الهند تربح على كل الجبهات... مكاسب من تخلي ترامب عن حلفاء أميركا واستهداف خصومها

20 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 01:24 (توقيت القدس)
ترامب خلال مؤتمر صحافي مع مودي في البيت الأبيض بواشنطن، 13 فبراير 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التحولات الجيوسياسية والاقتصادية: تستفيد الهند من التغيرات في المصالح العالمية بقيادة ترامب، بتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة عبر صفقات تجارية واستراتيجية، والتقارب مع أوروبا وروسيا لتعزيز مكانتها كحليف موثوق.

- التحديث الاقتصادي والعسكري: تدرك الهند أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة لتسريع التحديث الاقتصادي والعسكري، وتعزز التعاون الدفاعي والتكنولوجي، مما يعكس تحولاً في سياستها التقليدية بعدم الانحياز.

- إعادة هيكلة سلاسل التوريد: أصبحت الهند وجهة موثوقة للشركات العالمية، مثل "آبل"، لنقل جزء من إنتاجها، مما يعزز مكانتها كمركز صناعي عالمي بفضل وفرة القوى العاملة وارتفاع إنفاق المستهلكين.

تبدو الهند مستفيدة، إلى حد كبير، من التغير الحاصل في خريطة المصالح العالمية التي يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إحداثها بشكل سريع في ظل سياساته، سواء تجاه حلفاء واشنطن التاريخيين، الذين يبدو أنه يتخلى عنهم، أو خصومها الذين يجري استهدافهم بقيود تجارية واسعة وعقوبات.

وفي ظل التغير العالمي الحاصل تجد نيودلهي نفسها في وضع اقتناص الفرص، إذ تعرض نفسها على أنها حليف موثوق لواشنطن ومكان مربح لشركاتها، حيث بادرت بالإعلان عن صفقات لشراء الغاز الأميركي وخفض الجمارك على السلع الأميركية للتودد إلى ترامب، كما تتلهف للتوصل إلى تسوية بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية لإضفاء شرعية على استيراد النفط الروسي، حيث تعد من أكبر مستهلكي النفط في العالم، وفي مقدمة مستهلكي الطاقة إلى جانب الصين، وتتخذ الهند كذلك خطوات كبيرة للتقارب مع الأوروبيين.

وفي واشنطن حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس الماضي، تمكن رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، من رؤية كيف يعمل ترامب على تخفيف التزامات الولايات المتحدة تجاه أوروبا، والتواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومع رؤيته لأميركا أولاً، يبحث ترامب الآن عن صفقات ثنائية مع قوى أخرى لتأمين المصالح الأميركية، وإذا نجح ترامب في ذلك، فقد يصبح التعدد المحاذي هو القاعدة بين القوى الكبرى في النظام الدولي.

وفي دفع الهند إلى الاقتراب من الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى، يتخلى مودي عن أحد المبادئ المهمة، ولكن غير المعلنة لسياسة عدم الانحياز الهندية القديمة، المتمثلة في الحفاظ على مسافة سياسية من واشنطن بشأن القضايا العالمية والإقليمية. وفي الوقت نفسه، اختار مودي الحفاظ على شراكة الهند القديمة مع روسيا، مع الحفاظ على حوار صعب مع الصين وسط التوترات الحدودية المستمرة والعجز التجاري المتزايد. وفي عهد مودي، أنهت نيودلهي أيضاً لامبالاتها المطولة تجاه أوروبا من خلال تكثيف المشاركة مع القوى الرئيسية، بما في ذلك فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكذلك الاتحاد الأوروبي في بروكسل.

تسريع التحديث الاقتصادي والعسكري

ولكن لا يمكن إنكار مركزية الولايات المتحدة في تعدد التحالفات في الهند. ويدرك الواقعيون في نيودلهي أهمية الشراكة مع واشنطن لتسريع التحديث الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري. واستشعاراً لمدى التغير الذي تقوده الإدارة الأميركية الحالية، دفعت نيودلهي إلى عقد اجتماع مبكر بين مودي وترامب من شأنه أن يضفي الاستقرار على العلاقات بين البلدين.

وبإدراك أهمية الهجرة غير الشرعية والتعريفات الجمركية للإدارة الحالية في واشنطن، تحركت حكومة مودي بسرعة لمعالجة كلتا القضيتين. ووافقت على ترحيل المهاجرين غير المسجلين إلى الهند وتسريع المفاوضات بشأن اتفاقية تجارية. وفي وقت سابق من فبراير/شباط، أعلنت الهند بالفعل أنها ستخفض بعض الرسوم الجمركية، بما في ذلك على السيارات والدراجات النارية الراقية، التي تؤثر إيجاباً على المنتجين الأميركيين، كما تستكشف إمكانية زيادة واردات الطاقة من الولايات المتحدة، بما في ذلك النفط والغاز والمفاعلات النووية.

كانت الهند أكبر مشترٍ للنفط الأميركي في 2021، حيث استوردت حوالي 406 آلاف برميل يومياً، أو ما يعادل 14.5% من إجمالي الصادرات الأميركية، بحسب بيانات شركة "كبلر" العالمية لتتبّع شحنات النفط والغاز. لكن هذا الرقم انخفض. وخلال أول 11 شهراً من 2024، مثلت الصادرات الأميركية أقل من 5% من إجمالي واردات الهند، مع عزوف مصافي التكرير عن الشراء من الموردين التقليديين والاتجاه إلى الخام الروسي الأقل سعراً. وبعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات أشد صرامة على تجارة الوقود الهيدروكربوني الروسي في وقت سابق من هذا العام، تعمل الهند (ثالث أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم) على تطوير سلاسل التوريد المتعطلة سعياً للحفاظ على استمرار تدفقات الخام الأقل سعراً.

وتُعد الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري للهند بعد الصين، حيث بلغ إجمالي حجم التجارة ما بين شهري إبريل/نيسان ونوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلى 82.5 مليار دولار. غير أن صادرات الهند استقرت عند 52.9 مليار دولار مقابل مجموعة من المنتجات المستوردة بقيمة 29.6 مليار دولار، ما أدى إلى فجوة قد تعرّض الدولة الجنوب آسيوية إلى فرض الإدارة الأميركية رسوماً جمركية انتقامية.

وقال وزير خارجية الهند، فيكرام ميسري، خلال مؤتمر صحافي في واشنطن، الخميس الماضي، بعد اجتماع مودي مع ترامب: "أعتقد أننا استوردنا منتجات طاقة أميركية بنحو 15 مليار دولار... هناك احتمال كبير لارتفاع هذا الرقم إلى ما يصل إلى 25 مليار دولار... ومن الممكن أن تسهم زيادة واردات الطاقة في التأثير على عجز الميزان التجاري بين الهند والولايات المتحدة".

شراء الأسلحة والغاز والنفط من أميركا

وبجانب شراء الهند النفط والغاز من أميركا، يريد ترامب أن تشتري نيودلهي المزيد من الأسلحة المصنوعة في الولايات المتحدة، لذلك وافق مودي على إنجاز بعض الصفقات قيد التفاوض لفترة من الوقت في مقابل موافقة ترامب على مراجعة القيود الحالية على التعاون الدفاعي مع الهند والصادرات إليها. وبعيدًا عن الدفاع، قرر الزعيمان أيضًا البناء على التعاون واسع النطاق في التقنيات الحرجة والناشئة التي تم الاتفاق عليها في عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن. ونظراً للفجوات السابقة بين الوعد والأداء، يريد الجانبان رؤية نتائج ملموسة بحلول الوقت الذي يزور فيه ترامب نيودلهي لحضور قمة الحوار الأمني الرباعي في وقت لاحق من هذا العام.

وعلى النقيض من المخاوف واسعة النطاق في الهند من أن ترامب قد يحرج مودي علناً، أبدى الرئيس الأميركي قدراً كبيراً من حسن النية. ومن عجيب المفارقات أن كون الهند ليست حليفة أو متطفلة، بل شريكة راغبة وقادرة، يبدو أنه يمنحها مساحة أكبر للمناورة في واشنطن مقارنة بحلفاء الولايات المتحدة التقليديين هذه الأيام. وربما يكون جزء من المزيج أيضاً ميل ترامب المفترض إلى معاملة الزعماء الأقوياء، بمن في ذلك الخصوم، باحترام أكبر من زعماء الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، الذين يبدو أنه ينظر إليهم على أنهم ضعفاء أو خاضعون، وفق تحليل نشر في مجلة فورين بوليسي الأميركية.

مكاسب من التوصل إلى تسوية بين روسيا أوكرانيا

وتبدو الهند في وضع أفضل من أغلب القوى الكبرى في التعامل مع تعطيل ترامب للنظام العالمي الذي نشأ بعد عام 1945 وتوازن القوى. ويبدو ترامب متحمساً لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتحسين العلاقات مع بوتين. وسوف تستفيد الهند بشكل كبير إذا تحققت هذه النتائج. ويؤيد مودي مبادرة ترامب للسلام في أوكرانيا، بينما كان التعامل مع العواقب الاقتصادية والجيوسياسية للحرب في أوكرانيا يشكل تحدياً كبيراً للهند، لذا فإن أي تخفيف للصراع سيكون موضع ترحيب. وسوف تقدّر الهند بشكل خاص التأثير الذي قد تخلفه التسوية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن أوكرانيا وتخفيف العقوبات أو إزالتها على أسعار النفط. ونيودلهي مستهلك رئيسي للهيدروكربونات وتستورد معظمها.

وكان إحجام الهند عن إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 والزيادة الكبيرة في وارداتها النفطية من موسكو منذ عام 2022، محل انتقادات كثيرة في الغرب. وتسوية الصراع لن ترفع الحرج عن علاقات نيودلهي مع الغرب فحسب، بل ستحسن أيضاً من فرص آسيا الأكثر توازناً التي تهيمن عليها الصين الآن. كما أن الهند تأمل أيضاً أن يتمكن ترامب من إقناع بوتين باتباع سياسة أكثر استقلالية في آسيا، بدلاً من التملق باعتباره الأخ الأصغر للرئيس الصيني شي جين بينغ، وفق التحليل.

كذلك لدى نيودلهي الكثير لتكسبه من التقارب مع أوروبا. وستسافر رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، برفقة جميع مفوضي الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين، إلى نيودلهي، في وقت لاحق من فبراير/شباط الجاري، لإعادة تفعيل الشراكة الاستراتيجية الخاملة منذ فترة طويلة بين الكتلة الأوروبية والهند.

شركات أميركية ويابانية تتجه إلى سلاسل التوريد الهندية

وفي ظل التغيرات الحاصلة على العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية، تبدو الهند مكاناً موثوقاً من وجهة نظر العديد من الشركات، لاسيما العاملة في مجال التكنولوجيا، التي ترى أن الصين باتت محل ريبة بشأن العمل باستقرار، في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. وتبحث شركة "موراتا مانيوفاكتشرينغ"، المتخصصة في تصنيع مكونات هواتف "آيفون"، نقل جزء من إنتاجها إلى الهند، مما يعكس إعادة هيكلة عالمية لسلاسل التوريد باتجاه الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، وفق ما نقلت وكالة بلومبيرغ الأميركية، أمس.

وتُجري الشركة، التي تتخذ مقراً في كيوتو باليابان، والتي تصنع المكثفات الخزفية متعددة الطبقات، تقييماً للطلب المتزايد في السوق الهندية، وتدرس السيناريوهات المحتملة لتعزيز استثماراتها هناك، بحسب ما صرح به رئيسها نوريو ناكاجيما. وقال ناكاجيما: "كنا ننتج أحدث مكثفاتنا بشكل أساسي في اليابان، إلا أن العملاء يطالبوننا بتوسيع الإنتاج في الخارج، ويرجع ذلك جزئياً إلى خطط استمرارية الأعمال".

تُستخدم مكونات "موراتا" في معظم الأجهزة الإلكترونية، مثل الهواتف الذكية التي تنتجها شركتا "آبل" الأميركية و"سامسونغ إلكترونيكس" الكورية الجنوبية، وخوادم "إنفيديا" الأميركية، وأجهزة ألعاب الفيديو التابعة لشركة "سوني غروب"، وكذلك في مروحية تابعة لوكالة "ناسا" على سطح المريخ.

حالياً، تنتج الشركة نحو 60% من مكثفاتها الخزفية متعددة الطبقات في اليابان، لكن من المرجح أن تنخفض هذه النسبة إلى حوالى 50% خلال الأعوام القادمة، وفقاً لما أكده ناكاجيما. كما تنوّع "آبل" عمليات التصنيع خارج الصين، حيث بدأت مؤخراً إنتاج سماعات الأذن اللاسلكية "إيربودز" في الهند بشكل تجريبي. كما يُتوقع أن يفتح العديد من المصنعين الصينيين للهواتف الذكية متوسطة الفئة السعرية مصانع في الهند، منجذبين لوفرة القوى العاملة في البلاد وارتفاع إنفاق المستهلكين.

المساهمون