انتقادات حادّة في البرلمان الجزائري لقانون الموازنة ومخاوف من عجز مالي تاريخي
استمع إلى الملخص
- النواب قلقون من تقلص العائدات وانهيار صندوق ضبط الإيرادات، حيث أشار النائب هشام حداد إلى أن نصف الميزانية ممول بالاستدانة. النائب سليمان زرقاني انتقد التمويل الاستثنائي وطبع النقود.
- الحكومة تسعى لاستقطاب الاستثمارات وتوسيع القاعدة الضريبية، مع حوافز جديدة للمستثمرين. أعلنت عن صندوق لترقية الصادرات وتسقيف أسعار المواد الأساسية، مع استمرار دعم الفئات محدودة الدخل.
يواجه قانون الموازنة لعام 2026 في الجزائر انتقادات حادّة من نواب البرلمان، بسبب ما وصفوه بـ"العجز التاريخي" والمقدّر بنسبة 54%، وسط مخاوف من تداعيات هذا العجز في ظل تقلبات أسعار المحروقات التي تعتمد عليها البلاد على نحوٍ شبه كامل في تمويل إنفاقها العام. في المقابل، تؤكد الحكومة أن القانون "مطمئن" ويستند إلى "حركية اقتصاد
داخلي ينمو بوتيرة مستقرة".ويواصل النواب مناقشة مشروع الموازنة لليوم الثاني على التوالي، في آخر دورة تشريعية للبرلمان الحالي الذي تنتهي عهدته في ربيع العام المقبل. وتبدو النقاشات هذه المرة أكثر احتداماً من أي وقت مضى، في ظل مخاوف من تقلّص العائدات المالية وانهيار صندوق ضبط الإيرادات، رغم ثقة الحكومة بتمرير القانون في صيغته الحالية نظراً لامتلاكها غالبية نيابية تمثّل الحزام السياسي الداعم لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون.
وخلال المناقشات، كانت مداخلة النائب هشام حداد لافتة حين قال: "لا يمكن أن نتحدث عن طمأنينة مالية بينما تعلن الحكومة عن عجز في الموازنة يبلغ 54%، مع استهلاك 70% من الاعتمادات المالية. هذا يعني أن نصف الميزانية ممول بالاستدانة، وهو ما يشكّل انحرافاً خطيراً عن مبدأ الاستدامة المالية".
وأضاف: "الحكومة تتبنّى العجز المالي خياراً مقبولاً باسم المرونة الاقتصادية، أي أننا بصدد تطبيع مع الخطر لا مع الإصلاح، كما أن صندوق ضبط الإيرادات وصل بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى مستوى صفري تقريباً، وهو ما يعني أن الدولة فقدت صمام الأمان المالي الذي كان يحميها من تقلبات أسواق النفط. هذا الوضع يفرض التساؤل حول الجهة المسؤولة عن هذا التدهور، خصوصاً أن اختفاء الصندوق دون إيجاد بديل سيادي جديد يترك فراغاً خطيراً في منظومة الحماية المالية للبلاد".
من جانبه، عرض وزير المالية عبد الكريم بوالزرد أمس أمام البرلمان مشروع قانون الموازنة، الذي وُصف بأنه الأضخم في تاريخ الجزائر، إذ تتجاوز قيمته 131 مليار دولار، مقابل إيرادات تقدّر بـ 61 مليار دولار، وأكد الوزير أن القانون يأخذ في الاعتبار تطورات الوضعين الاقتصادي الوطني والدولي، ولا سيّما النتائج المنتظرة للقطاعات غير النفطية، متوقعاً أن يبلغ النمو الاقتصادي 4.1% عام 2026، ليرتفع إلى 4.4% عام 2027 و4.5% عام 2028، مشيراً إلى أن الحكومة تركز على تشجيع الاستثمار وتنويع الاقتصاد وإعادة إطلاق المشاريع الكبرى المهيكلة وتطوير الصادرات.
إلّا أن النائب سليمان زرقاني عن كتلة المعارضة (حركة مجتمع السلم) وجّه انتقادات حادة للوزير، قائلاً: "تبدو، السيد الوزير، غير مقتنع بما عرضته. لو كنت إطاراً في المالية العمومية ولست وزيراً، لكنت أول المعارضين لهذا القانون، لأنه يتضمّن معطيات لا تستقيم مع قواعد المالية العامة"، وأضاف أن "الحكومة أخفت عن الرأي العام لجوءها إلى التمويل الاستثنائي (طبع النقود) من بنك الجزائر، وهو إجراء لا يجري اللجوء إليه إلّا في حالات حرجة تُعلن رسمياً، كما أن الحكومة تتحدث عن نفقات غير متوقعة بقيمة 15 مليار دولار، وتتوقع استهلاك 70% فقط من الاعتمادات المالية، وهو تضارب واضح في الأرقام والتقديرات".
وتبرّر الحكومة مقاربتها المالية بسعيها إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات، وتقديم حوافز جديدة للمستثمرين، إلى جانب دمج الأنشطة غير المهيكلة في الاقتصاد الرسمي، وتوسيع القاعدة الضريبية، واحتواء الكتلة المالية النشطة خارج الدورة الرسمية والتي تُقدّر بـ30 مليار دولار. كما يتضمّن المشروع إجراءً استثنائياً للتسوية الجبائية الطوعية قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، يتيح تصريحاً مبسطاً مع ضريبة محررة بنسبة 10% دون عقوبات، وضمان عدم الملاحقة القضائية للمصرّحين.
كما أُعلن عن استحداث صندوق خاص لترقية الصادرات يتكفّل بنفقات مشاركة المؤسّسات الجزائرية في المعارض الدولية، بهدف تشجيع الإنتاج والتصدير خارج قطاع المحروقات. وتشمل الخطة أيضاً تسقيف أسعار المواد الأساسية ومواصلة سياسة الدعم الموجّه للفئات محدودة الدخل للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي سياق متصل، تجدّد النقاش حول التحويلات والدعم الاجتماعي، إذ دعا النائب أحمد بلجيلالي إلى مراجعة شاملة لآليات توزيع الدعم، معتبراً أنّ "تخصيص 33% من ميزانية الدولة لسنة 2026 للتحويلات الاجتماعية، في حين يذهب جزء معتبر منها إلى غير مستحقيه، يستدعي فتح هذا الملف بجدية"، وأضاف أن "ترشيد الدعم وتوجيهه بدقة سيسمح بتغطية نفقات اجتماعية أخرى، ويعزز تمويل برامج جديدة لصالح الفئات المحتاجة فعلاً"، مشدداً على أن "استمرارية تمويل هذه النفقات تتطلب تحقيق نمو اقتصادي حقيقي بمعدلات غير مسبوقة".