكوين كانت تساوي آنذاك بضع مئات آلاف الدولارات، لتتحول لاحقاً إلى ملايين بعد ارتفاع الأسعار. أما المبرمج الأميركي لازلو هانيتش فقد دخل التاريخ عندما اشترى في عام 2010 بيتزتين مقابل 10 آلاف بيتكوين، وهي الصفقة التي أصبحت تعرف عالمياً باسم "يوم بيتزا البيتكوين"، بعدما تجاوزت قيمتها اليوم مليار دولار. وهذه القصص، رغم تباينها، تشترك في فكرة واحدة: البيتكوين لم يعد مجرد أصل مالي، بل رمز لرحلة شخصية، سواء كانت رحلة ثراء سريع، أو تجربة عناد إنساني كما في حالة أوليفيرا، الذي حول القمامة إلى استثمار بطيء في اقتصاد المستقبل.
ومن الناحية الاقتصادية، تكشف تجربة أوليفيرا عن الهوة المتزايدة بين القدرة الشرائية المحلية وقيمة الأصول الرقمية العالمية. فالعملة المشفرة التي تتداول على الشاشات كمؤشر مالي مجرد، تمثل في واقع الحال عبئاً مادياً ضخماً على الأفراد في الاقتصادات الناشئة، إذ يصبح جمعها بالوسائل التقليدية شبه مستحيل. لكن في الوقت نفسه، تكشف القصة عن روح المثابرة الشعبية التي تصنع رموزاً جديدة للأمل الرقمي في مواجهة الأزمات الاقتصادية، وتؤكد أن الرغبة في المشاركة في الاقتصاد العالمي لا تحتاج إلى رأسمال، بل إلى إصرار وهدف واضح. ربما لن يمتلك برونو أوليفيرا عملة بيتكوين كاملة أبداً، لكنه استطاع أن يخلق نموذجاً إنسانياً نادراً في زمن باتت فيه العملات المشفرة رمزاً للطموح أكثر من كونها وسيلة للثراء، فقصته تختصر ببساطة معادلة البيتكوين ذاتها: الكفاح مقابل القيمة، والجهد مقابل الثقة، والعمل اليدوي في مواجهة النظام المالي المؤتمت.