انتعاش أميركا يضر الاقتصادات الناشئة

14 ابريل 2021
الصورة
المستثمرون يهربون من الأسواق الناشئة لأميركا
+ الخط -

مع توسع الولايات المتحدة في توفير لقاح الوقاية من فيروس كوفيد-19، وتوفير الأموال للحكومات المحلية للإسراع بتوفير الجرعات المطلوبة لمواطنيهم، قادت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى مؤشري داو جونز الصناعي وإس آند بي 500 لإنهاء تعاملات الأسبوع الماضي عند مستويات قياسية جديدة، تفاؤلاً بما يمكن لتلك الخطوات تحقيقه من الإسراع بعودة النشاط لأغلب قطاعات الاقتصاد الأميركي.

وبعد تحقيقه ارتفاعاً لثالث أسبوع على التوالي للمرة الأولى منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، حقق مؤشر إس أند بي 500 مكاسب بنسبة 2.7%، تمثل أكبر مكاسب أسبوعية منذ فبراير/ شباط الماضي، لينهي تعاملات يوم الجمعة عند أعلى مستوى وصل إليه في تاريخه، وهو المستوى القياسي رقم 20 الذي يتم تسجيله منذ بداية العام الحالي، الذي لم يشهد أكثر من سبعين يوم عمل.

وعلى النهج نفسه سار مؤشر داو جونز الصناعي، الذي أنهى تعاملات اليوم والأسبوع عند أعلى مستوى في تاريخه هو الآخر، مدعوماً كسابقه بتصريحات صادرة عن صندوق النقد الدولي، والتي أشارت إلى توقعات بنمو الاقتصاد العالمي هذا العام بمعدل 6%، يمثل أسرع معدل للنمو العالمي خلال العقود الأربعة الأخيرة على الأقل. ولن يتحقق هذا المعدل المرتفع، وفقاً لتوقعات صندوق النقد والبنك الدوليين، إلا بنمو الاقتصاد الأميركي، الاقتصاد الأكبر في العالم حتى الآن، بمعدل يتجاوز 6.3%، وهو ما سيكون، حال تحققه، واحدة من الحالات القليلة التي نما فيها الاقتصاد بهذه السرعة منذ منتصف القرن الماضي.

وتزامناً مع انتعاش البورصة الأميركية، أصدر بنك أوف أميركا تقريراً أكد فيه أن الشهور الخمسة الأخيرة شهدت تدفقاً لأموال المستثمرين في صناديق الاستثمار في الأسهم أكثر مما شهدته السنوات الاثنا عشر السابقة لها، وهو ما لعب الدور الأكبر في ارتفاع مؤشر داو جونز بأكثر من 26% خلال هذه الفترة.

وشهدت الشهور الخمسة تدفقات في صناديق الاستثمار في أسواق الأسهم العالمية بقيمة تقترب من 570 مليار دولار، بينما لم تجتذب الأسواق نفسها أكثر من 452 مليار دولار خلال الاثني عشر سنة السابقة لتلك الشهور. وأشار التقرير أيضاً إلى أن الربع الأول من العام الحالي شهد ارتفاعاً في حجم التداولات بنسبة 40% مقارنةً بالربع السابق له، حيث اندفع المستثمرون نحو شراء أسهم القطاعات الأقل أداءً في 2020، أملاً في انتعاش أسعارها مع اقتراب الاقتصاد الأميركي من استعادة نشاطه خلال العام الجديد. ولا تعبر التدفقات الداخلة إلى سوق الأسهم إلا عن شيء واحدٍ، وهو عودة الثقة في استعادة الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الاقتصاد الأميركي، الانتعاش.
وبعد شهور طويلة تحدث فيها المحللون عن انفصال أسواق الأسهم عن الاقتصاد الحقيقي، بعثت الأسواق برسالة واضحة مفادها أن ارتفاعات أسعار الأسهم هذه المرة تعكس ضوءاً بدأ يظهر في نهاية نفق الاقتصاد المظلم.

ووسط جو من التفاؤل العام، يشهد الأسبوع الحالي بداية موسم الإعلان عن نتائج أعمال الشركات الأميركية خلال الربع الأول من العام، مع وجود توقعات من بعض مراكز الأبحاث بارتفاع أرباح الشركات هذا العام بنسبة 23.8% مقارنة بالعام الماضي، وهو ما سيكون أفضل معدل نمو أرباح للشركات الأميركية منذ الربع الثالث من عام 2018.

ويرى الأميركيون أن الشهور القادمة ربما تشهد مزيداً من الارتفاع في أرباح شركاتهم، بعد النجاح في توفير جرعة واحدة على الأقل من المصل لأكثر من ثلث المواطنين، تزامناً مع إقرار حزمة جديدة لإنعاش الاقتصاد ومساعدة المواطنين، تقترب قيمتها من 1.9 تريليون دولار، بالإضافة إلى خطة ضخمة لتطوير البنية التحتية، أعلن عنها بايدن آخر أيام الربع المنتهي.

ومع توقعات الربحية المتفائلة، ينتظر الأميركيون إضافات الوظائف التي يقدرها المحللون بما لا يقل عن 7 ملايين وظيفة، وربما أكثر، في عام 2021، تمثل أكبر معدل إضافة للوظائف في أي عام، وهو ما سيهبط بمعدل البطالة إلى أقل من 5% بحلول نهاية العام.
ورغم تحذيره، الأسبوع الماضي، من تأثير تباطؤ حصول مواطني بعض الدول على اللقاح على نمو الاقتصاد الأميركي، وتأكيده أن "الفيروس لا يعترف بالحدود بين الدول"، عاد جيرومي باول، رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، ليؤكد لبرنامج "60 دقيقة"، يوم الأحد، أن الاقتصاد الأميركي عند نقطة الانطلاق لأعلى وخلق الوظائف بمعدلات أسرع كثيراً مما يحدث الآن، مشيراً إلى أن البنك الفيدرالي يتوقع خلق ما يقرب من مليون وظيفة شهرياً "لعدة أشهر".
بدورها، تشهد تحركات سوق السندات إقبالاً من المستثمرين على شراء سندات الشركات الأكثر معاناة من الوباء، كشركات الطيران والفنادق والعقارات، بصورة تؤكد أنهم يتعاملون وكأن المياه قد عادت لمجاريها في هذه القطاعات. ويراهن مستثمرو السندات ومديرو صناديق الدخل الثابت على أن الإسراع بتوصيل اللقاح للأميركيين سيسمح بعودة الحياة إلى طبيعتها قبل حلول موسم الصيف، رغم معاودة انتشار الفيروس وارتفاع معدلات الإصابة في بعض البقاع في الولايات المتحدة وأوروبا.

ويرى المستثمرون المقبلون على شراء السندات أن تلك الشركات لم تنتهِ، وأنها بمساعدة برامج الشراء التي أقرتها العديد من البنوك المركزية حول العالم، لن تفلس، ولن ترتفع معدلات العائد عليها بصورة مبالغ فيها، خلال الفترة القادمة.
ولا توجد بقعة سوداء في قماشة الاقتصاد البيضاء إلا معدل التضخم الذي يقلق المستثمرين والمواطنين على حد سواء. غير أن البنك الفيدرالي أعلن أنه مستعد لمواجهة ذلك، في إشارة لاستعداده لرفع معدلات الفائدة، وإن كان ذلك لن يحدث على الأغلب قبل 2023، إلا أن آثاره السلبية ستشعر بها أغلب الاقتصادات الناشئة والنامية حول العالم، قبل ذلك التاريخ.

وفي ما يخص الدول التي تراجعت إيراداتها بالعملة الأجنبية خلال عام الفيروس، سيكون عليها استباق قرارات البنك الفيدرالي، ورفع معدلات الفائدة لديها، وهو الإجراء الذي يأتي عادة بأعراض جانبية خطيرة، كفانا الله وإياكم شرها.

المساهمون