الواقع الاقتصادي للمجر تحت هيمنة فيكتور أوربان

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:51 (توقيت القدس)
فيكتور أوربان لدى وصوله إلى البيت الأبيض، 7 نوفمبر 2025 (روبرتو شميدت/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه المجر تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، منها نزيف العقول الشابة وتراجع الابتكار وضعف النمو الاقتصادي، مما يهدد مستقبل البلاد ويضع قيادتها أمام تحديات حقيقية.

- شهدت المجر هجرة كبيرة للشباب المتعلم، مما أدى إلى نقص حاد في الكفاءات الماهرة وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي، مما يضعف قدرتها على التنافس في القطاعات عالية التقنية.

- تعتمد المجر بشكل كبير على الطاقة الروسية، مما يخلق تناقضات استراتيجية داخل الاتحاد الأوروبي ويضعف موقفه الموحد ضد موسكو، بينما تواجه ركوداً في النمو الاقتصادي وتراجعاً في الاستثمارات.

تواجه المجر واقعاً اقتصادياً واجتماعياً معقداً للغاية يغذيه نزيف العقول الشابة، وتراجع الابتكار، وضعف النمو الاقتصادي، واعتماد مفرط على الطاقة الروسية، وهي عوامل تهدد مستقبل البلاد وتضع قيادته أمام تحديات حقيقية لا يمكن تجاوزها بالسياسة القومية وحدها، رغم الهيمنة والدور الاقتصادي والسياسي لرئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، الذي يحتل اليوم أطول فترة حكم بين قادة حكومات الاتحاد الأوروبي، وتحيط به تحالفات دولية غير مألوفة تشمل دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ.

خلال الثلاثة عشر عاما الماضية، غادر أكثر من 600 ألف مجري البلاد بحثاً عن فرص عمل أفضل في الخارج، أي نحو 6% من سكان البلاد. وفي عام 2023 وحده، هاجر حوالي 71 ألف شخص من أصل عشرة ملايين نسمة، أغلبهم شباب متعلمون من الريف أو المدن الصغيرة، ما يعني أن البلاد فقدت نسبة كبيرة من قواها العاملة الماهرة والمتعلمة.

هذا النزيف المعرفي ترك فجوات ملموسة في سوق العمل، إذ تواجه المجر نقصاً حاداً في المهندسين والمبرمجين والأطباء والمختصين في العلوم والتكنولوجيا، وهو ما يبطئ عمليات الابتكار ويحد من قدرة الشركات المحلية على المنافسة عالمياً. وتشير تقديرات البنك المركزي المجري إلى أن فقدان هذه الكفاءات يؤدي إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 0.5% إلى 1% سنوياً مقارنة بمستوى يمكن تحقيقه لو بقيت هذه الكفاءات في الداخل. كما ساهم هذا التوجه في تراجع ريادة الأعمال، فالمشاريع الناشئة تعتمد غالباً على الشباب المبدع والمتحفز، وعندما يغادر هؤلاء البلاد، تتحول أفكارهم وإمكاناتهم إلى اقتصادات أخرى، ما يضعف المجر على المدى الطويل ويقلص قدرتها على التنافس في القطاعات عالية التقنية والابتكار.

إلى جانب ذلك، فإن الهجرة تقلص عدد المواليد المحتمل، فتراجع الشباب في سن الإنجاب يؤدي إلى انخفاض معدل النمو السكاني الطبيعي، وهو ما يفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية على المدى البعيد، ويجعل البلاد تعتمد بشكل أكبر على الهجرة الخارجية للعمالة لتعويض النقص، كما حدث مع العمال القادمين من صربيا وفيتنام والفيليبين. وتظهر التقارير أن عدد أولئك الذين حصلوا على تصاريح إقامة أكثر من 12 شهراً في المجر ارتفع إلى نحو 67 ألف شخص عام 2024، منهم نحو 72% مهاجرين للعمل، وأنّ فيتنام والفيليبين كانتا من أكبر الدول المصدرة لهؤلاء المهاجرين. كما أوضح تقرير بحثي من مؤسسة فريدريش إيبرت ومقرها المجر صادر في ديسمبر/كانون الأول 2024، أن عدد العمال من دول خارج الاتحاد الأوروبي ارتفع إلى نحو 78 ألف شخص في عام 2024، منهم أكثر من تسعة آلاف من الفيليبين.

سياسات الطاقة

ورغم أن أوربان اشتهر بتشدده تجاه اللاجئين قبل عقد من الزمان، فقد فتح الباب لقدوم عشرات الآلاف من العمال الأجانب من صربيا، فيتنام، الفيليبين، وحتى الصين، لسد حاجة السوق المجرية. لكن ذلك لا يكفي لسد تبعات اعتماد مفرط على واردات الطاقة الروسية، إذ تستورد المجر حوالي 86% من نفطها من روسيا، وهو الأمر الذي أثار غضب الاتحاد الأوروبي. وحصلت المجر على إعفاء من العقوبات الأميركية المفروضة على الطاقة الروسية، بعد لقاء أوربان مع ترامب في واشنطن، إذ منحت إدارة ترامب المجر، أول أمس السبت، "استثناءً" لمدة عام من العقوبات على واردات النفط والغاز من روسيا عبر خطّي أنابيب "ترك ستريم" و"دروجبا". ويعد هذا الإعفاء "هدية انتخابية" لأوربان قبيل الانتخابات المقبلة، ويُضعف موقف الاتحاد الأوروبي الموحد ضد موسكو.

وتعزز هذه الصفقة تموضع أوربان في محور "غربي - روسي" مميز، فالمجر تعهدت بشراء 600 مليون دولار من الغاز الطبيعي المسال الأميركي، ودعم مشروعات نووية أميركية، بينما تحتفظ بعلاقات قوية مع موسكو، بما فيها استيراد الوقود منها بموافقة أميركية بعد زيارته الأخيرة للبيت الأبيض.

تحالفات متناقضة

هذا التصعيد في العلاقات المجرية - الأميركية لا يقتصر تأثيره على السياسة الداخلية للمجر فحسب، بل يلقي بظلاله على تماسك الاتحاد الأوروبي في مواجهة روسيا. فالتحالف بين أوربان وترامب، والحصول على إعفاء من العقوبات الأميركية على الطاقة الروسية، يضع الاتحاد الأوروبي أمام تناقض استراتيجي واضح: كيف يمكن فرض سياسة موحدة تشمل كافة الدول الأعضاء إذا كانت إحدى الدول الرئيسية تتمتع باستثناء من أكبر حليف خارجي؟ هذا الأمر لا يُضعف فقط قدرة الاتحاد على تطبيق العقوبات الاقتصادية على موسكو، بل يخلق سابقة خطيرة لدول أخرى قد تسعى لاحقاً للحصول على معاملة مماثلة، بما يهدد وحدة الموقف الأوروبي.

علاوة على ذلك، فإن الإعفاء الأميركي يمنح المجر قدرة على الاستفادة من الطاقة الروسية بأسعار ميسرة، بينما يظل باقي الاتحاد الأوروبي مضطراً للامتثال للقيود والعقوبات، ما يؤدي إلى اختلال تنافسي داخل السوق الأوروبية الموحدة. هذا الفارق يعزز المخاوف من أن بعض الدول الأعضاء قد تُفضّل مصالحها الوطنية قصيرة المدى على التزامها الجماعي تجاه السياسة الخارجية للاتحاد، وبالتالي يُضعف المصداقية الأوروبية على الصعيد الدولي ويجعل من الصعب التوصل إلى إجماع في ملفات حساسة أخرى، مثل ميزانية الاتحاد أو الدعم لأوكرانيا.

ركود النمو وتعثر الاقتصاد

ولم تشهد المجر في السنوات الثلاث الأخيرة نمواً حقيقياً، بل إن الناتج المحلي الإجمالي لم يشهد تقدّماً يُذكر، في حين سجلت دول مثل الجمهورية التشيكية نموّاً حوالي 4%، وبولندا 5%، ورومانيا 6%. ويربط كثير من المحللين هذا التراجع بالمبلغ الكبير الذي جُمّد من أموال الاتحاد الأوروبي بسبب سياسات أوربان وتقويضه للاستقلال القضائي، نحو 18 مليار يورو كانت محتجزة.

وأضف إلى ذلك تراجع الاستثمار، فقد انخفضت الاستثمارات في المجر بنحو الربع مقارنة بما كانت عليه قبل جائحة كورونا، بينما زادت في شرق ووسط أوروبا ككل بنسبة 15%. وهذا وضع يداً على تنافسية الاقتصاد المجرّي، وجعل الاستهلاك الخاص المحرك الرئيسي للنمو، في حين تصدّرت الشركات منخفضة الإنتاجية النشاط الاقتصادي، ما انعكس سلباً على القدرة التنافسية.

الإفراط في السياسات الشعبوية

ولجأ أوربان إلى سياسات استهلاكية مكثفة، منها رفع الحد الأدنى للأجور وزيادات في المعاشات وإعفاءات ضرائبية للأمهات، ودعم العقارات الأولى للأسر. لكن هذه السياسات، رغم دفعة قصيرة الأجل، قوضت اقتصاد الإنتاج، فالتضخم وصل إلى نحو 25% عام 2022، والعملة المحلية (الفورنت) ضعفت، ما اضطر البنك المركزي لرفع سعر الفائدة إلى ما يقارب 7% لعشر سنوات، وهو ما رفع كلفة خدمة الدين وسحب موارد الدولة نحو الفوائد.

سياسة أوربان القومية المحافظة ليست كفيلة بضمان "مجد ذهبي" للمجر كما وَعَد. فالتركيز على الاستهلاك دون استثمار وإنتاجية، والهجرة المستمرة للكوادر، والاعتماد على الطاقة الروسية رغم السياسة الأوروبية الموحدة، كلّها عوامل تشير إلى أن مستقبل المجر الاقتصادي مهدد بخطر أكبر من مجرد ركود. ومع الانتخابات البرلمانية المرتقبة في إبريل/نيسان، يبدو أن أوربان يواجه اختباراً أكبر من أي وقت مضى: هل سيستمر في هيمنته أم أن التحوّل في الأجيال والمغتربين سيُعيد رسم المستقبل؟

المساهمون