استمع إلى الملخص
- التحديات الاقتصادية والاجتماعية: يسبب النمل الأبيض خسائر اقتصادية كبيرة، حيث تنخفض قيمة العقارات المصابة بنسبة 20%-35%، وتواجه الشركات الصغيرة تحديات بسبب الحاجة لاستبدال الأبواب والأرضيات.
- الحلول والتحديات الوقائية: غياب سياسات إلزامية لمكافحة النمل الأبيض يزيد من المشكلة، وتعمل وزارة الزراعة على تقديم الدعم للأسر المتضررة، مع التركيز على الأثاث والهياكل الخشبية.
في أحياء كثيرة داخل المدن المصرية، لم يعد تصدع الجدران أو تآكل الأبواب الخشبية مجرد مظاهر تقادم عمراني طبيعي، بل تحوّل في حالات متزايدة إلى علامة على خطر خفي يضرب الوحدات السكنية من الداخل: النمل الأبيض. هذه الحشرة الدقيقة، التي تعمل في صمت شبه كامل، باتت تمثل أزمة متنامية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية، تمتد من القرى إلى المدن الساحلية، ومن البيوت القديمة إلى العمارات الحديثة.
وعلى الرغم من أن النمل الأبيض ليس ظاهرة جديدة في مصر، فإن وتيرة انتشاره خلال السنوات الأخيرة أثارت قلقاً واسعاً بين المواطنين وخبراء العمران، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف البناء، وزيادة أسعار مواد التشطيب، وتراجع القدرة المالية للأسر على مواجهة أضرار مفاجئة قد تهدد سلامة مساكنهم. وبحسب مختصين في مكافحة الآفات، ينتشر النمل الأبيض بشكل واسع في محافظات الدلتا والصعيد والمناطق الساحلية، حيث الرطوبة المرتفعة والتربة الطينية، وهي عوامل مثالية لتكاثره، وهو ما سبَّب أضراراً كبيرة لعدد من المنازل، كما حدث في قرية الدير التابعة لمركز إسنا بمحافظة الأقصر جنوبي مصر، حيث انهارت ثلاثة منازل قديمة الأسبوع الماضي من دون وقوع إصابات بشرية، بحسب شهود عيان.
لكن في محافظة الإسكندرية شمالي مصر، بوصفها مدينة ساحلية ذات كثافة سكنية عالية، باتت خلال الأعوام الأخيرة واحدة من أكثر المحافظات تضرراً. ويشكو السكان من ظهور مفاجئ للنمل الأبيض داخل الشقق، وتلف الأبواب والشبابيك الخشبية، ووصول الضرر أحياناً إلى الدواليب والأسقف المستعارة، بل حتى هياكل الأثاث الثقيلة. يقول محمد حسن، موظف خمسيني يقيم في شقة قديمة بمنطقة ميامي: "استيقظنا يوماً فوجدنا تراباً أبيض ناعماً أسفل باب الغرفة، وبعدها اكتشفنا أن الباب فارغ من داخله، فاضطررنا إلى تغيير بابين، وبلغت تكلفة الإصلاح أكثر من 20 ألف جنيه، وما زالت المشكلة مستمرة".
اقتصادياً، لا تتوقف خسائر النمل الأبيض عند حدود الإصلاحات المباشرة، إذ تؤدي الأضرار التي تصيب الوحدات السكنية إلى انخفاض قيمتها السوقية، خاصة في سوق عقاري يعاني أصلاً تباطؤاً نسبياً، وارتفاعاً في الأسعار، وصعوبة في إعادة البيع أو التأجير.
ويؤكد أحد سماسرة العقارات في شرق الإسكندرية أن وجود إصابة موثقة بالنمل الأبيض داخل أي وحدة سكنية كفيل بخفض سعرها بنسبة تراوح بين 20% و35%، بحسب درجة التلف، وهو ما يمثل خسارة فادحة للمالكين، خصوصاً من يعتمدون على العقار مخزناً للقيمة. كما تمتد الخسائر إلى الشركات الصغيرة العاملة في مجال النجارة والتشطيبات، حيث يضطر أصحاب الوحدات إلى استبدال الأبواب والأرضيات الخشبية بشكل كامل بدلاً من الصيانة الجزئية، في ظل غياب ضمانات حقيقية تمنع عودة الإصابة.
وتعد مكافحة النمل الأبيض عملية مكلفة نسبياً، وتتطلب في أغلب الأحيان تدخل شركات متخصصة تستخدم مبيدات باهظة الثمن، مع تكرار المعالجة على فترات زمنية متقاربة. وتراوح تكلفة المكافحة لشقة متوسطة المساحة بين 8 و15 ألف جنيه، وقد تزيد إذا كانت الإصابة ممتدة داخل المبنى نفسه، بحسب ما يقول المهندس ماجد الكردي، مدير إحدى شركات مكافحة الآفات، لـ"العربي الجديد".
وتشير هبة ساجد، ربة منزل من منطقة أبو قير شرق الإسكندرية، إلى أن المشكلة لا تتوقف عند شقتها فقط، قائلة: "نلجأ إلى شركة متخصصة مرتين سنوياً، لكن ما دام العقار لا يخضع للإجراء نفسه في التوقيت ذاته، تعود الإصابة من جديد. المشكلة جماعية ولا يجدي تصرف كل ساكن بمفرده". وهنا تبرز معضلة اقتصادية إضافية تتعلق بغياب الحلول الجماعية داخل العقارات السكنية، وافتقار اتحادات الملاك إلى القدرة المالية والتنظيمية على التعامل مع الأزمة بشكل شامل.
وعلى المستوى الرسمي، لا توجد حتى الآن سياسات إلزامية واضحة لمكافحة النمل الأبيض ضمن اشتراطات البناء أو الصيانة الدورية، باستثناء بعض الإجراءات المحدودة في مشروعات الإسكان الجديدة. بدوره يؤكد حسين رزق، رئيس قسم الحشرات بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية سابقاً، لـ"العربي الجديد"، أن هناك نوعين من النمل الأبيض: النمل الخشبي الجاف، وهو أقل ضرراً، والنمل الأرضي، وهو الأخطر. ويوضح أن النوع الأرضي قادر على إصابة المنزل بالكامل خلال عام واحد، عبر مستعمرات ضخمة تشق أنفاقاً طينية دقيقة قد تمتد لعشرات الأمتار أسفل الأرضيات، ما يصعّب اكتشافه لفترات طويلة.
من جانبه، يرى المهندس أحمد أبو الحسن، خبير التخطيط العمراني، أن غياب المعالجة الوقائية خلال مراحل البناء، خصوصاً في المدن الساحلية، يعد سبباً رئيسياً لتفاقم الأزمة، مشدداً على أن تكلفة الوقاية أقل بكثير من تكلفة العلاج بعد انتشار الإصابة. وتؤكد وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ممثلة في الإدارة المركزية لمكافحة الآفات، تكثيف حملات المرور الميداني على المناطق المعرضة للإصابة، مع تقديم دعم للأسر غير القادرة. وأوضحت الوزارة أن الإصابات، رغم خطورتها على الأثاث، لا تؤدي علمياً إلى انهيار المباني الخرسانية، مؤكدة توافر بروتوكولات معتمدة للمكافحة والعلاج.