انعدام العدالة في توزيع مساعدات غزة بسبب تغييب "أونروا"
استمع إلى الملخص
- يواجه السكان فوضى في إدارة المساعدات، حيث تُوزع مساعدات غير ملائمة وتكدس بعض السلع الأساسية، مما يعكس غياب التنسيق وازدواجية التوزيع، ويبرز الحاجة إلى جهة مركزية مثل الأونروا.
- يشدد الخبراء على ضرورة وجود نظام توزيع موحد وشراكات مع المؤسسات المحلية لضمان وصول المساعدات بشكل عادل، مما يعيد التوازن والثقة بالمؤسسات.
لا يزال مشهد الإغاثة في قطاع غزة المحاصر يطغى عليه التفاوت وعدم العدالة في التوزيع، رغم مرور أكثر من شهر على وقف إطلاق النار وبدء دخول المساعدات الإنسانية، وسط غياب واضح لمؤسسات أممية كانت تشكل ركيزة أساسية في إدارة عمليات الإغاثة وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). ومع هذا الغياب، تفاقمت معاناة الغزيين الذين وجد كثير منهم أنفسهم بلا مساعدات إنسانية أو سلع رئيسية رغم حاجتهم الماسة بعد شهور من التجويع، في حين تلقى آخرون مساعدات لا تتناسب مع احتياجاتهم الأساسية.
سياسة خنق مستمرة
ويقف الفلسطيني خالد الحجار أمام منزله المدمر في حي الزيتون، شرق مدينة غزة، وهو يتحدث بمرارة عن حاله بعد مرور شهر كامل على وقف الحرب، قائلا: "منذ أن بدأت المساعدات بالدخول ونحن نسمع عن شاحنات مليئة بالطرود الغذائية والبطانيات، لكنني حتى اليوم لم أتلقَ أي شيء، لا طروداً غذائية ولا غيرها".
وأضاف الحجار في حديث لـ"العربي الجديد": "القوائم التي تعتمدها بعض المؤسسات غير دقيقة، هناك عائلات معروفة تتلقى المساعدات أكثر من مرة، بينما هناك أسر لم يصلها شيء إطلاقا، يبدو أن العدالة في التوزيع غائبة"، وأشار إلى أنه اضطر خلال الأسابيع الماضية إلى الاعتماد على مساعدات الأقارب والأصدقاء، موضحا أن الوضع الإنساني لا يحتمل الانتظار أكثر، متابعا: "لا نريد شيئا سوى القليل من العدالة، فكيف يعقل أن تمر كل هذه المساعدات من أمامنا دون أن تصلنا"؟
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، قد أكد على هذه الأزمة، حيث أكد في بيان صدر بنهاية الأسبوع الماضي، أن الاحتلال يواصل سياسة الخنق في إدخال المساعدات إلى القطاع، إذ لم يتجاوز إجمالي الشاحنات التي دخلت منذ بدء وقف إطلاق النار 4453 شاحنة من أصل 15600 شاحنة كان يفترض دخولها، أي بنسبة لا تتجاوز 28%. ووفق بيانات المكتب فإن هذه الشاحنات شملت 31 شاحنة من غاز الطهي و84 شاحنة سولار مخصصة لتشغيل المخابز والمستشفيات والمولدات والقطاعات الحيوية، رغم النقص الشديد في هذه المواد الأساسية للحياة اليومية بعد عامين من الحصار والتدمير الواسع الذي خلفه الاحتلال. وأن متوسط الشاحنات التي يسمح الاحتلال بدخولها يوميا يبلغ 171 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة منصوص عليها في البروتوكول الإنساني، ما يؤكد استمرار سياسة التضييق والتجويع بحق أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في القطاع.
فوضى التوزيع
في السياق، يروي المواطن أيمن دياب، النازح من شمال غزة إلى وسط القطاع، قصة مختلفة تعكس حجم الفوضى في إدارة عملية توزيع المساعدات داخل القطاع، قائلا: "تلقيت قبل أسبوع رسالة نصية من إحدى الجمعيات تخبرني بأن عليّ التوجه لاستلام مساعدات عاجلة للأطفال، فرحت في البداية، ظننت أن الأمر يتعلق بملابس، لكن المفاجأة كانت عندما وجدت أن المساعدة عبارة عن بامبرز أطفال".
وأضاف دياب في حديث لـ"العربي الجديد": "أصغر أطفالي يبلغ من العمر ست سنوات، أي أنني لا أحتاج مطلقا لهذه المساعدة، حاولت أن أشرح لهم الموقف وأن أستبدلها بملابس أو شيء آخر، لكنهم قالوا هذه هي حصتك المسجلة في النظام".
وتابع: "شعرت بالدهشة من سوء التنظيم، فهناك عائلات لا تجد لقمة العيش، بينما ترسل المساعدات لمن لا يحتاجها أصلا، في النهاية اضطررت لبيع البامبرز في السوق واشتريت بثمنها بعض المواد الغذائية لعائلتي".
ويعتبر دياب أن هذه الحالة ليست فردية، بل تتكرر مع كثير من الناس، "لو كانت هناك جهة مركزية تشرف على التوزيع مثل الأونروا أو وزارة التنمية، لما حدثت مثل هذه الأخطاء".
وعلى النقيض من ذلك، أعرب الفلسطيني أنس سعادة، من جنوب القطاع، عن رضاه النسبي تجاه ما وصله من مساعدات خلال الأسابيع الأخيرة، قائلا: "تلقيت منذ وقف إطلاق النار وحتى اليوم سبعة طرود غذائية من أكثر من جهة، وهذا لم أكن أتوقعه على الإطلاق".
وأوضح سعادة في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ما وصله من مساعدات "يكفي عائلته مؤقتا"، مشيرا إلى أن بعض المؤسسات كانت أكثر تنظيما من غيرها، وأكد أن ما تلقاه لا يغني عن الحاجة المستمرة، لكنه يثمن أي جهد يخفف معاناة الناس، داعيا إلى توحيد الجهود بين المؤسسات لتجنب التكرار والازدواجية.
تغييب متعمد لـ"أونروا"
من جهته، أكد المستشار الإعلامي لوكالة "أونروا" عدنان أبو حسنة أن غياب الوكالة عن إدارة عمليات التوزيع في غزة أحد أبرز أسباب الفوضى الحالية. وقال أبو حسنة في حديث لـ"العربي الجديد": "أونروا تمتلك القدرات اللوجستية والبشرية التي تؤهلها لإدارة عمليات توزيع ضخمة بكفاءة، فلدينا 12 ألف موظف في غزة وبيانات دقيقة للأسر المستحقة".
وأضاف: "في شهر فبراير/ شباط الماضي، تمكنّا خلال أسابيع قليلة من الوصول إلى مليوني فلسطيني وتوزيع المساعدات بطريقة شفافة وعادلة، ولا توجد أي منظمة بغزة تملك قدرات مماثلة". وأشار أبو حسنة إلى أن هناك أكثر من ستة آلاف شاحنة تابعة للأونروا تنتظر على المعابر لتدخل إلى القطاع، وتغطي احتياجات السكان لثلاثة أشهر قادمة، إضافة إلى آلاف الخيام والأغطية التي تكفي 1.3 مليون غزي، ولفت إلى أن الاتصالات مستمرة لإدخال هذه المساعدات، "ونأمل بأن ننجح قريبا، لأن عودة الأونروا ضرورية لضمان العدالة في التوزيع"، وختم قائلا إن "الجميع يدركون أنه لا توجد أي مؤسسة تستطيع أن تحل محل الأونروا، لدينا خبرة تمتد لأكثر من 76 عاما في العمل الإنساني، ونعمل وفق نظام بيانات دقيق يضمن أن تصل المساعدات إلى مستحقيها بشكل عادل".
عدم وجود قاعدة بيانات
بدوره، يرى رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده أن مشهد الإغاثة في غزة اليوم "تشوبه الكثير من العيوب والإخفاقات"، قائلا في منشور على "فيسبوك" إن "عمليات توزيع المساعدات التي تقوم بها جهات دولية وعربية تعاني من بطء كبير وغياب التنسيق وعدم وجود قاعدة بيانات موحدة كما كان في السابق عبر الأونروا ووزارة الشؤون الاجتماعية".
وأضاف أن "هذا الخلل أدى إلى انتشار ظاهرة ازدواجية التوزيع، حيث تحصل بعض الأسر على أكثر من طرد، بينما تترك أسر أخرى بلا شيء"، مشيرا إلى أن معظم المساعدات تتركز في مراكز الإيواء، في حين تهمل آلاف العائلات التي بقيت في منازلها المدمرة جزئيا أو في مناطق نائية". وشدد عبده على ضرورة اعتماد منظومة وطنية موحدة لعمليات التوزيع، تتضمن شراكات حقيقية مع المؤسسات المحلية المنتشرة في جميع مناطق القطاع، إضافة إلى نظام يعتمد على عدد أفراد الأسرة ونوع احتياجاتها.
95 % يعتمدون على المساعدات
في المقابل، حذّر المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد من أن استمرار الفوضى في إدارة المساعدات يهدد الأمن الغذائي لدى الغزيين، قائلا في حديث لـ"العربي الجديد": "حتى الآن، لا يدخل إلى غزة سوى 17% من حجم المساعدات المتفق عليها وفق البروتوكول الإنساني، أي نحو 100 شاحنة مساعدات من أصل 600، وهو رقم لا يغطي أبسط الاحتياجات اليومية". وأضاف لبد أن "الحرب دفعت 95% من الغزيين للاعتماد على المساعدات، بعدما كانت النسبة لا تتجاوز 60% قبل الحرب، نحن أمام أزمة إنسانية حقيقية، فنوعية المساعدات الواصلة لا تتناسب مع الاحتياجات الفعلية".
وأوضح لبد أن كميات كبيرة من الأرز والمعكرونة تتكدس في المخازن، بينما تنعدم سلع أساسية أخرى مثل الحليب والأطعمة المعلبة، ما يزيد معاناة السكان"، ويرى أن هذا التكدس ليس عشوائيا، بل نتيجة خطط توزيع غير مدروسة وربما متأثرة باعتبارات سياسية، وبيّن أن الخلل الكبير في توزيع المساعدات يشبه ما حدث خلال شهور الحرب، حين غذّت إسرائيل الفوضى لسرقة المساعدات التي كانت تمر عبر المعابر، مضيفا: "عودة الأونروا للعمل بجانب المؤسسات المحلية والدولية هو الحل الوحيد لإعادة التوازن والنظام لملف الإغاثة"، وختم قائلا: "الناس في غزة لا يحتاجون فقط إلى الطعام، بل إلى منظومة توزيع عادلة تعيد الثقة بالمؤسسات، لأن الجوع اليوم سببه ليس نقص المساعدات بل غياب العدالة".