الهند تقلص اعتمادها على غاز الشرق الأوسط وتراهن على الطاقة الأميركية
استمع إلى الملخص
- تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية الهند لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط، مع اعتبار الولايات المتحدة شريكاً اقتصادياً جذاباً بفضل وفرة إنتاجها من الغاز الطبيعي.
- تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة يحمل بعداً سياسياً للهند لمواجهة النفوذ الصيني، بينما يشكل تحدياً لدول الخليج التي تعتمد على الطلب الهندي.
قالت مصادر مطلعة إن الهند تخطط لخفض واردات غاز البترول المسال من الشرق الأوسط، مع سعي شركات التكرير الحكومية إلى زيادة المشتريات من الولايات المتحدة، بما يعزز جهود نيودلهي للتوصل إلى اتفاق تجاري أوسع نطاقاً مع واشنطن. وأوضحت المصادر، التي طلبت عدم كشف هويتها، أن شركات التكرير الحكومية أبلغت بالفعل موردي غاز البترول المسال المعتادين في السعودية والإمارات والكويت وقطر بشأن الخفض المحتمل لمشترياتها من الغاز، وفقاً لوكالة "رويترز".
ولم يتضح بعد حجم التخفيض المزمع في إمدادات غاز البترول المسال من الشرق الأوسط، إلا أن "رويترز" كانت قد ذكرت، في يوليو/ تموز، أن الهند تهدف إلى الحصول على نحو 10% من وارداتها من غاز الطهي من الولايات المتحدة ابتداءً من عام 2026. وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى واشنطن في فبراير/ شباط، تعهدت الهند برفع قيمة مشترياتها من الطاقة الأميركية من 10 مليارات دولار إلى 25 مليار دولار، إذ يستهدف البلدان رفع حجم التجارة الثنائية إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030. ويزور حالياً مسؤولون هنود واشنطن لإجراء محادثات تجارية.
ولم ترد شركات تكرير النفط الحكومية الهندية، ولا الشركات المنتجة للنفط في الشرق الأوسط في الكويت وقطر والإمارات، على رسائل "رويترز" عبر البريد الإلكتروني للحصول على تعليق، كما أحجمت شركة أرامكو السعودية عن التعليق. وفي عام 2024، أشارت بيانات حكومية إلى أن الدولة الواقعة في جنوب آسيا استوردت نحو 65% من استهلاكها من غاز البترول المسال البالغ 31 مليون طن. واستوردت شركات التكرير الهندية نحو 90% من احتياجاتها، التي تبلغ نحو 20.4 مليون طن، بموجب صفقات محددة الأجل مع دول، من بينها الإمارات وقطر والكويت والسعودية.
وفي إبريل/ نيسان، ذكرت "رويترز" أن الهند تعتزم إلغاء ضريبة الاستيراد على بعض المنتجات الأميركية، بما في ذلك غاز البترول المسال، في إطار اتفاقية تجارية أوسع نطاقاً. وقالت المصادر إن الهند استوردت في عام 2024 نحو 8.1 ملايين طن من غاز البترول المسال من الإمارات، و5 ملايين طن من قطر، و3.4 ملايين طن من الكويت، و3.3 ملايين طن من السعودية، إلى جانب كميات صغيرة من البحرين وسلطنة عمان.
وتأتي هذه الخطوة الهندية في إطار مساعٍ استراتيجية لتنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الشرق الأوسط، الذي شكّل لعقود المصدر الرئيس لواردات الطاقة الهندية. فالهند، بصفتها ثالث أكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الصين والولايات المتحدة، تواجه تحديات متزايدة لتأمين احتياجاتها من الوقود في ظل تقلبات الأسعار العالمية وتوترات المنطقة، خصوصاً في الخليج الذي يُعدّ شريان الطاقة العالمي.
كما تمثل الولايات المتحدة شريكاً اقتصادياً جذاباً للهند في ضوء وفرة إنتاجها من الغاز الطبيعي وسعيها لتوسيع صادراتها من غاز البترول المسال إلى الأسواق الآسيوية. ويُعدّ هذا التحول جزءاً من إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تسعى الدول الكبرى إلى تنويع مصادرها وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالإمدادات.
من جهة أخرى، فإن تعزيز العلاقات التجارية مع واشنطن يحمل بعداً سياسياً واستراتيجياً واضحاً، إذ ترى نيودلهي في هذا التقارب وسيلة لتعزيز موقعها في مواجهة النفوذ الصيني في آسيا، واستقطاب استثمارات أميركية إضافية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والبنية التحتية. وفي المقابل، قد يشكّل هذا التحول تحدياً لدول الخليج، التي اعتمدت طويلاً على الطلب الهندي كعنصر أساسي في توازن صادراتها النفطية والغازية. ومع تنامي الاتجاه نحو الطاقة النظيفة في العالم، تبدو هذه الدول مضطرة إلى إعادة صياغة سياساتها التسويقية وتنويع أسواقها للحفاظ على مكانتها في سوق الطاقة العالمية.
ويعكس القرار الهندي المحتمل بخفض واردات غاز البترول المسال من الشرق الأوسط تحوّلاً تدريجياً في توجهات نيودلهي الاقتصادية والجيوسياسية، نحو شراكات أكثر تنوعاً واستقراراً. وإذا ما نجحت هذه الاستراتيجية، فقد تعيد رسم موازين تجارة الطاقة بين آسيا والخليج، لتفتح مرحلة جديدة من التنافس بين المنتجين التقليديين في الشرق الأوسط والمصدرين الجدد في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبقى نجاح الهند في تحقيق هذا التوازن رهناً بقدرتها على تأمين عقود طويلة الأمد بأسعار تنافسية، في سوق تتجه نحو اضطرابات مستمرة وتغيرات جذرية في أنماط الطلب العالمي على الطاقة.
(رويترز، العربي الجديد)