النحاس يشتعل عالمياً... بين فاتورة الواردات وعوائد الصادرات العربية
استمع إلى الملخص
- يتزايد التفاؤل بمستقبل النحاس لدوره في التحول الكهربائي والطاقي، حيث ارتفعت أسعاره بنسبة 30% هذا العام، مع سعي التجار لجلبه إلى الولايات المتحدة قبل فرض الرسوم.
- تتحول المنطقة العربية إلى خريطة نحاس حقيقية مع احتياطيات كبيرة وصادرات تتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار سنويًا، مع مشاريع جديدة في عُمان والسعودية والمغرب.
ارتفع سعر النحاس إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في بورصة لندن للمعادن، اليوم الاثنين، وسط مخاوف من أن السوق العالمية تتجه نحو أزمة معروض. وارتفع سعر المعدن بنسبة 0.9% ليصل إلى 11.294.5 دولاراً للطن في لندن، بينما ارتفعت العقود الآجلة في بورصة "كومكس" الأميركية بنسبة 1.6%. ويبدو أن الإسراع في استيراد النحاس إلى أميركا قبل فرض رسوم جمركية محتملة على الواردات سيفاقم النقص في المعروض في أماكن أخرى، حيث تكافح شركات التعدين لمواكبة الطلب المتزايد.
سبب الارتفاع
وجاءت الارتفاعات الحادة في أسعار النحاس المسجلة اليوم بعد مؤتمر رئيسي للنحاس في شنغهاي الأسبوع الماضي، والذي سلّط الضوء على ضغوط على المعروض بعد عام من انقطاعات مفاجئة في المناجم. إذ تواجه مصاهر النحاس محادثات صعبة مع شركات التعدين بشأن المعروض السنوي من الخام، في حين ارتفعت علاوات الأسعار السنوية، في وقت حذرت شركة التجارة الرئيسية "ميركوريا إنرجي غروب" المحدودة، من نقص في المعادن العام المقبل. كما سبق أن أجج إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات النحاس من بداية أغسطس/آب المقبل الأسواق العالمية، إذ ارتفعت أسعار النحاس في الولايات المتحدة بحدة منذ يناير/كانون الثاني الماضي عندما بدأ ترامب التلويح بفكرة فرض الرسوم، قبل أن يؤجل تطبيقها.
وقال الخبير الاقتصادي البرازيلي أوتافيو كوستا في منشور له على منصة إكس "دعونا لا ننسى أن النحاس يبدو على أعتاب اختراق كبير قد يؤدي أيضاً إلى مرحلة اكتشاف سعره حقيقي، في رأيي". بينما أشار الخبير الاقتصادي والحاصل على تقدير صحيفة التايمز اللندنية لتوقعه الأزمة المالية العالمية، جيسي كولومبو إلى أن صعود النحاس الصاروخي سيدفع الفضة إلى الارتفاع أيضاً بسبب العلاقة الوثيقة بينهما.
التفاؤل مستمر
وكان العديد من المستثمرين متفائلين بشأن النحاس نظراً لدوره الأساسي في التحول الكهربائي وتحول الطاقة، وقد ارتفع الآن بنسبة تقارب 30% هذا العام في بورصة لندن للمعادن، المؤشر القياسي العالمي. وقد حمله ارتفاع بورصة كومكس اليوم الاثنين إلى أعلى مستوى له منذ 30 يوليو/تموز، قبيل انهيار الأسعار في أعقاب تأجيل الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره بشأن الرسوم الجمركية على المعادن إلى عام 2026. ويسعى التجار جاهدين لجلب المعدن إلى الولايات المتحدة، حيث لا تزال الأسعار أعلى من أسعار لندن، وسط توقعات بفرض ترامب رسوماً جمركية على الواردات العام المقبل.
Aside from this exciting moment for silver:
— Otavio (Tavi) Costa (@TaviCosta) November 30, 2025
Let us not forget that copper appears to be on the cusp of a major breakout — one that could also lead to a true price-discovery phase, in my view.
Few resources are more essential than copper for what the world is trying to build:… pic.twitter.com/OREIkTpddQ
الفوائد في المنطقة العربية
وأشارت تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في 2 مايو/أيار 2025 حول دور النحاس في الاقتصاد الأخضر والرقمي الجديد إلى أن المنطقة العربية بدأت تتحول تدريجياً إلى خريطة نحاس حقيقية، تجمع بين احتياطيات منجمية كبيرة تمتد من الأطلس المغربي إلى الدرع العربي في السعودية، وبين صادرات متنامية من الخام والخردة والمركزات والمنتجات نصف المصنَّعة، مدفوعة بطلب عالمي متسارع على النحاس في سياق التحول الطاقي والاقتصاد الرقمي. مما يعني انعكاس الارتفاع في أسعار النحاس اليوم إيجابياً على مداخيل المنطقة العربية.
الصادرات العربية
على مستوى التجارة الخارجية، تعكس صادرات النحاس العربية كيف تتحوّل هذه الاحتياطيات إلى عوائد فعلية. ووفق قاعدة بيانات التجارة الدولية للأمم المتحدة وبحسب قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الإلكترونية لعامي 2023 و2024 فإنه عند تجميع أحدث الأرقام المتاحة لصادرات النحاس في الدول العربية الرئيسية المصدرة (الإمارات، السعودية، مصر، المغرب، قطر، البحرين، مع مساهمات من موريتانيا وعُمان وبلدان أخرى بأحجام أقل)، يمكن تقدير إجمالي صادرات النحاس العربية حالياً في حدود مليار إلى 1.5 مليار دولار سنوياً، هذا الحجم لا يضع المنطقة في مصافّ عمالقة النحاس التقليديين مثل تشيلي والبيرو، لكنه يكشف عن "هوامش نمو" كبيرة، خاصة مع دخول مشاريع جديدة في عُمان والسعودية والمغرب مرحلة الإنتاج، ومع سعي دول الخليج خصوصاً إلى استغلال النحاس بوصفه أحد معادن "الطاقة النظيفة" ضمن استراتيجيات تنويع الاقتصاد، وهو ما تعكسه أيضاً مباحثات السعودية مع شركات عالمية مثل الشركة التشيلية الحكومية الرائدة في إنتاج النحاس "كودلكو" (Codelco) حول شراكات واستثمارات مشتركة في قطاع النحاس.
وتُظهر قاعدة بيانات التجارة العالمية التابعة للبنك الدولي، بالاستناد إلى بيانات 2023 لسلعة "خامات ومركزات النحاس" (رمز النظام المنسق HS 260300)، أن الدول العربية التي تبرز بصادرات ملموسة في هذا البند هي أساساً السعودية وموريتانيا والمغرب مع صادرات رمزية لمصر، بينما لا تسجل بقية الدول العربية أحجاماً تُذكر مقارنة بهذه الدول.
وتأتي المملكة العربية السعودية في صدارة الدول العربية المصدّرة لخامات ومركزات النحاس، إذ بلغت قيمة صادراتها في عام 2023 نحو 590.9 مليون دولار تليها المغرب بـ156.9 مليون دولار ثم موريتانيا بـ127.5 مليون دولار وفي المركز الرابع الإمارات بـ1.3 مليون دولار وخامساً سلطنة عمان بـ190 ألف دولار.
الواردات العربية
على مستوى الواردات تبدو المنطقة العربية اليوم مستورِداً صافياً للنحاس، أي أن ما تشتريه من النحاس ومصنوعاته يفوق ما تصدره، رغم وجود مناجم ومشاريع تعدين مهمة في بعض دولها. وتتركز الواردات النحاسية العربية في عدد محدود من الدول ذات مشاريع صناعية وبنى تحتية ضخمة (الإمارات، السعودية، عمان، قطر، الكويت)، بينما تبقى بقية الدول مستوردة بكميات أقل كثيراً. ورغم أن بعض هذه البلدان (مثل المغرب، موريتانيا، السعودية، عُمان) بدأ يطوّر مناجم ومشاريع تعدين نحاس مهمة، إلا أن حاجتها لنحاس مكرر بمواصفات خاصة، ومكوّنات نحاسية عالية القيمة تدخل في الصناعات الحديثة، تجعلها في الوقت نفسه مستورِدة كبيرة ومصدِّرة في آن واحد، وهي مفارقة ظاهرية لكنها منطقية في اقتصاد سلاسل القيمة العالمية.
وتشير بيانات االبنك الدولي لعام 2023 أن إجمالي واردات النحاس في الدول العربية يدور حالياً في نطاق الثلاثة مليارات دولار سنوياً ما يضع المنطقة في خانة المستهلك الصناعي الكبير لهذه المادة الأساسية في الكهرباء والبناء والصناعة.
وفي صدارة المشهد تأتي سلطنة عمان باستيراد ما قيمته 2.2 مليون دولار من النحاس ثم الإمارات العربية المتحدة بـ1.7 مليون دولار، وفي المركز الثالث قطر بـ1.5 مليون دولار، ورابعاً السعودية بـ297 ألف دولار وفي المركز الخامس الكويت بـ6 آلاف دولار.
أكبر المناجم العربية
أكبر احتياطيات النحاس العربية اليوم موزعة بين المغرب، عُمان، موريتانيا والأردن، مع حضور سعودي قوي عبر منجم جبل صايد وحزامه المعدني الذي يشهد توسعاً في أعمال الاستكشاف والتطوير. في المغرب يبرز منجم تيزرت بوصفه أكبر مشروع نحاس عربي معلن حالياً من حيث الموارد، إذ تصف الشركة المغربية الخاصة للتعدين والمعادن والمتخصصة في النحاس والذهب والمعادن الأساسية "مناجم" (Managem) مشروع تيزرت في إقليم تارودانت بأنه رواسب عالية الإمكانات، بموارد تُقدَّر بنحو 611 ألف طن من معدن النحاس المحتوى، أي ما يقارب 100 مليون طن من الخام، مع تصميم لإنتاج نحو 3.3 إلى 3.6 ملايين طن من الخام سنوياً وتحويله إلى مركزات نحاس للتصدير.
Copper is like a rocket on the launch pad, and when it takes off, it will drive silver much higher as well due to their close relationship.
— Jesse Colombo (@TheBubbleBubble) November 30, 2025
Learn more in my latest detailed report posted in the comments below ⬇️$SLV $PSLV pic.twitter.com/qnJAxa7clp
إلى الشرق، في سلطنة عُمان، يعاد بناء "حزام نحاس" جديد عبر مشروعين رئيسيين. الأول هو مشروع "الواشحي - المجازة" الذي تطوّره شركة الحديثة للموارد بالشراكة مع الشركة الأسترالية للتنقيب والإنتاج في المعادن الأساسية "ألارا ريسورسز". وتشير بيانات موقع "مايننغ تكنولوجي" وتقارير الشركة إلى احتياطي معدني أولي يقدر بنحو 9.7 ملايين طن من الخام بدرجة 0.88% نحاس ضمن رخصة "الواشحي - مجازة"، مع مصنع تركيز بطاقة 1 مليون طن سنوياً وعمر منجمي أولي لعشر سنوات، بينما توضح وزارة الطاقة والمعادن في عُمان في تحديث نشر في 22 يناير/كانون الثاني 2025 أن الاستكشافات رفعت إجمالي الموارد في الامتياز إلى أكثر من 16 مليون طن، منها أكثر من عشرة ملايين طن قابلة للاستخراج.
المشروع الثاني هو منجم "الغُزَين" (Al Ghuzayn) في ولاية الخابورة بمحافظة شمال الباطنة، الذي تطوّره شركة موارد للتعدين، وتقدَّر الاحتياطيات القابلة للاستخراج في "الغُزَين" بنحو 6.4 إلى 6.5 ملايين طن من خام النحاس، مع استثمار مبدئي يقدر بنحو 43 مليون ريال عماني، واعتماد نموذج تعدين باطني حديث يقلل الأثر البيئي.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024 أعلنت شركة "موارد للتعدين" عن تصدير أول شحنة كبيرة من مركزات النحاس بكمية نحو 7500 طن رطب عبر ميناء صحار إلى الصين، بنسبة نحاس تزيد عن 18.5% في التركيز، ما يعكس دخول السلطنة رسمياً على خط التجارة العالمية لمركزات النحاس بعد انقطاع يقارب ثلاثة عقود.
في موريتانيا، يمثل منجم "غلب مغرين" (Guelb Moghrein) أحد أعمدة صناعة النحاس في الساحل، إذ تديره شركة "موريتانيان كوبر ماينز" (Mauritanian Copper Mines) التابعة للشركة الكندية الكبرى للتعدين مقرّها فانكوفر ومتخصصة في النحاس والذهب والمعادن الأساسية "فيرست كوانتم مينيرالز" (First Quantum Minerals).
ويصف تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عن صناعة المعادن في موريتانيا الاحتياطي المؤكد والمرجح في "غلب مغرين" بنحو 31.3 مليون طن من الخام بدرجة 0.92% نحاس، مع محتوى من الذهب يُقدر بنحو 0.69 غرام في الطن، بينما تشير البيانات التشغيلية إلى إنتاج سنوي تجاوز 45 ألف طن من النحاس في 2015 بعد رفع الطاقة المعالجة.
الأردن بدوره يجلس على واحد من أكبر تراكمات النحاس غير المستغلة في المنطقة داخل محمية ضانا للمحيط الحيوي في محافظة الطفيلة. وقدرت وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية في بيانات رسمية وتصريحات نُشرت في 19 أغسطس/آب 2021 أن ترسّبات النحاس في منطقتي فينان وخربة النحاس داخل المحمية تبلغ نحو 45 مليون طن من الخام.
في السعودية، يشكل منجم جبل صايد أحد أعمدة حزام النحاس في الدرع العربي. ويدار المنجم عبر شركة "معادن باريك للنحاس" والشركة الكندية الكبرى للتعدين المتخصصة في الذهب والنحاس ومقرّها تورونتو "باريك غولد كوربوريشن" (Barrick Gold Corporation). ويشير تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عن صناعة المعادن في السعودية لعام 2022 إلى أن الاحتياطيات المؤكدة والمرجحة في جبل صايد بلغت نحو 26.9 مليون طن من الخام بدرجة 2.27% نحاس حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2022، مع إنتاج سنوي في حدود 68 ألف طن من النحاس في 2022. وتضع هذه المستويات جبل صايد ضمن أكبر المناجم عالية الجودة في المنطقة، وتفسّر جزئياً تحول السعودية إلى مصدر مهم للنحاس ومشتقاته ضمن خطط تنويع الاقتصاد ومراكمة صادرات المعادن.