انهيار الألماس في إسرائيل: التجار يهجرون مهنة الأثرياء بعد هبوط الصادرات

07 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 02:33 (توقيت القدس)
خلال فاعلية أسبوع الألماس الدولي، تل أبيب، 5 فبراير 2018 (جاك غيز/ فرانس برس)

تواجه صناعة الألماس في إسرائيل واحدة من أصعب الأزمات في تاريخها، بعدما فقد القطاع جزءاً كبيراً من قيمته التجارية خلال السنوات الأخيرة، تحت ضغط انهيار أسعار الألماس المصنع معملياً، وتراجع الطلب العالمي، وتباطؤ الاقتصاد الصيني، إلى جانب الرسوم الجمركية الأميركية التي أضعفت القدرة التنافسية للصادرات الإسرائيلية في أهم أسواقها الخارجية.

تشير أحدث قراءات "مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية" بالقاهرة، إلى أن الأزمة تجاوزت حدود التراجع الدوري في النشاط، لتتحول إلى إعادة هيكلة شاملة لواحدة من أهم الصناعات التصديرية في دولة الاحتلال، في وقت تتعرض فيه شركة دي بيرز البريطانية، أكبر اسم في صناعة الألماس الطبيعي عالمياً، لضغوط مالية غير مسبوقة.

وقال مدير "مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية"، وليد فاروق، لـ"العربي الجديد"، إن ما تشهده إسرائيل يعكس تحولاً هيكلياً في سوق الألماس العالمي، لكن تداعياته كانت أكثر حدة داخل أسواق تل أبيب، بسبب اعتمادها الكبير على الصادرات إلى الولايات المتحدة، بالتزامن مع صعود الألماس المصنّع معملياً الذي غيَّر قواعد المنافسة بصورة جذرية. كانت تل أبيب لعقود واحداً من أكبر مراكز تجارة الألماس وصقله في العالم، لطالما وظفتها في دعم علاقاتها الاقتصادية والمالية مع الدول الأفريقية الأكثر امتلاكاً لمناجم الألماس والشركات الدولية المرتبطة بصناعة الأثرياء.

إذ تضم بورصة الألماس في منطقة رمات جان نحو 3200 عضو، ويمر عبرها نحو ثلث تجارة الألماس الخام عالمياً، كذلك كانت لسنوات المورد الأكبر للألماس المصقول إلى السوق الأميركية. وفقاً لدراسة "مرصد الذهب"، كان القطاع يسهم بنحو 17% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، مع توفيره نحو 20 ألف فرصة عمل مباشرة. وتراجعت صادرات الألماس الإسرائيلية الإجمالية (شملت الألماس المصقول والخام ومجوهرات الألماس) خلال النصف الأول من عام 2026 لتسجل 2.4 مليار دولار، مقارنة بنحو سبعة مليارات دولار في سنوات الذروة (2015)، وهو ما يمثل تراجعاً بأكثر من الثلثين.

كذا، انخفضت الصادرات الإجمالية للألماس المصقول خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 22%، وتراجع حجم التجارة الكلي لقطاع الألماس في إسرائيل (الذي يجمع الواردات والصادرات معاً) إلى نحو أربعة مليارات دولار فقط، مقارنة بنحو 12 مليار دولار في فترات الازدهار والنشاط التاريخي للقطاع. وفقاً للدراسة، انعكست هذه الأرقام على العاملين في القطاع، إذ كشف تقرير نشره موقع واينت الإسرائيلي، عن إغلاق عشرات المكاتب داخل بورصة الألماس، واضطرار عدد من كبار التجار إلى ترك المهنة والعمل في وظائف أخرى، بينها قيادة سيارات الأجرة والعمل في شركات الصرافة وإدارة متاجر صغيرة، بعد سنوات كانوا يحققون خلالها ملايين الدولارات من تجارة الألماس.

يرى "مرصد الذهب" أن الأزمة نتجت من تداخل خمسة عوامل رئيسية، يأتي في مقدمتها تباطؤ الاقتصاد الصيني، الذي يعد أحد أكبر أسواق استهلاك المجوهرات الفاخرة، إلى جانب تراجع الطلب العالمي، وارتفاع المعروض، والرسوم الجمركية الأميركية، والأهم الانتشار الواسع للألماس المصنع معملياً، وأصبح الألماس المصنع يمثل المنافس الأكبر للألماس الطبيعي، بعدما انخفضت أسعاره بصورة حادة.

فالتقديرات تشير إلى تراجعها بنسبة راوحت بين 80% و95% خلال خمس سنوات فقط، بما أمكن للمستهلك شراء حجر مصنّع بالحجم نفسه مقابل نحو ثلاثة آلاف دولار، بينما يصل سعر القيراط الطبيعي إلى نحو عشرة آلاف دولار، وهو فارق سعري دفع كثيراً من المشترين، خصوصاً المقبلين على الزواج، إلى تغيير قراراتهم الشرائية. يؤكد فاروق أن التأثير لم يقتصر على الأسعار فقط، بل امتد إلى مفهوم القيمة ذاته، بعدما فقدت فكرة "الندرة" جزءاً من تأثيرها، في ظل توفر بديل أقل تكلفة ويشابه الألماس الطبيعي في الخصائص الفيزيائية والكيميائية.

وامتدت الأزمة إلى شركة دي بيرز، أكبر منتج للألماس الطبيعي في العالم، التي تواجه واحدة من أصعب مراحلها المالية. فقد تراجعت إيرادات الشركة من نحو 6.2 مليارات دولار في عام 2022 إلى 3.5 مليارات دولار، كذلك سجل نشاطها خسائر تشغيلية بلغت 511 مليون دولار، مقابل 25 مليون دولار فقط في العام السابق. وتشير البيانات إلى أن متوسط سعر بيع القيراط انخفض بصورة حادة، بينما تراجعت قيمة المبيعات رغم زيادة الإنتاج، وهو ما يعكس أن المشكلة الأساسية لم تعد نقص المعروض، بل ضعف الطلب العالمي.

وتتجه شركة أنغلو أميركان، المالكة لحصة 85% من "دي بيرز"، إلى بيع حصتها في صفقة تدور قيمتها حول مليار دولار، مقارنة بتقييمات تجاوزت 12 مليار دولار قبل سنوات، وهو ما يُعَدّ أحد أبرز المؤشرات على إعادة تسعير صناعة الألماس الطبيعي عالمياً، وفقاً لـ"مرصد الذهب". يرى المرصد أن هذه الأرقام لا تعني فقط انخفاض قيمة شركة بعينها، بل تعكس تحولاً جذرياً في اقتصاديات القطاع، بعدما أصبحت الشركات مطالبة بإقناع المستهلك بأن الألماس الطبيعي يستحق فارق السعر الكبير مقارنة بالألماس المصنع.

كذلك أسهمت الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على الألماس الإسرائيلي، التي تصل إلى 15%، في تقليص القدرة التنافسية للشركات الإسرائيلية داخل السوق الأميركية، في وقت استفادت فيه مراكز منافسة مثل بلجيكا والإمارات والهند من مزايا تجارية وجمركية أفضل.

يخلص "مرصد الذهب" إلى أن صناعة الألماس الطبيعي دخلت مرحلة جديدة لم تعد تعتمد فيها الأسعار على الندرة وحدها، بل أصبحت ترتبط بعوامل الجودة، وإمكانية التتبع، والعلامة التجارية، والقيمة العاطفية للحجر. وفي ظل استمرار الضغوط الحالية، تواجه إسرائيل خطر فقدان مكانتها التاريخية بكونها أحد أهم مراكز تجارة الألماس في العالم، بينما تمثل الأزمة اختباراً حقيقياً لقدرة الصناعة العالمية على إعادة بناء قيمة الألماس الطبيعي في مواجهة المنافسة المتزايدة من الألماس المصنّع معملياً.