انتقادات مصرية لاتفاقية استيراد الغاز: مصلحة إسرائيلية

21 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 24 ديسمبر 2025 - 14:25 (توقيت القدس)
مخاوف من تحول أمن الطاقة المصري إلى ورقة يمكن لإسرائيل استغلالها، 27 يونيو 2016 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعدت موجة غضب في مصر بسبب صفقة الغاز مع إسرائيل بقيمة 35 مليار دولار، حيث اعتبرتها قوى سياسية تهديداً للأمن القومي ودعماً لحصار الفلسطينيين، مما يستدعي إلغاء الاتفاق.

- شهدت مصر تحركات شعبية واسعة ضد التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل، رغم تبرير الحكومة للصفقة بالحاجة لمواجهة الفجوة في استهلاك الغاز وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي.

- يرى خبراء أن الصفقة تحمل دلالات سياسية عميقة، حيث تُستخدم الموارد الطبيعية كأدوات نفوذ، مما يضع مصر في موقف سياسي معقد أمام الرأي العام العربي والدولي.

تتصاعد موجة غضب واسعة بين الرأي العام وقوى سياسية وحزبية معارضة في مصر من صفقة الغاز مع إسرائيل بقيمة 35 مليار دولار، والتي وصفها البعض بـ"صفعة الكرامة"، بينما يبدي المستثمرون والقطاع الصناعي قلقاً عميقاً من تحول "أمن الطاقة" إلى ورقة يمكن لإسرائيل استخدامها أمنياً وسياسياً، حينما تشاء، على مدار 15 عاماً مقبلة.

حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، من أبرز الأحزاب المعارضة التي رفضت الصفقة، وصف في بيان رسمي الصفقة بـ"الصدمة الكبرى" للشعب المصري، معتبراً أن توقيعها في ظل العدوان على غزة يعني "دعماً مباشراً لحصار وتجويع الفلسطينيين"، وأن الغاز الإسرائيلي "يُستخدم ورقة ضغط سياسية على مصر، ما يستدعي، إلغاء الاتفاق فوراً وقطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل"، كما وصف حزب تيار الأمل الاتفاقية بأنها "صفقة خزي تموّل آلة الحرب الصهيونية"، وحذّر من أن احتلال غزة "يمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي المصري".

وأعلنت حركة الاشتراكيين الثوريين رفضها لاستيراد الغاز من إسرائيل، معتبرة أنها تكرّس نهج التطبيع الاقتصادي مع من يرتكب مجازر في قطاع غزة، وأن هذه الخطوة "لا تمثل الأمن القومي الحقيقي لمصر". وقالت الحركة، الأحد، إنّ "الغاز الإسرائيلي الذي تستورده مصر هو في الأصل مسروق من الشعب الفلسطيني"، وأضافت أن "الاتفاق جاء بضغوط أميركية لفك العزلة الدولية عن إسرائيل، والمضي قدماً في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي يشمل نزع سلاح المقاومة، وإخضاع غزة للوصاية الأميركية"، وتابعت أن "الاتفاق مهم لدعم الشركات الأميركية الكبرى العاملة في حقول الغاز بالبحر المتوسط، وتعزيز مكانة إسرائيل قوةً إقليميةً في مجال الطاقة"، مستطردة بأنه "ليس غريباً توقيع "اتفاق العار" بعد أن تحولت أكبر دولة عربية، من حيث تعداد السكان، إلى شركة خاصة تدار لحساب نخبة رأسمالية تقهر الجماهير فقراً ومرضاً، وتقمع حرياته".

وواصلت الحركة في بيانها بأنه "لا يمكن إغفال أهمية قضية الطاقة وحيويتها لمصر، ولكن يمكن إيجاد بدائل لغاز الاحتلال عبر إنشاء محطات لتموين السفن بالغاز الطبيعي، والتوسع في استيراد سفن الغاز من دول مختلفة، إلى جانب تعزيز الاكتشافات المحلية".

رفض شعبي للصفقة

وعلى المستوى الشعبي، برزت كذلك تحركات وانتقادات واسعة تعبّر عن رفض شامل لأي تطبيع اقتصادي مع إسرائيل في ظل الحرب على غزة، تقاطعت مع موجة أوسع من الاحتجاجات والتضامن مع القضية الفلسطينية، خاصة في المناطق الحدودية مع غزة، إذ شهدت مبادرات مثل "Global March to Gaza" تضامناً شعبياً واسعاً قبيل منع السلطات المصرية لمسيرتها، وهو ما يعكس ضغطاً شعبياً يعارض أي شكل من أشكال التعامل الطبيعي مع إسرائيل في ظل استمرار القتل والحصار.

وأمام هذا الرفض، حاولت السلطات المصرية الفصل بين الجانب التجاري والسياسي للصفقة، مؤكدة على لسان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان أن الاتفاق "يندرج في إطار التعاقدات التجارية البحتة، والذي أبرم وفق اعتبارات اقتصادية واستثمارية خالصة، ولا ينطوي على أي أبعاد أو تفاهمات سياسية من أي نوع"، مشدداً على أن موقف مصر من القضية الفلسطينية "ثابت ولم ولن يتغيّر".

بينما برر رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي في بيانات رسمية الصفقة بأنّ مصر تحتاجها لمواجهة الزيادة في الفجوة بين الاستهلاك والانتاج المحلي للغاز، ودور الصفقة في تعزيز دور مصر مركزاً إقليمياً وحيداً لتداول الغاز شرق المتوسط، مستفيدة من بنيتها التحتية المتقدمة لمحطات الإسالة في مصنعَي إدكو ودمياط شمال دلتا النيل التي تفتقر إليها إسرائيل.

معانٍ سياسية وراء استيراد الغاز من إسرائيل

وحسب ما يقوله خبراء، فإنه يصعب التعامل مع صفقة بهذا الحجم والتوقيت باعتبارها خطوة اقتصادية معزولة. فشرق المتوسط لم يكن يوماً ساحة طاقة فحسب، بل مساحة صراع سياسي وأمني مكتمل الأركان، تُستخدم فيها الموارد الطبيعية أدوات نفوذ بقدر ما تُستخدم سلعاً. ومن هذا المنطلق، تكتسب الصفقة معناها السياسي قبل أي حسابات أخرى، خاصة حين تُعلن في ذروة حرب، وتُسوَّق إسرائيلياً باعتبارها "إنجازاً استراتيجياً" يعكس قدرة تل أبيب على كسر العزلة وتوسيع شبكة مصالحها الإقليمية رغم الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب.

ووفق قراءة السفير محمد حجازي، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، فإنّ "الإعلان الإسرائيلي عن الصفقة لا يُفهم بوصفه مؤشراً على استقرار متحقّق، بل بصفته رسالةً موجهة للأسواق والحلفاء مفادها أن الاندماج الإقليمي ممكن، لكن بشروط سياسية واضحة".

ويعتقد حجازي، لـ"العربي الجديد"، أن "هذه الرؤية تكشف تناقضاً جوهرياً، فبينما تسعى إسرائيل إلى استخدام أدوات الاقتصاد والطاقة لتكريس واقع إقليمي جديد، ترى مصر أن الاقتصاد لا يمكن أن يسبق السياسة، ولا أن يحلّ محلها"، وأشار إلى أن "التجربة الإقليمية تُظهر أن الاستثمارات الاستراتيجية الكبرى، خاصة في قطاع الطاقة، لا تزدهر في بيئات يسودها العنف وعدم اليقين الأمني والقانوني". وبالتالي، فإنّ "أي محاولة للفصل بين الاقتصاد والواقع السياسي سرعان ما تصطدم بحدودها، وتتحول من رافعة استقرار محتملة إلى عامل هشاشة إضافي". 

توقيت ودلالات الصفقة

في السياق نفسه، ذهب أيمن زين الدين، سفير مصر السابق لدى إسبانيا، الذي أشار إلى أن "خطورة الصفقة لا تكمن في مضمونها فحسب، بل في توقيتها ودلالاتها السياسية. فمن الناحية الشكلية، قد تبدو الصفقة مفيدة لمصر تجارياً، لكنها سياسياً واستراتيجياً تطرح إشكاليات عميقة"، مشيراً إلى أن "الاتفاقات طويلة المدى في قطاعات سيادية، مثل الطاقة، لا تبقى محصورة في خانة الاقتصاد، بل تتحول إلى أعمدة رئيسية في بنية العلاقات بين الدول"، وأضاف "من ثم، فإنّ الدخول في اتفاق بهذا الحجم مع إسرائيل يفترض، نظرياً، وجود حد أدنى من الانسجام السياسي، أو على الأقل غياب صدام حاد في الرؤى، وهو ما لا يتوفر في ظل السلوك الإسرائيلي الراهن في غزة والضفة الغربية".

موظف في إيني في أبيدجان، 23 نوفمبر 2023 (Getty)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

ويرى زين الدين أن "التصرفات الإسرائيلية الحالية تستدعي موقفاً مصرياً أكثر صرامة، لا يتسق مع توسيع اتفاق غاز طويل الأجل". فمثل هذه الاتفاقيات، في رأيه، "تصلح بين دول تربطها علاقات طبيعية أو تسعى بصدق إلى تحسينها، لا بين طرفَين أحدهما يمارس سياسات توسع عسكريّ وعقاب جماعي بحق شعب واقع تحت الاحتلال". وحذّر من أن "هذا النوع من الارتباط يضع إسرائيل في موقع مساومة استراتيجية ويمنحها ورقة ضغط محتملة على مركز القرار المصري في لحظات التوتر، سواء عبر التلويح بتعطيل الإمدادات أو عبر توظيف الاعتماد المتبادل سياسياً".

مكاسب إسرائيلية

وبحسب تحليلات المراقبين في مختلف وسائل الإعلام، فإنه على المستوى السياسي، تحقق الصفقة لإسرائيل مكسباً مزدوجاً. داخلياً، "تقدمه حكومة بنيامين نتنياهو دليلاً على نجاحها في الحفاظ على علاقات إقليمية قوية رغم الحرب والانتقادات الدولية". وخارجياً، "تُستخدم الصفقة لإقناع الشركاء الغربيين بأن إسرائيل ما زالت لاعباً لا غنى عنه في معادلة الطاقة والأمن الإقليميَين". وفي المقابل، "تتحمل مصر عبئاً سياسياً غير مباشر، يتمثل في تآكل قدرتها على المناورة الخطابية والدبلوماسية، خصوصاً أمام رأي عام عربي ينظر بعين الريبة إلى أي توسيع للتعاون مع إسرائيل في ظل استمرار الحرب".

وفي هذا السياق، قال وزير الطاقة في حكومة الاحتلال إيلي كوهين، في تصريحات إعلامية اليوم الأحد، إن "صفقة الغاز مع مصر نعمة لإسرائيل، سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي، لأنها تضمن مصالحنا، وإذا قرأتم ما نشر عن خروج قوات مصرية من سيناء فأعتقد أن ذلك لم يأتِ من فراغ".

أما الشق القانوني والأخلاقي فيضيف طبقة أخرى من التعقيد، إذ يرى سياسيون أن "استمرار العمليات العسكرية في غزة، وما يرافقها من اتهامات بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، يفرض مخاطر قانونية حقيقية على أي شراكات استراتيجية طويلة الأجل". هذه المخاطر لا تظل حبيسة الخطاب الحقوقي، بل باتت تؤثر فعلياً في قرارات المستثمرين والمؤسّسات المالية الدولية، وتضع قيوداً على استدامة التعاون مع أطراف متهمة بخرق قواعد القانون الدولي. ومن هذا المنظور، فإنّ الرهان على مشاريع كبرى في بيئة سياسية وقانونية مضطربة قد يتحول إلى عبء، لا إلى أصل استراتيجي.

وفي المقابل، لا تنطلق المقاربة المصرية، كما يشرح السفير حجازي لـ"العربي الجديد"، من "رفض مطلق لفكرة التعاون الاقتصادي، بل من محاولة توظيفه أداةً لتعديل السلوك، لا بديلاً عن الحل السياسي". فالتكامل الإقليمي في مجال الطاقة يمكن، نظرياً، أن "يكون جزءاً من حلّ أوسع، إذا أُدرج ضمن مقاربة شاملة تُعيد الاعتبار للتسوية السياسية، وتضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتربط العوائد الاقتصادية بالاستقرار الحقيقي لا بالقوة العسكرية"، لكن "هذا يظل مشروطاً بتغير ملموس في الواقع، لا بالاكتفاء بالخطاب أو الوعود".