الهند والاتحاد الأوروبي على أعتاب اتفاق تجاري تاريخي

29 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 15:03 (توقيت القدس)
مقرّ مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، 13 يونيو 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يلتقي مفاوضو الهند والاتحاد الأوروبي في نيودلهي لمعالجة قضايا مثل الحواجز التجارية على الصلب والسيارات، بهدف إتمام اتفاق تجاري بحلول نهاية العام، وسط ضغوط دولية متزايدة لتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية.

- تواجه المفاوضات تحديات كبيرة، منها ضريبة الكربون على الحدود والرسوم الجمركية الهندية المرتفعة، مما يعكس التوترات بين المصالح الاقتصادية والالتزامات البيئية التي يجب معالجتها لتحقيق اتفاق متوازن.

- تأتي المفاوضات في سياق دولي مضطرب، حيث تسعى الهند لتوسيع أسواقها والاتحاد الأوروبي لدخول سوق الهند الضخم، مما يمنح الطرفين قاعدة لمواجهة التوترات التجارية العالمية.

يلتقي مفاوضو الهند والاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل لمعالجة القضايا الحساسة، بما في ذلك الحواجز التجارية على الصلب والسيارات، فيما يسابق الطرفان الزمن لإتمام اتفاق تجاري بحلول نهاية العام، وسيزور فريق من الاتحاد الأوروبي برئاسة مسؤول تجاري كبير العاصمة نيودلهي الأسبوع المقبل، بهدف تحقيق خاتمة بناءة، وفقاً لبيان صادر عن وزارة التجارة والصناعة الهندية اليوم الأربعاء، وفق ما ذكرت وكالة بلومبيرغ.

وكان وزير التجارة الهندي بيوش غويال قد التقى مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة والأمن الاقتصادي، ماروش شيفتشوفيتش، في بروكسل هذا الأسبوع، لدفع المفاوضات التجارية قدماً، بعدما اتفق قادة الجانبين على اختتام المحادثات قبل نهاية العام. وقال غويال في وقت سابق من هذا الأسبوع إن الجانبين قلّصا كثيراً القضايا العالقة. 

ومع ذلك، فإنّ بعض لوائح الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ضريبة الكربون على الحدود، لا تزال تتطلب مزيداً من المناقشات، وفقاً لبيان الهند يوم الأربعاء، وجاء في البيان: "اتّفق الجانبان على العمل عن كثب لإنهاء خطوط التعرفة الصناعية غير الحساسة"، مضيفاً: "كما اتفقا على أن القضايا المتعلقة بالصلب والسيارات وآلية تعديل الكربون على الحدود وغيرها من لوائح الاتحاد الأوروبي لا تزال تتطلب مزيداً من النقاش نظراً لحساسيتها العالية".

يسعى كلّ من الهند والاتحاد الأوروبي إلى إبرام اتفاق تجاري يمنح وصولاً أسهل إلى أسواق بعضهما البعض، في وقت تعيد فيه إجراءات الرسوم الجمركية التي يتّخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشكيل تدفقات التجارة العالمية، وقد تعرضت نيودلهي لرسوم عقابية بنسبة 50% على صادراتها إلى الولايات المتحدة، جزئياً بسبب مشترياتها من النفط الروسي، بينما يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطاً متزايدة من واشنطن لتقديم مزيد من التنازلات التجارية. وفي بروكسل، ناقش غويال أيضاً ضرورة تسهيل دخول السلع الهندية المصنعة في القطاعات كثيفة العمالة إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.

تجدر الإشارة إلى أنّ الاتحاد الأوروبي والهند يجريان مناقشات حول اتفاق تجارة حرة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، لكن حالة عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية العالمية أعطت المحادثات زخماً جديداً. ولم تتمكّن الدولة الواقعة في جنوب آسيا بعد من التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، رغم أن مسؤولاً في نيودلهي قال الأسبوع الماضي إنّ الاتفاق بات في الأفق، كما سرّعت نيودلهي وتيرة محادثات التجارة الحرة مع عدد من الدول، من بينها نيوزيلندا وتشيلي وبيرو وعُمان، لتعويض فقدانها الوصول إلى السوق الأميركية بسبب الرسوم المرتفعة. وقد وقّعت الهند بالفعل اتفاقية تجارة حرة شاملة مع المملكة المتحدة هذا العام، في إشارة إلى استعدادها لإبرام اتفاقيات حديثة وطموحة.

تأتي المفاوضات بين الهند والاتحاد الأوروبي في لحظة حاسمة بالنسبة للطرفَين، إذ يشهد النظام التجاري العالمي إعادة تشكيل واسعة بفعل الحروب التجارية، وتزايد النزعات الحمائية، وتنامي المنافسة الجيوسياسية على الأسواق وسلاسل الإمداد. ومنذ انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تسعى بروكسل إلى تنويع شراكاتها التجارية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة والصين. وتمثل الهند، بثقلها الديموغرافي واقتصادها المتنامي الذي يقترب حجمه من 4 تريليونات دولار، فرصة استراتيجية للاتحاد الأوروبي الذي يطمح إلى دخول سوق يبلغ عدد سكانه أكثر من 1.4 مليار نسمة.

أما نيودلهي، فهي تنتهج سياسة الانفتاح الانتقائي على الشركاء التجاريين، بعد سنوات من الحذر من الاتفاقات متعدّدة الأطراف. وتأتي محاولاتها لتسريع الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي في ظلّ ضغوط داخلية وخارجية: داخلياً لمواجهة تباطؤ الصادرات وتراجع الطلب العالمي، وخارجياً لتقليل اعتمادها على السوق الأميركية، التي فرضت عليها رسوماً عقابية بنسبة 50%، خاصة على السلع المرتبطة بسلسلة إمداد الطاقة الروسية.

أهمية الاتفاق للطرفين

الاتحاد الأوروبي هو بالفعل أكبر شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة، إذ بلغت التجارة الثنائية بين الجانبين نحو 155 مليار دولار في عام 2023، وفق بيانات المفوضية الأوروبية. ومع ذلك، تظل الصادرات الهندية محدودة في بعض القطاعات الحيوية، مثل المنسوجات، والمجوهرات، والمنتجات الزراعية، بسبب القيود التنظيمية الأوروبية الصارمة.

من جانبها، تسعى بروكسل إلى خفض الرسوم الجمركية المرتفعة التي تفرضها الهند على السيارات الأوروبية والمنتجات الصناعية والصلب، والتي تصل في بعض الحالات إلى أكثر من 100%. وتشكل هذه النقطة إحدى العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق، إلى جانب اعتراض الهند على آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، التي ترى فيها تدبيراً يحدّ من تنافسية صادراتها.

السياق الدولي وتأثير سياسات ترامب

تؤثر سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية على مسار هذه المفاوضات، إذ أدى رفع الرسوم الجمركية الأميركية على واردات عديدة إلى إعادة توجيه التدفقات التجارية نحو أسواق بديلة، ما حفّز الهند والاتحاد الأوروبي على الإسراع في توقيع اتفاقيات ثنائية. ويخشى الطرفان من أن تؤدي العودة إلى سياسة أميركا أولاً إلى موجة جديدة من الحمائية قد تُفقدهما جزءاً من حصتهما في التجارة العالمية، خصوصاً مع تسارع سباق الدعم الصناعي بين واشنطن وبروكسل في مجالات التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.

اقتصاد دولي
التحديثات الحية

تحوّلات في نهج نيودلهي التجاري

تظهر تحركات الهند الأخيرة، ولا سيّما توقيعها اتفاقية تجارة حرة مع المملكة المتحدة في وقت قياسي، تحوّلاً في سياستها التجارية التي كانت تتسم بالتردّد والانغلاق، كما دخلت في مفاوضات متقدمة مع نيوزيلندا وتشيلي وبيرو وعُمان، في محاولة لتوسيع أسواقها وتعويض تراجع نفوذها التجاري في الولايات المتحدة، وتعكس هذه المقاربة الجديدة طموح الهند لتصبح مركزاً صناعياً عالمياً، مستفيدة من تحول الشركات الغربية نحو "تنويع سلاسل الإمداد" بعيداً عن الصين.

ورغم التقدم المعلن، لا تزال الخلافات حول الملفات البيئية والعمالية تشكل عقبة أمام الاتفاق النهائي. فالاتحاد الأوروبي يربط أيّ اتفاق تجاري بمعايير صارمة تتعلق بالاستدامة وحقوق العمال والمناخ، في حين ترى نيودلهي أن تلك المعايير تُستخدم أداةً حمائية غير معلنة، كما أن تطبيق آلية تعديل الكربون الأوروبية يهدّد قطاعات الصلب والإسمنت الهندية، التي تعتمد على الفحم، ما قد يقلّص تنافسيتها في السوق الأوروبية.

في ضوء هذه المعطيات، تمثل المفاوضات الحالية اختباراً لقدرة الهند والاتحاد الأوروبي على تجاوز الخلافات الاستراتيجية وتحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والالتزامات البيئية، نجاح الاتفاق سيمنح الطرفَين قاعدة متينة لمواجهة التوترات التجارية العالمية، فيما سيعزّز فشل المفاوضات الاتجاه نحو تكتلات اقتصادية مغلقة تعيد رسم خريطة التجارة الدولية.

المساهمون