النفط والعام 2020

15 أكتوبر 2020
الصورة
شركات النفط الصخري الأميركي عاشت أكبر أزماتها
+ الخط -

ربما يَدْخل عام 2020 في التاريخ واحداً من أهم الأعوام التي شهدت أحداثاً كبرى غيّرت مفاهيم الناس، وجعلتهم يعيدون التفكير والتأمل في مجريات حياتهم العادية، ودفعتهم إلى مغادرة أماكن الراحة التي يقبعون فيها إلى المراجعة الذاتية، والتفكّر في المستقبل القريب.

ولعل أهم حدثين سيذكرهما الناس ليس احتمالية خسارة دونالد ترامب للرئاسة الأميركية في الانتخابات المقرر إجراؤها يوم الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني، بل إنهما انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد وانتشاره السريع، وكثرة الكوارث والفواجع الطبيعية التي حصلت فيه، خصوصاً الأعاصير البحرية والهبوب الصحراوي، والحرائق المستمرة الواسعة للغابات والأحراش في العالم.
ولقد أثّر هذان الحدثان بالعمق على أخذ دراسات البيئة بجدّية، وما كان يعتقد عند كثيرين أن علماء الحفاظ على البيئة كانوا يبالغون، إلى حد الخيال العلمي، في ترويجهم النتائج الكارثية التي تنتظر العالم، بات أمراً يرعب ناساً كثيرين، فعناد النيران في غابات كاليفورنيا وولايات واشنطن وأوريجون، وفي أستراليا، والبرازيل، وفي الصين، وَدُوَل جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا وبعض الدول الإفريقية. وكذلك كثرة الأعاصير والأنواء ورياح الهبوب، وما كبّدته للبشرية من قتل وتدمير جعل الناس يستفيقون على حقائق مريرة.
أصبح ارتفاع درجات الحرارة عالمياً (global warming) ظاهرة واضحة، فدرجات الحرارة التي سجّلت في مناطق كثيرة في العالم لا يمكن المرور عنها مرور الكرام. 
ووفقاً لمعلومات وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، فإن عام 2020 قد شهد في المعدّل ارتفاعاً قدره 2.14 درجة مئوية في كل شهر من السنة فوق المعدل للشهر نفسه منذ عام 1880 لكامل الكرة الأرضية. وبحسب الوكالة أيضاً، كانت درجات الحرارة في ربيع عام 2020 وصيفه ثاني أعلى درجة حرارة سجلت في التاريخ.

واجتماع الظاهرتين، كوفيد - 19 وَارتفاع درجات الحرارة، كانا لطمةً على وجه الإنسانية، منبهة إياها إلى ضرورة إعادة النظر في وسائل استهلاكها وإنتاجها، وضرورة أن تعيد البشرية، في مجموعها، النظر في أسلوب حياتها المدمر للبشر وللحيوان والشجر والحجر. وبحسب الإحصاءات المنشورة على الموقع المهم للطاقة "Global Petrol Prices.com"، فإن الطلب العالمي على النفط، بحسب القطاعات، يبرز النسب التالية: 45.5% لقطاع النقل، 19.9% لقطاع الصناعة، 11.6% لاستخدامات غير الطاقة، مثل مواد خام ومنتجات بتروكيماوية، وَ32.1% لباقي الاستخدامات، مثل ضخ المياه، تحلية المياه، توليد الكهرباء، وغيرها.
ويشكل النقل البري حوالي 33% من استهلاك الزيت الخام. وينظر إلى هذا الجزء بأنه واحد من أكبر ملوثات البيئة في العالم، على الرغم من التحسينات الكبيرة التي أُدخلت على صناعة السيارات والعوادم ووسائل الحرق في موتوراتها، وهذا الرقم هو المرشّح، بشكل كبير، للتراجع إذا نجحت صناعة البطاريات في زيادة الطاقة التخزينية لبطاريات السيارات، لكي تقطع السيارة الكهربائية مسافةً لا تقل عن ألف كيلومتر لكل شحنة. وإذا وصل العالم إلى هذا الرقم المفصلي، فإن منتج السيارات سوف يتغير كلياً، وسيكون لذلك أثر إيجابي كبير على البيئة. وإذا حصلت تطورات مشابهة في القطارات والطائرات، وفي أسلوب توليد الكهرباء، سوف يتراجع الطلب على النفط، ويزداد فيه الطلب على الكهرباء، خصوصاً إذا استطاع العلماء إيجاد تيار ثابت مستقر غير متقلب باستخدام الطاقة المتجدّدة.
وسوف يزداد الضغط العالمي من أجل الوصول إلى هذه الحالة. ولكن حتى تصل إلى ذلك الوضع، ويصبح في الوسع تخزين الطاقة الكهربائية بكميات ضخمة، وتنظيم التيار عبر شبكات التوزيع، فإننا قد نبقي توليد الكهرباء بالغاز، ما يعزّز الطلب على مادة الغاز مدة عقد إلى عقد ونصف من الزمان.
وقبل أيام توقعت وكالة الطاقة الدولية التي تتخذ من العاصمة الفرنسية مقراً لها انتعاش الطلب العالمي على الغاز ثلاثة بالمائة على أساس سنوي أو نحو 130 مليار متر مكعب ليصل الطلب إلى 4014 مليار متر مكعب في العام القادم.
وقد أثبتت الظواهر البيئية أن ارتفاع الحرارة في العالم من ناحية، وتغير المناخ وكثرة الكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى احتمال زيادة الأمراض ونشوء أنواع جديدة من الفيروسات والبكتيريا في العالم من ناحية أخرى، يملي على البشرية أن تجعل بقاءها وصيانة وجودها الهدف الأساس.

كشفت هذه المؤثرات والعوامل التي تجلت عام 2020 القناع عن التهديدات التي تنتظر البشرية، إذا لم تغير وسائلها، لأنها لم تعد مجرّد نظريات علمية يتصدّى لها السياسيون ورجال الأعمال، لأنها قد تتعارض مع مصالحهم، وإنما لأن الناس العاديين صاروا يدركون أثر هذه اللامبالاة البيئية على صحتهم، وعلى بقائهم، وبقاء ذرّياتهم من بعدهم.
ولهذا، فإن الاستثمار طويل الأجل في النفط الخام، وفي الفحم الحجري، والصخر الزيتي، والرمل الزيتي، سيكون مرشحاً لنكسة واضحة. وسيبدأ التحوّل نحو الطاقة النظيفة في العالم، لأن الغرض صار سريعاً، ولا يحتمل التأجيل.
أما النقطة المهمة الثانية، فإن الضرورة تملي إثارة السؤال: وماذا عن أسعار النفط؟ هل ستبقى عند مستواها الحالي بين 40 - 50 دولاراً للبرميل؟ أم أن أسعارها سوف تتقلب وتتغير، ولكن ضمن حدود؟ الجواب قد يخضع في المدى القصير لإدارة العرض وإدارة الطلب على النفط الخام.
ومن الواضح أن الشواهد والأدلة التي قدمها عام 2020 بتحدّياته وتقلباته ستترك أثراً عميقاً على مستقبل النفط الخام. ولا يُستبعد، إن خسر دونالد ترامب الانتخابات، فلربما سيتذكّره العالم آخر مدافع عن النفط الخام والصخر الزيتي.
ولو أضفنا عنف ما جرى في هذا العام، فإن العالم المجنون مضطرٌّ أن يستعيد توازنه وتفكيره العقلاني. لقد شهدنا فيه إعادة ولادة لفرانكنشتاين ودراكولا وصحبه من مصاصي الدماء.
آن للعالم أن يخرج إلى دنيا الواقع الذي ربما لا يقل غرابةً عن الخيال والعالم الافتراضي.