انفجار أسعار المعادن... اضطراب كبير يهدد أسواق السلع العالمية
استمع إلى الملخص
- حذر بنك التسويات الدولية من "الفقاعة المزدوجة" لصعود الذهب والأسهم، حيث ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 60% مدفوعة بمشتريات البنوك المركزية، بينما يشهد مؤشر S&P 500 مكاسب بفضل تدفق رؤوس الأموال نحو التكنولوجيا.
- تتأثر أسواق المعادن مثل الفضة والنحاس بتغيرات الطلب والتحولات التكنولوجية، حيث ارتفعت أسعار الفضة بأكثر من 100% والنحاس بأكثر من 30%، بينما تواجه أسعار خام الحديد مضاربات تعكس انفصالاً عن الواقع.
تعيش أسواق السلع العالمية واحدة من أكثر لحظات الاضطراب شدة منذ عقدين على الأقل، حيث بات تفاعل السياسات النقدية الأميركية وشح الإمدادات وضغط الزخم المضاربي، يخلق موجات صعود وهبوط تتجاوز منطق العرض والطلب، وتدفع أسعار عدد من المعادن الحيوية إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تتراجع أخرى تحت وطأة انفصال الأسعار المالية عن الواقع الفعلي. وفي الوقت الذي تستعد فيه الأسواق لمرحلة جديدة من خفض الفائدة الأميركية، تتدفق السيولة الساخنة نحو المعادن الصناعية والنفيسة بوتيرة متسارعة، بالتوازي مع تقلص المخزونات في مراكز التخزين الكبرى، وتفاقم أزمات الإمدادات من المناجم ومراكز المعالجة في آسيا وأميركا اللاتينية. ومع أن النفط والغاز لا ينتميان إلى فئة المعادن، إلا أنهما أصبحا جزءا من مشهد الاختلالات نفسه، بفعل القرارات الجيوسياسية والرسوم التجارية، والتغيرات المتسارعة في الطلب الآسيوي خلال الشتاء، وتبدل اتجاهات المخاطرة في الأسواق المالية.
فقاعة مزدوجة
وأصدر بنك التسويات الدولية، (الذي يطلق عليه البنك المركزي للبنوك المركزية) أول إنذار من نوعه منذ نصف قرن بعد رصده ما وصفه بـ "الفقاعة المزدوجة" التي تجمع بين صعود الذهب والأسهم العالمية في وقت واحد، وهي حالة غير مسبوقة تعكس درجة هشاشة شديدة في المزاج المالي العالمي. ويأتي هذا الإنذار النادر في لحظة تتزايد فيها علامات القلق حيال متانة المزاج الاستثماري السائد، وسط موجة تفاؤل مدفوعة بالذكاء الاصطناعي وتوسع شهية المخاطرة في الأسواق. وبحسب التقرير، فإن موجة الصعود التي يشهدها الذهب بدت استثنائية بكل المقاييس، إذ قفز سعر المعدن بنحو 60% منذ بداية العام، ما يجعل 2025 في طريقه ليصبح أكبر عام من حيث نسبة الارتفاع منذ 1979، بينما واصل مؤشر S&P 500 تسجيل مكاسب قوية مدفوعة بتدفق رؤوس الأموال نحو شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويؤكد البنك أن هذا التزامن في الحركة، بين أصل تقليدي آمن وبين أصول عالية المخاطرة، يمثل سلوكا شاذا في دورة الأسواق الحديثة.
وقال المستشار الاقتصادي ورئيس الأبحاث في بنك التسويات الدولية، هيون سونغ شين، إن الذهب تصرف هذا العام على نحو مختلف تماما عن نمطه التقليدي، مضيفا أن التحركات الأخيرة تشير إلى أن المعدن النفيس بات يكتسب خصائص الأصل المضاربي أكثر من كونه ملاذا آمنا. ويضيف التقرير أن الخطر الأكبر يكمن في ما يحدث إذا تعرضت هذه الأصول لتصحيح متزامن، إذ لن يجد المستثمرون ملجأ حقيقيا للتحوط من الهبوط. ويرى البنك أن مجموعة من العوامل فاقمت هذا الوضع، أبرزها مشتريات البنوك المركزية من الذهب التي خلقت أرضية سعرية قوية شجعت دخول المزيد من السيولة الخاصة، إضافة إلى موجة مضاربات من جانب المستثمرين الأفراد الذين اندفعوا نحو صناديق الذهب المتداولة، والتي تتداول - بحسب التقرير - بعلاوات سعرية أعلى من قيمتها الحقيقية. كما أشار التقرير إلى أن الذهب ارتفع بما يفوق 150% منذ عام 2022، في ظل تفاعل مستمر بين التضخم العالي بعد جائحة كورونا وتصاعد التوترات الجيوسياسية خصوصا الحرب في أوكرانيا.
اضطراب الأسواق
ويتجاوز تحذير المؤسسة المالية الدولية نطاق الذهب ليصل إلى تقييمات الأسهم التي تغذيها، بحسب البنك، موجة حماسة مفرطة تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي، رغم تزايد الشكوك حول استدامة هذه التقييمات. كما يشير إلى أن المؤسسات المالية الكبرى مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنكلترا انضمت مؤخرا إلى دائرة المحذرين من فقاعة الذكاء الاصطناعي، في ظل مخاوف من حدوث تصحيح سريع إذا لم تتوافق نتائج الشركات مع التوقعات العالية. ويقارن بنك التسويات الدولية بين الوضع الحالي وفقاعة عام 2000، لكن مع فارق جوهري يتمثل في أن شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن أكثر ربحية وتمويلا من شركات الدوت كوم التي انهارت قبل 25 عاما. ورغم هذا، يرى البنك أن هشاشة البيئة العامة وارتفاع مستويات الدين السيادي وتزايد الارتباط بين فئات الأصول، كلها عوامل تضاعف من خطر حدوث صدمة سعرية واسعة يمكن أن تمتد عبر الأسواق دون سابق إنذار.
كما يمتد تأثير التحذير إلى قراءة أوسع لحركة باقي السلع، إذ تظهر معادن أخرى نمطا مشابها من الانفصال بين الأسعار والأساسيات، ما يشير إلى مرحلة تسعير مضطربة تتجاوز منطق العرض والطلب التقليدي. فالفضة، التي اخترقت حاجز 60 دولارا للأوقية للمرة الأولى خلال تعاملات أمس الثلاثاء، تضاعف سعرها تقريبا خلال العام بفعل نقص الإمدادات في سوق لندن وتدفقات ضخمة على صناديق المؤشرات، إلى جانب دخول شرائح واسعة من المتعاملين الأفراد الذين عززوا الطابع العمودي لموجة الصعود. أما النحاس، فيقترب من مستويات قياسية فوق 11600 دولار للطن نتيجة تلاقي الطلب المتسارع من قطاعي الكهرباء والذكاء الاصطناعي مع خطر نقص الإمدادات العالمي، إضافة إلى تأثير الرسوم الأميركية التي دفعت التجار إلى نقل شحنات قياسية نحو السوق الأميركية.
الفضة الأكثر صعوداً
وقفزت أسعار الفضة فوق 60 دولارا للأوقية لأول مرة، مواصلة صعودا تجاوز 100% منذ مطلع العام ومتخطية مكاسب الذهب البالغة 60%، بحسب بلومبيرغ. ولم يكن هذا الصعود فقط نتيجة نقص الإمدادات، بل نتيجة تغير جوهري في التركيبة الديموغرافية للمضاربين. وقال مدير استراتيجية السلع في بنك بي إن بي باريبا، ديفيد ويلسون، إن الفضة تستقطب قاعدة واسعة من المتعاملين الشباب الذين يدخلون السوق بكثافة عند أي إشارة صعود، ما يفاقم من استجابة الأسعار للموجات الشرائية المفاجئة، لافتا إلى أن تدفق هذه الشريحة من المستثمرين، إلى جانب سيولة الصناديق المتداولة المدعومة بالفضة، خلق بيئة تتسم بارتفاع كبير في التقلبات الضمنية لخيارات الفضة، وهو ما يعكس توقعات واسعة بامتداد التحرك السعري إلى نطاقات جديدة. ورغم الارتفاع الحاد للمعدن الأبيض، تتصاعد التوقعات بين المتعاملين بأن السوق قد يشهد مستويات أعلى، إذ يغذي الحديث المتزايد في الأسواق حول إمكانية وصول الفضة إلى 100 دولار للأوقية حالة من التفاؤل الزائد تدفع المتعاملين إلى مراكمة مراكز صعودية إضافية بدلا من تهدئة وتيرة التداول. ويشير محللون إلى أن هذا المزيج من نقص المعروض، وتضخم المضاربات، وتراجع المخزونات العالمية يضع الفضة في قلب مشهد سلع عالمي مضطرب، قد تتحول فيه أي مفاجأة في السياسة النقدية أو الإمدادات إلى شرارة تحرك سعري أعنف.
مستويات قياسية للنحاس
وواصل النحاس صعوده إلى نطاق 11500 دولار للطن مع توقعات قوية بأن يقوم الاحتياطي الفيدرالي بخفض الفائدة للمرة الثالثة على التوالي. وتكشف بيانات الأسواق أن المتعاملين باتوا يتوقعون بالفعل خفضا جديدا للفائدة بنهاية الأسبوع، فيما تظهر عقود الأموال الفيدرالية تقديرات بوجود خفضين إضافيين في 2026، ما يعزز جاذبية الأصول الصناعية الحساسة للسيولة. ويستمد النحاس جزءا كبيرا من زخمه من موقعه المحوري في تحولات الطاقة العالمية، إذ يمثل المعدن العمود الفقري لشبكات الكهرباء، ومراكز البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الطاقة المتجددة، وهي قطاعات تشهد توسعا سريعا. وارتفعت أسعار النحاس بأكثر من 30% منذ بداية العام، في وتيرة تعكس حالة ترقب وتركيز شديدين على كل إشارة نقدية قد تخرج الأسواق من مرحلة التشدد، وتدفع مزيدا من السيولة نحو الأصول المرتبطة بالتحول الطاقي.
وحذر مدير المحافظ في شركة الاستثمار العالمية "بيمكو"، غريغ شارينو، من أن السوق العالمية للنحاس تشهد اختلالا واضحا في التوازن بعد انتقال كميات كبيرة من المعدن إلى السوق الأميركية، سواء بسبب الرسوم الجمركية المفروضة فعليا أو التهديد بفرض رسوم إضافية خلال الفترة المقبلة. وقال شارينو، بحسب "بلومبيرغ"، إن الموازين العالمية تقلصت بشكل كبير مع انتقال المعدن إلى الولايات المتحدة بسبب الرسوم الفعلية أو المحتملة… والحوافز الحالية تدفع المتعاملين للاحتفاظ بالمعدن داخل السوق الأميركية بدلا من توجيهه إلى الأسواق الأخرى". وفي السياق نفسه، رأى المحلل في شركة "ستون إكس" للخدمات المالية، شياويو تشو، أن السوق قد تتعرض لهزة قصيرة المدى، لكنه أكد أن الاتجاه الصعودي طويل الأجل يظل قائما. وقال تشو إن من المحتمل أن نشهد تصحيحا في الأسعار بنسبة تتراوح بين 10 و15%، لكن ذلك لن يغير الرواية طويلة المدى… فالنحاس يستند إلى أساسيات صعود هيكلية تتعلق بالطلب العالمي المتزايد على مشروعات الطاقة والتقنيات الجديدة".
سخونة زائفة لأسعار الحديد
على خلاف موجة الصعود القوية التي تشهدها أسواق الفضة والنحاس، أطلقت مجموعة الموارد المعدنية الصينية (CMRG) -أكبر مشتر حكومي لخام الحديد - تحذيرا لافتا بشأن ما وصفته بـ "السخونة الزائفة" في أسعار الخام، معتبرة أن المستويات الحالية باتت منفصلة عن الواقع الفعلي للسوق. وجاء التحذير في تعليق رسمي نشرته الشركة عبر رابطة الحديد والصلب الصينية، قالت فيه: "السخونة الحالية في الأسعار هي نتيجة تداولات مضاربية… خام الحديد معرض للانفصال عن واقع السوق الفعلي". وتشير البيانات المتاحة إلى أن الأسعار الفورية للحديد ارتفعت بأكثر من 5% خلال الفترة الممتدة بين 7 نوفمبر/تشرين الثاني و2 ديسمبر/كانون الأول، رغم مجموعة من المؤشرات العكسية؛ إذ ترتفع المخزونات في الموانئ الصينية إلى مستويات مريحة، بينما يتراجع إنتاج الحديد الساخن بالتزامن مع تقلص الطلب على الصلب في القطاعات العقارية والصناعية، ما يعمّق الفجوة بين حركة الأسعار والأساسيات الاقتصادية.
وتذهب المجموعة الصينية إلى ما هو أبعد من تشخيص الانفصال السعري، إذ تتهم بعض التجار بخلق شح موضعي مصطنع عبر العمل في العقود الفورية والآجلة في الوقت نفسه، وهي ممارسات تقول الشركة إنها تؤثر بشكل مباشر على معنويات السوق وتدفع الأسعار للتحرك في نطاقات لا تعكس توازن العرض والطلب. وتشير المجموعة إلى أنها استخدمت هذا العام قوتها التفاوضية للضغط على شركات التعدين العالمية، عبر الامتناع عن استلام جزء من خام شركة "بي إتش بي" بهدف الحصول على شروط تعاقدية أفضل، في خطوة تعكس حجم التوتر داخل السوق وتنامي نفوذ المشترين الحكوميين في تحديد اتجاهات الأسعار. ويرى محللون أن هذه التطورات تبرز الفارق بين أسواق المعادن، فبينما تستمد الفضة والنحاس صعودهما من ديناميات الطلب العالمي والتحولات التكنولوجية، يبدو أن خام الحديد يدخل في موجة مدفوعة بالسيولة الساخنة أكثر من ارتباطه بالاستعمالات الصناعية، ما يجعل الأسعار الحالية عرضة لتصحيح حاد بمجرد انحسار نشاط المضاربين.