بالخبز أم بالعلم يحيا السوريون

بالخبز أم بالعلم يحيا السوريون

02 مارس 2021
الصورة
أزمة معيشية متواصلة في سورية (فرانس برس)
+ الخط -

بات مسؤولو نظام بشار الأسد في دمشق أمام استحقاق تغيير نهج مواجهة الأزمات، بعد أن كشفهم السوريون وأصبح التنبؤ بالقرارات قبل صدورها مسألة ملفتة للانتباه. 

فالقصة المكرّرة تبدأ من الإعلان الحكومي بعدم وجود أزمة بقطاع معين أو حول سلعة محددة، بل وتأكيد المسؤول على الوسائل الإعلامية الرسمية أن "سورية بخير" ولا حاجة للمخاوف أو تصديق وسائل الإعلام المغرضة، من ثم يتبع تصريح المسؤول مسؤولون آخرون، يمتلكون رؤية أكثر شمولية وربما درجة من التحليل والدراية أكثر من سابقهم، ليشيروا عبر الإعلام إلى الضغوط المفروضة والحصار الممارس والاستهداف الجائر، والتي، مجتمعة، قد تبدّل من بعض الخطط الحكومية، ليتمكن النظام المقاوم من مواجهة المؤامرة. 

وتتبع هذه المعزوفة أن سورية لم تزل، رغم كل المعوقات وتراجع الموارد، تتعاطى بنظام أبوي فتزيد من مخصصات وميزانية هذا القطاع، أو تتكبد على تلك السلعة المدعومة خسائر طائلة، فكلفتها على الدولة أضعاف ما تبيعها للمواطن. 

وأما الخطوة ما قبل الأخيرة، فيتمّ تخفيض العرض السلعي وإحداث أزمة بالأسواق، ليحس السوريون بمدى النعم التي يعيشون فيها، فتأتي الضربة القاضية ويتم رفع سعر السلعة مع سيمفونية المبررات وتوزيع المسؤولية التي يطاول قطاع الأعمال الجزء الأكبر منها. 

وهذا النهج المكرر اتبعه نظام بشار الأسد قبل رفع سعر المازوت سبع مرات والبنزين ثماني مرات والخبز أربع مرات وحتى سعر الدولار ثلاث مرات، مع التنبيه إلى أن نظام بشار الأسد يؤاخي بين الأنماط الاقتصادية، فيسعّر السلع والمنتجات فقط من أجل الواجب الوطني وتعبيراً عن وجود الحكومة الراعية والدولة الأبوية، ويبقي على الحالة الليبرالية وفق الخصوصية السورية ومبدأ حرية الأسواق التي ستصوّب نفسها بنفسها.  

 

 

بمعنى، سعر ليتر المازوت الرسمي لزوم التدفئة 180 ليرة بعد آخر رفع أسعار، ولكنه غير متوفر، وكامل الحرية للمواطن الذي يسعى لرفاهية التدفئة خلال الشتاء أن يشتريه من السوق السوداء بسعر 1000 ليرة، وكذلك بالنسبة للصناعيين، إذ رفعت حكومة الأسد من سعر المازوت لزوم الإنتاج الصناعي من 296 إلى 650 ليرة أخيراً، ليتدبروا أمر تأمين مستلزمات الإنتاج على طريقتهم، ولكن، ولأن الخبز خط أحمر، استثنت الحكومة المازوت لزوم إنتاج الخبز من رفع الأسعار وتركته عند 135 ليرة. 

قد يخطر لقارئ أن يسأل، وهل للمازوت بسورية ثلاثة أسعار رسمية؟ 

الإجابة، نعم، وإلا كيف يمكن تحقيق العدالة وفتح الأسواق لجميع الأنماط الاقتصادية لكي تطبق نظرياتها بحرية. 

والأمر ذاته وبالتفضيل الممل ينعكس على سعر الصرف الرسمي، فهناك أيضاً أربعة أسعار "سعر تمويل التجار والسعر الرسمي وسعر بدلات الخدمة الإلزامية وسعر الحوالات المالية" ولكن أيضاً الحرية مشرّعة أبوابها أمام السوق الهامشي ليسعّر الدولار بأكثر من ثلاثة أضعاف السعر الرسمي، والحرية لرجال الأعمال ليشتروا ما يلزم لتمويل مستورداتهم. 

مع فارق بسيط هنا أن التعامل بغير العملة السورية ممنوع في سورية الأسد، والمنع وفق مرسوم من سيادة الرئيس ويختلف عن منع المتاجرة بالمشتقات النفطية والخبز، لذا احترسوا إخوتنا التجار وأنتم تشترون العملات الأجنبية من أن نراكم. 

ولم تستثن كوميديا خطط رفع الأسعار الخبز، فقد طاوله السيناريو ذاته قبل شهرين، وقت رفعت حكومة الأسد السعر 100%، ولكن لم تتدخل لتخفيف أزمة الطوابير التي صارت سمة سورية، إذ ثمة بجعبتها مفاجآت أخرى كما توقع السوريون وفق نبوآتهم وخبرتهم التراكمية من تجريب المجرّب مرات ومرات. 

ليأتي قبل يومين، قرار رفع سعر الخبز السياحي إلى 1800 ليرة للربطة " أجل بسورية نوع خبز اسمه سياحي وهو بمواصفات جيدة يصلح للاستخدام البشري، عدا ذلك الذي يقدم لعامة الشعب بسعر 100 ليرة للربطة الواحدة" ليكون سعر رغيف الخبز السياحي الواحد 257 ليرة، ولأن الخبز السياحي و"الصمون" يأكلهما سوريو الدرجة الأولى، فاضطرت الحكومة آسفة لرفع سعر كيلو الصمون إلى ألفي ليرة. 

 

وبالقياس على المازوت والدولار وتحقيقاً لفتح الباب أمام التجريب والحريات، تم خلق سوق سوداء للخبز المدعوم الذي يأكله عامة الشعب، وبات سعر ربطة الخبز ألف ليرة بدل مائة ليرة، وبجانب الأفران التي يستحيل على المواطنين تحصيل قوتهم منها، وليس بعيداً لئلا يتكبد السوري المدعوم، عناء قطع المسافات. 

نهاية القول وإجابة على سؤال العنوان، بالخبز أم بالعلم يحيا السوريون، فقد ألغى الدكتور قيس عبود المحاضر في قسم الأتمتة الصناعية بكلية الهندسة التقنية بجامعة طرطوس غربي سورية، قبل أيام، محاضرة لطلاب الماجستير، بسبب وقوفه على طابور الخبز المدعوم لأن دخل أستاذ الجامعة بسورية لا يمكّنه من شراء الخبز السياحي، ولئلا ينتظره الطلاب، كتب منشوراً على فيسبوك "موعد الخبز لا يؤجل، كان عندي محاضرة ماجستير أرجأتها لأقف على دور الخبز اكتشفت أن الخبز أهم من العلم، بالخبز وحده يحيا الإنسان". 

المساهمون