النفط الرخيص يربك موازنات الخليج... رهان الـ 70 دولاراً يصطدم بتوقعات هبوطية
- تتبنى دول الخليج، خاصة السعودية، تقديرات متحفظة لأسعار النفط في موازناتها، مع استمرار تنفيذ مشاريع "رؤية 2030" رغم العجز المالي، والتركيز على تنويع الاقتصاد من خلال تعزيز البنية التحتية الرقمية والصناعات والطاقة منخفضة الكربون.
- تواجه دول الخليج تحديات بسبب اعتمادها على الإيرادات النفطية، مما قد يضطرها لاتخاذ إجراءات تصحيحية، لكن بعض الدول مثل الكويت تمتلك صناديق سيادية ضخمة تمنحها مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات السوق.
قدمت توقعات سوق النفط لعامَي 2026 و2027 مؤشراً أقل بريقاً مما اعتادت عليه اقتصادات الخليج في سنوات الطفرة، لكنها ليست قاتمة بالقدر الذي يدفع إلى سيناريوهات صادمة؛ فالمؤسسات الدولية الكبرى ترسم صورة لأسعار تدور حول 55-60 دولاراً لبرميل برنت، مع تباطؤ في الطلب العالمي واتّساع فائض المعروض، بحسب تقدير صندوق النقد الدولي. لكن مقابل ذلك، تزداد قدرة دول الخليج على امتصاص الصدمات عبر مزيج من الضبط المالي والاعتماد المتدرج على إيرادات غير نفطية، إذ تشير أحدث توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أنّ متوسط سعر برنت قد يهبط إلى نحو 56 دولاراً للبرميل في 2026 ثم إلى 54 دولاراً في 2027، بعد متوسط يقدر بحوالى 69 دولاراً في 2025.
يأتي ذلك في حين يرجح البنك الدولي أن ينخفض متوسط برنت من 68 دولاراً في 2025 إلى 60 دولاراً في 2026، في سياق عام يتجه فيه مؤشر أسعار الطاقة إلى أدنى مستوى له منذ ستِّ سنوات تحت ضغط تباطؤ النمو واتّساع "فائض" النفط في السوق العالمية. هذه الصورة لا تعني انهياراً للأسعار، بقدر ما تعكس مرحلة "نفط أرخص ولكن ليس رخيصاً"، بحسب تعبير تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ما يضع دول الخليج أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على زخم الاستثمار وبين إعادة بناء الهوامش المالية. وتقدم موازنات دول الخليج، ولا سيّما السعودية، تقديراً أكثر تحفّظاً حيال مسار النفط من كثير من بيوت الخبرة، إذ تضمنت الموازنة السعودية لعام 2026 سعراً ضمنياً يقارب 72 دولاراً للبرميل، أي أعلى من متوسطات 56–60 دولاراً التي تراها المؤسسات الدولية، ما يؤشر إلى رهان الرياض على مزيج من تحسن الأسعار وارتفاع الإنتاج بعد التلاشي الكامل لتخفيضات "أوبك+"، مع الاستمرار في قبول عجز مالي محدود مقابل عدم إبطاء مشاريع "رؤية 2030".
وفي المقابل، توضح تقارير استشارية أنّ هذا "التفاؤل المحسوب" يتكئ على أوضاع دين عام ما زالت مريحة نسبياً، وعلى شبكة واسعة من أصول صناديق الثروة السيادية، أكثر منه على رهان قصير الأجل على دورة نفطية صاعدة، بحسب تحليل معهد الدراسات العالمية للطاقة. ومع ذلك، لا تتعامل معظم الحكومات الخليجية مع سيناريو النفط الأقل سعراً بمنطق الانكماش التقليدي، بقدر ما تعيد توزيع أوراق الإنفاق العام؛ فبرامج التحوّل الاقتصادي تتقدم من خلال إعطاء أولوية أكبر لمشروعات البنية التحتية الرقمية، واللوجستيات، والصناعة، والطاقة منخفضة الكربون، مع تحفيز الشراكات بين القطاعَين العام والخاص وعمليات الخصخصة لتمويل جزء من الاستثمارات بدلاً من تحميل الموازنات كامل العبء، حسب ما أورد تقرير نشرته شركة برايس ووترهاوس كوبرز PwC الاستشارية.
عوامل استقرار الأسعار
وفي هذا الإطار، يشير الخبير في الشؤون النفطية أحمد حسن كرم، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ مستوى أسعار النفط في الآونة الأخيرة، الذي يدور حول مستوى 60 دولاراً للبرميل، يوازي تقريباً المعدل المسجل خلال العام الماضي، ويتوافق مع توقعات صندوق النقد الدولي لعامَي 2026 و2027، التي ترجّح استقرار الأسعار عند هذا النطاق، لافتاً من جهة أخرى، إلى أنّ العديد من المراقبين يرون أن هذه المستويات ستستمر في الفترة المقبلة، نتيجة عوامل متعدّدة. ومن أبرز تلك العوامل، بحسب كرم، ضعف الطلب العالمي على النفط، وارتفاع مستويات الإنتاج، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي في الدول الكبرى، فضلاً عن قدرة الولايات المتحدة على الاستيلاء على الاحتياطيات النفطية الفنزويلية واستغلالها متى شاءت، ما يمنحها نفوذاً إضافياً داخل منظمة أوبك عبر حليفتها فنزويلا.
ويوضح كرم أن استمرار أسعار النفط عند مستوياتها الحالية لا يتماشى مع هيكل الإنفاق في الدول الخليجية، التي تعتمد موازناتها بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، فمعظم هذه الدول تحتاج إلى مستويات سعرية أعلى بكثير من الستين دولاراً لتحقيق التوازن بين إيراداتها ومصروفاتها دون تسجيل عجز مالي، ونتيجة لذلك قد تضطر الحكومات الخليجية إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية تشمل خفض الإنفاق العام، وقد يترتب على ذلك تباطؤ في تنفيذ بعض المشاريع الحيوية. ولذا؛ يشدد كرم على ضرورة أن تركز الدول الخليجية بجديّة على تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، والاستفادة من استثماراتها الخارجية في دعم هذا التحوّل، إلى جانب تبسيط وتسهيل إجراءات دخول الاستثمارات الأجنبية، بهدف تخفيف العبء على الميزانيات الحكومية وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية في تمويل الإنفاق الجاري والرأسمالي.
تقلبات كبيرة
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي وضاح طه، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ الضغوط الهبوطية على أسعار النفط تأتي نتيجة ارتفاع المعروض من الخام مقارنة بالطلب العالمي، رغم التوقعات بارتفاع طفيف في الاستهلاك خلال عامَي 2026 و2027، لافتاً إلى أن تقديرات أوبك تشير إلى زيادة في الإنتاج بمقدار 1.34 مليون برميل يومياً في 2026، ونحو 1.18 مليون برميل يومياً في 2027. مع ذلك، تبقى الأسعار عرضة لتقلبات كبيرة، بحسب طه، إذ تتفاوت التقديرات بين الجهات المختلفة، لكن من بينها ما يبدو أكثر منطقية، حسب تحليله، مثل توقعات صندوق النقد الدولي التي تضع متوسط سعر النفط عند 62 دولاراً للبرميل في 2026، مع ارتفاع طفيف إلى 62.17 دولاراً في 2027، ما يعكس حالة من الاستقرار النسبي.
ويضيف طه أن هذه التوازنات الهشة قد تتأثر بعوامل خارجية، كزيادة الإنتاج من دول غير أعضاء في أوبك أو أوبك+، فضلاً عن المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة، خاصة في حال تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع حاد وغير متوقع في الأسعار يتجاوز الحدود المقدرة حالياً. ويلفت طه إلى أنّ المستويات الحالية للأسعار تمثل تحدياً كبيراً للدول المنتجة، إذ تقع دون نقطة التعادل المالي لمعظمها، ما يهدد موازناتها بعجز مالي، وتتأثر بهذه الظاهرة دول تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، كالعراق الذي يستمد أكثر من 90% من إيراداته الحكومية من النفط، ما يضعه في موقف حرج يتطلب البحث عن مصادر بديلة لتمويل العجز.
أما الكويت، فعلى الرغم من احتمال تأثر موازنتها، فإنها تمتلك صندوقاً سيادياً ضخماً يمكنه سدّ الفجوة المالية عند الحاجة، بحسب طه، الذي يشير في الوقت ذاته إلى أنّ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في دول الخليج تبقى منخفضة نسبياً، ولا تمثل خطراً مالياً مباشراً في دول مثل الكويت والسعودية والإمارات. ويرى طه أن هذا الوضع يمنح هذه الدول هامشاً أكبر للمناورة، خاصة مع تنامي مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد، إذ تجاوزت نسبتها 50% من الناتج المحلي الإجمالي في الإمارات، فيما تسجل السعودية تقدماً ملحوظاً في هذا المجال أيضاً. ويخلص طه إلى أنّ هذه البيئة السعرية تتطلب اعتماد سياسات اقتصادية مرنة تأخذ في الاعتبار مختلف السيناريوهات المحتملة؛ نظراً لوجود عوامل متعدّدة قد تتفاعل في أي وقت وتُحدث تغييرات جذرية في سوق النفط العالمية.