انتخابات الجزائر: البرلمان والحكومة أمام اختبار إحياء الاقتصاد

انتخابات الجزائر: البرلمان والحكومة أمام اختبار إحياء الاقتصاد واسترجاع الأموال

13 يونيو 2021
الصورة
مخاوف من تحول الوعود الانتخابية الاقتصادية إلى حبر على ورق (العربي الجديد)
+ الخط -

رغم الوعود الانتخابية البراقة والبرامج التي جعلت للاقتصاد الجزائري حيزاً مهماً فيها، فإن هناك مخاوف متزايدة من تحولها إلى حبر على ورق عند بدء العهدة البرلمانية الجديدة، لتعقد المشهد السياسي في البلاد.

ولعل أكثر ما ينتظره الجزائريون من البرلمان القادم والحكومة السياسية المنبثقة منه، هو ما يحملانه من حلول للحد من تراجع مستويات المعيشة في ظل غلاء الأسعار المتواصل الذي أنهك القدرات الشرائية للكثير من المواطنين، لا سيما مع ضعف المداخيل وانهيار العملة الوطنية (الدينار).

وبحسب دراسة للديوان الجزائري للإحصاء الحكومي، فإن متوسط دخل الفرد من الطبقة الوسطى يتراوح بين 20 ألف دينار (170 دولارا) و40 ألف دينار شهريا (300 دولار)، مقابل مصاريف تتعدى 70 ألف دينار (600 دولار) شهريا لأسرة من 5 أشخاص.

يقول المواطن هواري عبد النور، لـ"العربي الجديد" :" طالعت أطروحات قادة الأحزاب في الحملة الانتخابية، فكل ما قيل هو عموميات، كحماية القدرة الشرائية، لكن دون توضيح الآليات، لم يتحدثوا مثلا عن تصورهم لكيفية رفع الدعم وتحويل المستحقات المالية مباشرة نحو الأسر المعوزة، رغم أن هذه القضية تهم المواطن مباشرة".

من جانبه، يرى الموظف مولود سعدي أن "برامج المرشحين لدخول البرلمان لم تحمل تصوراً واضحاً لتحسين معيشة المواطن، أو تصوراً لإنقاذ الدينار الذي فقد بريقه منذ سنوات، بينما نخاف أن يصل النواب إلى البرلمان ويسيروا في فلك السلطة ويصبحوا مجرد أيد مرفوعة تعبد الطريق لجلد المواطن".

وانعكست تراجعات أسعار الدينار بشكل سلبي على أوضاع المواطنين المعيشية، حيث شهدت أسعار العديد من السلع، وخاصة الغذائية، ارتفاعات كبيرة، أثرت مباشرة على السلوك الإنفاقي والاستهلاكي للمواطن.

يقول الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي إن "ما كان يشتريه المواطن مقابل 400 دينار عام 2013 أصبح يشتريه بـ1000 دينار اليوم، وبالتالي فإن القدرة الشرائية للمواطن الجزائري فقدت قرابة 60% من قوتها في 7 سنوات، وهو أمر خطير إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الحكومة لم تقم باتخاذ إجراءات مقابلة، كرفع الرواتب أو زيادة الدعم لأسعار المواد واسعة الاستهلاك".

وزاد امتداد الأزمة المالية في الجزائر للسنة السابعة من انكماش الاقتصاد، بفعل تراجع مداخيل البلاد من بيع النفط إلى أكثر من الثلثين، ما أدى إلى تجميد العديد من المشاريع وعمليات التوظيف في القطاعين العمومي والخاص.

ومنذ الأزمة النفطية عام 2014، راوح عجز الموازنة العامة للجزائر بين 13 و17 مليار دولار، بينما تتوقع الحكومة أن يصل العجز في العام الجاري إلى 22.6 مليار دولار، بما يعادل 13.57% من إجمالي الناتج المحلي.

ولا تقتصر الضغوط المالية على تسجيل عجز في الموازنة، وإنما تتوقع الحكومة مزيداً من تآكل احتياطي النقد الأجنبي، ليهبط إلى أقل من 46.8 مليار دولار في نهاية العام الجاري، من 56 ملياراً حاليا، تغطي 16.2 شهراً من الواردات.

ويرى الخبير الاقتصادي جمال نور الدين أن "الأحزاب في الحقيقة لم تقدم ورقة طريق واضحة لكيفية حماية قدرة المواطنين في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم حالياً، فالأمر ليس مرتبطا بالراتب والأسعار، بل بمنظومة اقتصادية كاملة، إذ لا يمكن أن نتحدث عن الرواتب والتضخم في اقتصاد غير منتج ويعيش بعائدات النفط فقط".

وأصبحت مخلفات جائحة كورونا على الاقتصاد تهدد قوت الملايين أيضا، حيث قالت وزارة العمل والتشغيل في تقرير، حصل "العربي الجديد" على نسخة منه، إنه جرى إحصاء 200 ألف عامل من دون مداخيل مالية في الأشهر الخمسة الأولى بعد تفشي الوباء، و180 ألف عامل شهدت رواتبهم تأخراً بين شهرين وثلاثة أشهر، وهي أرقام تؤكد مصادر حكومية تضاعفها 5 مرات.

ويرى المستشار الحكومي والخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول أن "الأحزاب قدمت تشخيصا للأزمة الاقتصادية، وقد وفقت في ذلك نوعا ما، إلا أن اللافت أن الأحزاب لم تقدم تصوراً واضحاً لبعث الاقتصاد سواء من حيث الإطار التنظيمي التشريعي أو الجانب التنفيذي".

ويقول مبتول لـ"العربي الجديد" إن " التنظير والممارسة أمران مختلفان تماما، ومن يعرف طبيعة الحكم في الجزائر يدرك أن برامج الأحزاب حتى وإن كانت تحوز على البرلمان والحكومة، فإنها لن تطبق منه ولو الشيء اليسير لأن القرارات كلها تُقرر في ما يعرف بالغرف المظلمة".

وتعد هذه الانتخابات الأولى بعد الحراك الشعبي في فبراير/ شباط 2019، بينما تقاطعها مكونات من الحراك وأحزاب سياسية تعتبر أن هذه الانتخابات تمثل التفافاً ضد مطالب الحراك الشعبي والثورة السلمية.

وارتفعت دعوات في الشارع للمطالبة باسترجاع الأموال المنهوبة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بالموازاة مع الانتخابات البرلمانية، ما يعد الاختبار الأصعب والتحدي الأكبر أمام الأحزاب الفائزة. وكان استرجاع الأموال عصب برامج الأحزاب في حملاتها الانتخابية، حيث جعلت منها "ورقة انتخابية" بامتياز.

ويؤيد رئيس حزب جبهة المستقبل، في حديث مع "العربي الجديد"، فتح حوار مع رجال الأعمال المسجونين، والتفاوض معهم، مشيرا إلى أهمية "جلب أي دينار للخزينة العمومية وليس الحكم بمنطق الثأر والعقاب".

كما يرى عبد القادر بن قرينة، رئيس حركة البناء الوطني من التيار الإسلامي، أن "المصالحة مع رجال الأعمال يمكن أن تكون السبيل لاسترجاع المال المنهوب، إلا أنني أقترح على الرئيس (عبد المجيد تبون)، لو فزنا برئاسة البرلمان والحكومة، تنظيم استفتاء حول القضية، لأن السلطة للشعب وهو من يقرر مصير العصابة".

ويقول الأستاذ في جامعة الجزائر عبد الرحمن عية، لـ"العربي الجديد"، إن السلطة تأخرت في استرجاع الأموال المنهوبة خلال العامين الجاري والماضي، مستبعدا أن يتم استرجاع الأموال كاملة، خاصة تلك التي تم تحويلها إلى الخارج.

ويضيف: "من الناحية العملية، الأموال التي يتم الحديث عنها لا يمكن استرجاعها، لأنها ليست موجودة في حسابات معلومة، وإنما تم تقديمها كهدايا في إطار المحاباة، ما يطرح خيار المصالحة الاقتصادية التي اعتمدتها دول أخرى، مع أنني ضده كمبدأ".

ويتابع أن أكثر من 3 مليارات دولار خسرتها الخزينة العمومية بسبب الإعفاءات الضريبية التي حصل عليها رجال الأعمال المقربون من بوتفليقة، تضاف إليها الزيادات الخيالية غير المبررة في أسعار السيارات المنتجة محلياً والتي بلغت أكثر من 1.5 مليار دولار.

وكشفت السلطات الجزائرية، أخيرا، عن وجهات الأموال المنهوبة من البلاد الى الخارج من قبل رجال الأعمال والمسؤولين الموقوفين في السجون في قضايا الفساد ونهب المال العام، وبدأت اتصالات مع 11 دولة في العالم للتنسيق والتعاون لرد هذه الأموال إلى البلاد.

المساهمون