استمع إلى الملخص
- تأثرت المعاصر بانخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل، مما أدى إلى إغلاق بعضها مؤقتاً وارتفاع أسعار زيت الزيتون في الأسواق، مما زاد الأعباء على المستهلكين وأدى إلى تباين في الجودة والأسعار.
- تراجع الإنتاج أثر على فرص العمل في قطاعات القطف والنقل، ويقترح الخبراء برامج دعم للمزارعين تشمل تأمين مستلزمات الزراعة وتطوير نظم إدارة المياه لمواجهة التغيرات المناخية.
يواجه موسم الزيتون في ريف إدلب خلال هذا العام واحدة من أسوأ الانتكاسات الإنتاجية منذ سنوات، نتيجة تضافر عوامل بيئية واقتصادية قاسية، حيث ترك شح الأمطار خلال الشتاء الماضي، وما تلاه من موجات جفاف متتالية ضربت المنطقة للعام الثاني على التوالي، سلسلة من التداعيات التي طاولت المزارعين وأصحاب المعاصر واليد العاملة، وحتى أسواق الزيت التي لطالما عرفت باستقرارها النسبي. وتعتمد محافظة إدلب وشمال غرب سورية منذ عقود على الزيتون بوصفه أحد مصادر رزق سكان الريف وأهله، ومحوراً رئيسياً في الدورة الاقتصادية المحلية.
في هذا الصدد، يقول المزارع سامر العبد الله، من ريف إدلب الجنوبي، في حديثه مع "العربي الجديد"، إن الموسم الحالي لا يشبه أي موسم مر على أرضه منذ عقود، وبينما يقف بين أشجاره التي أصابها الذبول، يشرح أن الثمار القليلة المعلقة على الأغصان لا تكاد ترى مقارنة بالسنوات الماضية، إذ إن المحصول هبط لأقل من نصف المعدل الطبيعي، والشجرة التي كانت تعطي عشرات الكيلوغرامات لم تعد تعطي سوى القليل من الزيتون في أحسن الأحوال.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف السقاية والعمل والأدوية الزراعية إلى مستويات وصفها بأنها "ما صارت بتاريخ الزراعة" أدت إلى تفاقم خسارة الفلاحين والمزارعين، بالتزامن مع غياب الدعم والخطط التي تساعدهم على تجنب الضرر، إذ إن المزارع "عم يتحمل كل شي لحاله"، على حد تعبيره. حديث العبد الله يعكس حجم القلق الذي يخيم على المزارعين، في ظل تغيرات المناخ، وتناقص الموارد المائية عاماً بعد عام، إضافة لغياب أي إجراءات قادرة على كبح التدهور المتواصل في موسم الزيتون.
من جانبه، لم يكن سامر الفطراوي، وهو مزارع من بلدة جوزف جنوب محافظة إدلب، أفضل حالاً من سابقه، حين تعرض هو الآخر لخسارة وصفها بالثقيلة، هذا العام الذي كان الأقسى على بستانه. ويصف المشهد في بستانه، فيقول لـ"العربي الجديد"، إن الأشجار منهكة، والتربة متشققة، والأغصان خاوية لا تحمل سوى بقايا ثمار صغيرة لا تصلح حتى للاستهلاك المنزلي. وأضاف أن الهطولات المطرية لم تتجاوز في قريته الحد الأدنى المطلوب، ما جعل الأشجار تدخل موسم الإزهار وهي في حالة عطش شديد. ويوضح الفطراوي أنه حاول تعويض النقص عبر السقاية المتكررة، لكن كلفة تشغيل الآبار فاقت قدرته المادية بأضعاف، إذ إن كل ساعة تشغيل مضخة تعني عشرات الدولارات من المازوت.
وأشار إلى أن معظم جيرانه اضطروا لتقليص عدد الريات إلى الحد الأدنى، رغم علمهم أن ذلك سيقود إلى خسارة المحصول، مما جعلهم أمام خيارات صعبة وقاسية جعلت المزارع يختار بين خسارتين، فإما خسارة المال أو خسارة الموسم.
غير أن المشكلة لم تكن في الماء وحده، بل في الظروف المناخية غير المستقرة، حيث تعرضت المنطقة لعدة موجات حر خلال الربيع، تسببت بتساقط الأزهار قبل أن تتماسك، وفقاً لما قاله الفطراوي. ويرى أن ما حدث هذا العام ليس مجرد انتكاسة موسمية، بل مؤشر على أزمة طويلة الأمد، إذ إن المنطقة باتت على اعتاب تغير مناخي حقيقي، وهو ما يجعل مواسم الزيتون التي كانت تعتمد على المطر مهددة بالكامل.
ويؤكد أن التحول نحو أنظمة ري حديثة أو استراتيجيات حماية بيئية ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة للبقاء في الزراعة. ويكشف المزارع أن دخله انخفض هذا العام إلى أقل من ثلث ما كان عليه، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف العمل اليدوي، وأسعار الأسمدة، وأجور النقل. ويقول إن كثيراً من العمال الذين كانوا ينتظرون موسم الزيتون كل سنة "رجعوا بلا أجر ولا عمل"، ما زاد العبء على العائلات الريفية التي تعتمد على هذا الموسم كفترة انتعاش اقتصادي قصيرة.
من جانبه قال المهندس الزراعي خالد العبد الله إن جذور المشكلة ظهرت مع بداية الإزهار، وهي المرحلة التي تتحدد فيها ملامح الموسم. ويوضح أن الأشجار دخلت هذه الفترة وهي تعاني من نقص حاد في المياه، ما أدى إلى فشل عملية النمو وتحول معظم الأزهار إلى ثمار غير مكتملة أو معدومة. ويشير إلى أن أشجار الزيتون تحتاج عادةً إلى ما بين 400 و600 ملم من الأمطار الشتوية لضمان دورة نمو طبيعية، إلا أن أجزاء واسعة من ريف إدلب لم تحصل سوى على نصف هذا المعدل، في وقت غابت فيه الأمطار الربيعية التي تشكّل صمام أمان للمحصول.
ويضيف لـ" العربي الجديد"، أن هذا الخلل في التوازن المائي انعكس مباشرة على بنية الشجرة، فتراجعت نسبة الإزهار بشكل كبير، وتساقطت الأزهار المبكرة قبل ثباتها، بينما بقيت بعض الثمار صغيرة لا ترقى إلى مستوى الإنتاج المعتاد.
وبحسب إحصاءات رسمية، فإن محصول الزيتون لم يتجاوز 55 ألف طن في ريف إدلب هذا العام، وهو مستوى يعكس ضعفاً ملحوظاً مقارنة بالمتوسط السنوي الذي يتراوح عادة بين 90 و120 ألف طن. ويبلغ عدد أشجار الزيتون في سورية، نحو 106 ملايين شجرة، منها 82 مليوناً مثمرة، وتتوزع معظمها في المنطقة الشمالية، إدلب وحلب، بنسبة 46%، في حين تبلغ المساحة المزروعة بأشجار الزيتون في سورية نحو 679 ألف هكتار، أي ما يعادل نحو 12% من إجمالي المساحة الزراعية في البلاد، وفق إحصائية وزارة الزراعة.
لم تقتصر الأزمة على الحقول والبساتين فقط، بل ألقت بآثارها على المعاصر التي شهدت واحدة من أضعف مواسم التشغيل، إذ انخفضت ساعات عملها إلى الحد الأدنى، وتراجع عدد المزارعين القادرين على دفع تكاليف العصر والنقل والفلترة. فادي العلوش، مالك إحدى معاصر الزيتون في ريف إدلب، يقول لـ"لعربي الجديد"، إن التراجع في الإنتاج هذا العام أثر بشكل مباشر على عمل المعاصر، بسبب شح المحصول وارتفاع تكاليف التشغيل، خصوصاً وأن أسعار المواد الخام ارتفعت بنسب كبيرة، ما ضاعف تكلفة الزيت المستخرج.
وأضاف أن المعاصر التي تعتمد على مولدات كهربائية لتشغيل خطوط العصر تواجه عبئاً مالياً ثقيلاً، يضاف إليه تكلفة الصيانة وقطع الغيارالتي يصعب تأمينها أحياناً. وأشار إلى أن الواقع الحالي دفع بعض المعاصر الصغيرة إلى الإغلاق المؤقت، بينما خفضت أخرى ساعات عملها إلى النصف، أو اعتمدت على نظام الشراكة مع المزارعين، حيث تحصل المعثرة على جزء من الزيت بدلاً من أجرة العصر النقدية، موضحاً أن هذا النظام ليس حلاً دائماً، لأنه يعتمد على وجود إنتاج كافٍ، وهو ما تفتقده حقول وبساتين إدلب تماماً في موسم هذا العام.
لم يتوقف تأثير تراجع الإنتاج عند حدود الحقول والمعاصر، بل امتد مباشرة إلى الأسواق، حيث شهدت أسعار زيت الزيتون قفزات غير مسبوقة خلال الأسابيع الماضية، وهو ما يوضحه رامي الفتح وهو أحد تجار زيت الزيتون في مدينة إدلب، في حديثه مع "العربي الجديد" إن "ارتفاع الأسعار هذا الموسم يعود أساساً إلى ضعف الإنتاج الناتج عن قلة الأمطار وشح المحاصيل، ما قلص المعروض في الأسواق بشكل حاد".
وأضاف أن المعاصر تعمل بطاقة محدودة، والكميات القليلة المتاحة دفعت الأسعار للارتفاع بشكل شبه يومي، موضحاً أن اختلاف طرق العصر بين المعاصر يخلق تفاوتاً إضافياً في الجودة والأسعار، حيث تنتج المعاصر الحديثة زيتاً نقياً منخفض الحموضة، بينما تؤثر الطرق التقليدية على الطعم ونسبة الحموضة.
وأشار التاجر إلى أن الطلب الإضافي من تجار محافظات أخرى على إنتاج زيت إدلب المعروف بجودته العالية ساهم في زيادة الضغط على السوق، ما انعكس مباشرة على الأسعار المحلية. وحذر التاجر من أن ضعف الرقابة على الأسواق يجعل بعض الباعة يلجأون إلى خلط الزيت بزيوت أرخص أو بيع زيت قديم على أنه حديث، مستغلين قلة خبرة المستهلكين، ما يفاقم الأزمة ويهدد سمعة زيت إدلب التاريخي.
من جانبه قال الخبير والباحث الاقتصادي سامر أيوب، إن آلاف السكان في ريف إدلب يعتمدون على موسم الزيتون بوصفه مصدر دخل أساسيا أو تكميليا، ومع التراجع الحاد في الإنتاج تقلصت فرص العمل في قطاعات القطف والفرز والنقل. وأضاف أن كثيرا من العمال الموسميين الذين كانوا يجدون في هذا الموسم فرصة لتأمين دخل لأسابيع كاملة وجدوا أنفسهم بلا عمل تقريباً، أو بأجور منخفضة لا تتناسب مع ساعات الجهد المبذول، ولا مستويات المعيشة.
وأوضح أيوب لـ"العربي الجديد"، أن العائلات التي كانت تعتمد على بيع كميات من الزيت لتغطية احتياجاتها الشتوية تأثرت بشدة، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار الناجم عن ندرة المنتج، ما حول المادة الأساسية إلى عبء جديد على ميزانيات الأسر. وأشار الخبير إلى أن الأزمة تتجاوز الاقتصاد المحلي لتصل إلى استدامة القطاع الزراعي نفسه، حيث يهدد تراجع الإنتاج المتكرر استمرار زراعة الزيتون في المناطق المتأثرة بالجفاف إذا لم تُتخذ خطوات استباقية. وعن الحلول، اقترح أيوب إطلاق برامج دعم مؤقتة للمزارعين تشمل تأمين مستلزمات الزراعة الأساسية مثل مياه الري والتسميد العضوي، إلى جانب تسهيلات مالية لتشغيل المعاصر ودعم العمال الموسميين.
كما أوصى بتطوير نظم تخزين وتحسين إدارة المياه والزراعة الذكية لمواجهة التغيرات المناخية، وإشراك القطاع الخاص في تأمين قنوات تسويق مستقرة، حتى لا يتحول موسم الزيتون القادم إلى موسم خسائر متكررة.