بائعو غزة في "منطقة رمادية"...عملات متهالكة وتجارة بالفكة
استمع إلى الملخص
- يعكس هذا التنوع تحديات اقتصادية وغياب منظومة دفع موحدة، حيث يمثل الدفع الإلكتروني حلاً عصريًا، لكن البنية البنكية المقيدة تعيق التحول الرقمي، مما يتطلب إصلاحات بنكية لتعزيز هذا التحول.
- ظهرت تجارة تعتمد على العملة التالفة، حيث تُباع بأسعار مضاعفة، مما يعكس خللاً في دورة التعامل النقدي وتشكّل اقتصاد ظل، ويشير إلى انهيار ثقة المستهلك بالعملة الورقية.
تمر الأسواق في قطاع غزة بحالة غير مسبوقة من التنوّع في أساليب الدفع، بعدما تحولت المعاملات المالية اليومية إلى ما يشبه "المنطقة الرمادية" التي يختلط فيها النقد التالف بالدفع الإلكتروني والفكة الشحيحة وغيرها من الأساليب.
ففي ظل أزمة سيولة حادة وارتفاع مستوى تلف العملات الورقية المتداولة، ابتكر التجار طرقهم الخاصة لضمان استمرار نشاطهم التجاري، حتى لو كان ذلك يعني التعامل بعملة ممزقة أو رفض الدفع نقداً بالكامل أو الاكتفاء بالفئات المعدنية الصغيرة.
وتكشف جولة واحدة في الأسواق الغزّية، عن صورة معقدة للمشهد المالي اليومي، فهناك باعة يعتمدون على الدفع الإلكتروني فقط لأنهم يجدونه أكثر استقراراً، فيما يتمسك آخرون بالكاش رغم مشكلاته، بينما نشأت فئة ثالثة لا تتعامل إلا بالعملة التالفة وفئة الـ10 شواكل تحديداً، مستفيدة من الحاجة الماسة للتخلص منها، وبين هؤلاء جميعاً تبقى "الفكة" عملة ذهبية تباع وتشترى بسبب ندرتها.
تشتت اقتصادي
لعل هذا التنوع لا يعكس تكيف السوق مع الظروف الاستثنائية فقط، بل يشير أيضاً إلى حالة من التشتت الاقتصادي وغياب منظومة دفع موحدة، ما يجعل كل تاجر يبني نظامه الخاص وفق ما يراه أكثر ربحية وقابلية للاستمرار.
يقف البائع خميس غراب، خلف بسطته المليئة بالفواكه والخضروات في سوق النصيرات وسط القطاع، لافتاً نظر الزبائن بلافتة صغيرة معلقة أمامه: "الدفع إلكتروني فقط". ويرفض غراب التعامل بالنقد تماماً، حيث يرى أن الدفع الإلكتروني هو الحل الأنسب وسط الفوضى المالية التي سبّبتها العملات المهترئة.
وأوضح غراب لـ"العربي الجديد" أنه خلال السنوات الأخيرة أصبح تسلّم النقود الورقية أشبه بالمجازفة، فمعظمها ممزق أو باهت، مشيراً إلى أن التعامل بالنقد يجلب معه مشكلات يومية لا تنتهي، من رفض بعض التجار قبول العملات التالفة التي يحصل عليها من الزبائن، إلى ضياع الوقت في البحث عن الفكة غير المتوافرة أصلاً.
ولفت إلى أن النظام الإلكتروني سهّل عليه العملية التجارية، ووفر له جهد الفرز والحسابات وزاد من سرعة البيع. لكن رغم راحته في التعامل الرقمي، يواجه غراب تحديات كبيرة بسبب قيود التحويلات التي تفرضها البنوك في غزة.
وأضاف: "قد يمنع التحويل أو يؤجل لأيام، ما يعطل عمله ويؤثر بقدرته على شراء البضائع الجديدة أو تسديد التزاماته، النظام الإلكتروني ممتاز، لكن البنوك تقف أحياناً ضد استمرار رزقنا".
وتكشف حالة البيع بالدفع الإلكتروني عن فجوة مهمة في المنظومة الرقمية بغزة؛ فبينما يمثل الدفع الإلكتروني حلاً عصرياً يخفف أزمات النقد، إلا أن البنية البنكية المقيدة تقف عائقاً أمام اكتمال هذا التحول، ما يشير إلى أن نجاح التحول الرقمي يتطلب إصلاحات على مستوى النظام البنكي نفسه، وليس تعزيز استخدام التطبيقات والمحافظ الإلكترونية فقط.
مخاوف الدفع الإلكتروني
أما بائع أدوات التنظيف في سوق مخيم البريج وسط القطاع، عيد عيسى، فيصرّ على البيع بالكاش فقط، رافضاً أي معاملات إلكترونية، ومؤكداً أن خوفه من تجميد حسابه البنكي يدفعه إلى الابتعاد عن أي تحويلات رقمية. وقال عيسى لـ"العربي الجديد": "أمتلك حساباً فردياً وليس تجارياً، وهذا قد يجعلني عرضة للمساءلة أو التقييد بمجرد زيادة الحركة على الحساب، وفتح حساب تاجر بات أمراً صعباً في الوقت الحالي، ما يعني أن أي تعامل بالدفع الإلكتروني سيقوده في النهاية إلى مشكلات مع البنك، وهو أمر لا يرغب في تجربته"، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن التعامل النقدي نفسه مرهق للغاية، خصوصاً بسبب انتشار العملة التالفة.
وأضاف عيسى: "الكثير من الزبائن يدفعون له أوراقاً نقدية ممزقة يصعب تداولها لاحقاً، كذلك إن نقص الفكة يضعني في مواقف محرجة عند إتمام العمليات الصغيرة".
وبين خوفه من الحلول الرقمية ومشكلات الكاش، يجد عيسى نفسه عالقاً بين نظامين، كلاهما غير مستقر، لكنه يختار أقلهما مخاطرة، وفق رؤيته.
وتكشف تجربة البيع بالكاش أن غياب حسابات تجارية واضحة وميسّرة للبائعين الصغار يعوق بشدة اعتماد الدفع الإلكتروني، إذ يبقى الخوف من التجميد أو المراقبة البنكية حاجزاً نفسياً وعملياً لا يمكن تجاوزه بسهولة، ما يجعل التحول الرقمي محدوداً وغير شامل رغم الحاجة الملحة إليه.
تجميع العملة التالفة في غزة
يعمل البائع باسم ديبة في تجارة فريدة من نوعها في سوق الصحابة وسط غزة، فهو يبيع البسكويت والسكر مقابل العملة التالفة فقط، وبخاصة فئة الـ10 شواكل النقدية التي فقدت ثقتها بين الغزيين.
ويجمع ديبة هذه العملات من السوق ومن التجار الذين يسلمونها لاحقاً للجانب الإسرائيلي مقابل دفع إلكتروني، ليصبح واحداً من أبرز نقاط تجميع النقود التالفة في المنطقة. وقال لـ"العربي الجديد": "العملة التالفة تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها، وذلك أبيع بضاعتي بأسعار مضاعفة، فالبسكويت الذي سعره الطبيعي خمسة شواكل يُباع بـ15 شيكلاً، لأن التاجر يجمع المال بنصف قيمته".
وأوضح أن عمله يعتمد على "تحويل الأزمة إلى فرصة"، فهو يستفيد من حاجة الناس للتخلص من النقود التالفة، بينما يستفيد التاجر الذي يعيد تسليم الأموال إلى الجانب الآخر من حجم الكمية التي يجمعها.
ورغم أن هذا النوع من التجارة يبدو غريباً، إلا أنه يعكس خللاً كبيراً في دورة التعامل النقدي، حيث تتحول الأوراق التالفة إلى قناة ربح لبعض التجار، في ظل غياب آلية واضحة لاستبدالها أو سحبها من السوق.
وتشير هذه الحالة إلى تشكّل ما يُسمى بـ"اقتصاد ظل نقدي" يعتمد على العملة التالفة وسيلةَ تبادل ذات قيمة معدّلة، وهذا يعكس الانهيار التدريجي لثقة المستهلك بالعملة الورقية، وتحوّل النقد التالف إلى سوق قائم بذاته يستغل غياب سلطة النقد والبنوك في معالجة المشكلة، حسب متخصصين.
بائع الدخان سامي بدر، الذي يبيع السجائر بالمفرّق على مفترق السرايا وسط مدينة غزة، يقول لـ"العربي الجديد": "أبيع السجائر بسعر أفضل من الآخرين، ولكن بالعملات النقدية المعدنية التي يزداد الطلب عليها من الجميع، ولا أقبل البيع بالعملات الورقية".
وأوضح بدر أن هذه الطريقة تسهل البيع اليومي وتجعله يتجنب مشكلات تلقي أوراق نقدية غير مقبولة، لكنه في المقابل يخوض في تجارة أخرى لا تقل غرابة، وهي بيع الفكة نفسها، "فبعد جمعها يبيع 80 شيكلاً من الفكة مقابل 100 شيكل ورقية، مستفيداً من رغبة الزبائن في الحصول على فئات صغيرة".
ولفت إلى أن الفكة أصبحت الأكثر طلباً، وأن الكثير من التجار والبائعين مستعدون لدفع فارق سعر للحصول عليها، مشيراً إلى أن هذه التجارة باتت مربحة أكثر من بيع الدخان نفسه في بعض الأيام.