انكماش الاقتصاد السعودي يتعمّق... فتّش عن النفط

18 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:33 (توقيت القدس)
جناح أرامكو في معرض "أديبك" في أبوظبي، 3 نوفمبر 2025 (جوزيبي كاتشي/ فرانس برس)

أظهرت التقديرات الأولية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الاقتصاد السعودي بنسبة 4.8% على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2026، ليعكس اتجاه النمو المسجل في الربع الأول والبالغ 3%. وجاء ذلك في محصلة لانكماش حاد في أنشطة القطاع النفطي بنسبة 24.7%، اقتطع 5.4% من النمو الإجمالي.

وعلى أساس ربع سنوي، تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.9% مقارنة بالربع السابق، متأثراً بهبوط الأنشطة النفطية بنسبة 21.5%، فيما واصل القطاع غير النفطي نموه بنسبة 0.6%، وسجل النشاط الحكومي نمواً قدره 0.9%، ما أتاح كبحاً جزئياً لحدة الانكماش، بحسب تقرير نشرته منصة "ترادينغ إيكونوميكس" (Trading Economics) في 30 يوليو/تموز الماضي.

وتظهر بيانات الربع الثاني أن الحرب المستمرة منذ أشهر بين الولايات المتحدة وإيران تضع عبئاً كبيراً على الاقتصاد السعودي، في ظل عدم اليقين بشأن موعد انتهائها وكيفيته، ما يرجح بقاء الأنشطة الإنتاجية تحت التأثر طالما استمرت الأزمة البحرية، بحسب تقرير نشرته "فايننشال تايمز" في 31 يوليو/تموز الماضي.

التراجع النفطي

وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي ربيع بدواني مخلوف لـ"العربي الجديد" إلى أن انكماش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية مدفوع بشكل رئيسي بالتراجع الحاد في الأنشطة النفطية، بينما واصلت الأنشطة غير النفطية النمو، ما يعكس تركّز الصدمة الحالية في القطاع النفطي، مع بداية امتداد آثارها غير المباشرة إلى الاقتصاد الأوسع عبر اضطرابات النقل والتجارة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

ومن المرجح استمرار الضغوط الاقتصادية طالما استمرت اضطرابات الملاحة والصراع الإقليمي، خاصة إذا طالت فترة تقييد حركة الشحن عبر مضيق هرمز. غير أن استمرار الانكماش ليس أمراً محتوماً، بحسب مخلوف، بل يعتمد بشكل كبير على مدة الصراع وسرعة عودة التجارة والطاقة إلى طبيعتها، مشيراً إلى أن صندوق النقد الدولي خفض توقعات نمو الاقتصاد السعودي لعام 2026 إلى نحو 1.7%، ومتوقعاً ارتداداً قوياً للنمو ليصل إلى 5.5% في عام 2027، ما يؤشر إلى أن الصدمة الحالية تمثل تباطؤاً حاداً ومؤقتاً في السيناريو الأساسي، وليس تحولاً دائماً في المسار الاقتصادي.

ويعد تباطؤ نمو القطاع غير النفطي مؤشراً ينذر بانتقال آثار الاضطراب اللوجستي وارتفاع التكاليف تدريجياً إلى القطاعات الأخرى، بحسب مخلوف، الذي يتوقع، في حال طول أمد الأزمة، أن تتزايد المخاطر على ثقة المستثمرين، وأن تؤجل قرارات الاستثمار، ما يؤثر سلباً على تدفقات الاستثمار الأجنبي وتنفيذ مشاريع رؤية 2030.

وتواجه السعودية هذا التحدي من خلال عدة مصدات فعالة، بحسب مخلوف، يتصدرها تنويع مسارات تصدير النفط عبر الاستفادة القصوى من خط أنابيب الشرق-الغرب لنقل الخام إلى موانئ البحر الأحمر وتجاوز مخاطر مضيق هرمز، بالإضافة إلى الاعتماد على المخزونات النفطية خارج المنطقة، وامتلاك المملكة هوامش مالية واسعة تسمح بامتصاص الصدمة دون إجراءات تقشفية حادة، مستخدمة استراتيجية تمويل متنوعة تشمل الاقتراض المحلي والدولي.

كما يمكن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام لصالح المشاريع ذات العائد الاقتصادي الأعلى، وتأجيل النفقات الأقل إلحاحاً بما يتناسب مع الظروف، فضلاً عن توجيه الاقتصاد للاعتماد على القطاع غير النفطي والطلب المحلي خطَ دفاع أساسياً للحفاظ على الزخم الاقتصادي، بحسب مخلوف.

وتتمتع السعودية بميزة نسبية مقارنة ببعض الاقتصادات الخليجية الأخرى تتمثل في تنوع مسارات تصدير الطاقة وقوة المصدات المالية واتساع قاعدة الاقتصاد غير النفطي. لذا يرى مخلوف أن التحدي الجوهري لا يكمن فقط في امتصاص الصدمة الحالية، بل في منعها من التحول إلى تراجع طويل الأمد في الاستثمار وثقة القطاع الخاص وزخم التنويع الاقتصادي، حيث تبقى المتغيرات الحاسمة هي مدة الصراع واستقرار طرق التصدير واتجاه أسعار الخام وقدرة القطاعات غير النفطية على الصمود.

عوامل جيوسياسية تؤثر في الاقتصاد السعودي

وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي حسام عايش لـ"العربي الجديد" إلى أن الانكماش السعودي الحالي لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد في ركود طويل الأمد، لكنه مرشح للاستمرار إذا استمرت الحرب والتوترات الإقليمية بالوتيرة نفسها، لأن أسبابه في معظمها ليست اقتصادية داخلية بقدر ما هي عوامل جيوسياسية أثرت في إنتاج النفط وحركة الصادرات عبر الخليج.

وتتحدد آفاق هذا الانكماش بعدة عوامل، بحسب عايش، أبرزها استمرار الحرب واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، وربما باب المندب، كما هو معلن من قبل الحوثيين الذين يستهدفون حركة الشحن السعودية، ما يفرض قيوداً لوجستية على صادرات النفط لا يعوضها دائماً ارتفاع الأسعار، إذ إن انخفاض الكميات المصدرة يبقى العامل الحاسم في تراجع الإيرادات.

وجاء الانكماش أساساً بسبب تراجع القطاع النفطي بنسبة تقارب 25%، وليس بسبب انهيار الاقتصاد غير النفطي الذي واصل النمو، وإن كان بوتيرة بطيئة وبنسبة طفيفة، وهو ما ساهم في الحد من حدة الانكماش الكلي. فإذا عاد الإنتاج النفطي تدريجياً وتحسنت ظروف الملاحة الدولية والسعودية، فمن المرجح أن يعود الاقتصاد إلى مسار النمو الطبيعي، حسبما يرى عايش.

وتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 1.7% لعام 2026 و5.5% لعام 2027، أي بفارق يقارب 4 نقاط مئوية، لكن عايش ينبه إلى أن هذه النسب قد لا تتحقق إذا استمرت الحرب وتوسعت لتشمل إغلاق مضيق باب المندب واستهداف حركة الشحن، ما يضع ضغوطاً متزايدة على النمو والاستثمار والمالية العامة.

ومن أهم مكاسب رؤية 2030 أن الاقتصاد لم يعد يعتمد كلياً على النفط، إذ أصبحت السياحة والخدمات واللوجستيات والصناعة والتقنية والمعادن تشكل وزناً أكبر مما كانت عليه سابقاً، وهو ما قلل من حدة التراجع الاقتصادي. فلو لم تكن هذه القطاعات موجودة، أو ظلت عند مستويات ما قبل الرؤية، لكان الانكماش أكبر بكثير، حسب تأكيد عايش.

وتعتمد مواجهة هذا التحدي على عدة مسارات، بحسب عايش، منها استخدام خطوط أنابيب بديلة مثل خط الشرق-الغرب لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز والحفاظ على تدفق 5 إلى 7 ملايين برميل يومياً، رغم العائق الجديد المتمثل في مضيق باب المندب، بالإضافة إلى الاستمرار في تنفيذ رؤية 2030 لتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، والاستمرار في الإنفاق الرأسمالي على المشاريع الكبرى والبنية التحتية لتنشيط الاقتصاد المحلي، رغم توقعات العجز في الموازنة.

كما يتطلب الأمر التنسيق مع تحالف "أوبك بلس" لإدارة مستويات الإنتاج بما يحافظ على استقرار السوق النفطية، والاستفادة من الاحتياطيات المالية والسيولة المتراكمة خلال السنوات الماضية، والتي تمنح الحكومة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بالعديد من الاقتصادات النفطية الأخرى، ما يجعل ما يحدث اليوم اختباراً حقيقياً لنجاح رؤية 2030 في حماية الاقتصاد من التقلبات الحادة.

فبينما كان أي تراجع في النفط ينعكس سابقاً مباشرة على الاقتصاد السعودي بأكمله، فإن الانكماش الحالي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة محدودة رافقه استمرار النمو الإيجابي للقطاعات غير النفطية، ما يشير، بحسب عايش، إلى أن جهود التنويع بدأت تخفف من أثر الصدمات النفطية، لكنها لا تلغيها تماماً. ولا تزال المملكة عرضة لضغوط النمو إذا طالت الحرب، لكن بدرجة أقل مقارنة بالماضي.

تدابير حكومية

ولمواجهة هذه التحديات الجيوسياسية، اعتمدت المملكة استراتيجية مرنة ترتكز على البدائل اللوجستية والضبط المالي، إذ عملت على توجيه جزء رئيسي من الصادرات النفطية عبر خط أنابيب الشرق-الغرب إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر، لتفادي مسارات الصراع في الخليج العربي والحد من تراجع الشحنات الموردة إلى السوق العالمية. وتوازت هذه الترتيبات الهيكلية مع ارتفاع أسعار خام برنت، وهو ما ساعد في تقليص جزء من الفجوة الناجمة عن انخفاض أحجام الصادرات.

كما واصلت الحكومة دعم قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية، ما يكفل رفع كفاءة الاقتصاد المحلي وقدرته على تحمل الهزات الخارجية المتكررة، بحسب تقرير نشرته وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني في 10 يوليو/تموز الماضي.

وعلى الصعيد المالي، عكس أداء الميزانية العامة خلال الربع الثاني قدرة عالية على امتصاص الصدمات، إذ تراجع العجز المالي إلى 34.3 مليار ريال، مدفوعاً بارتفاع الإيرادات غير النفطية إلى 153.7 مليار ريال، لتشكل 45.4% من إجمالي الإيرادات الحكومية. وتمكنت المملكة من تمويل كامل العجز عبر إصدارات الدين، دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطيات الحكومية المقدرة بنحو 399.1 مليار ريال، بحسب بيانات رسمية.

وإزاء ذلك، يشير تقدير "ستاندرد أند بورز" المستقبلي، الصادر في 5 يونيو/حزيران الماضي، إلى إمكانية استعادة الاقتصاد السعودي لزخم النمو ليصل إلى 1.7% خلال العام الحالي، قبل أن يتسارع إلى 5.5% في عام 2027، مع الانفراج المحتمل للأزمة الجيوسياسية واستعادة سلاسل الإمداد لطبيعتها التشغيلية.