الميزانية طريق الليبيين لتوحيد المؤسسات الاقتصادية

الميزانية طريق الليبيين لتوحيد المؤسسات الاقتصادية

26 فبراير 2021
الصورة
الشارع يترقب تحسن الأوضاع المعيشية بعد المصالحة (محمود تركيا/فرانس برس)
+ الخط -

شهدت ليبيا أخيرا خطوات إيجابية في طريق إنهاء الانقسام الذي تعيشه منذ ست سنوات في كافة المجالات، لكن مراقبين يعطون للإجراءات الجديدة في الشأن الاقتصادي أهمية أكبر، كونها عاملا أساسيا في حالة الصراع التي عاشتها البلاد لعدة سنوات وما أنتجته من تفكك وتشظ.

ومع إعلان البنك المركزي عن تعديل وتوحيد سعر صرف الدينار، مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، والذي جاء بعد تمكن مجلس إدارة البنك من الاجتماع بعد سنوات من الانقسام بين إدارتين، تزامن ذلك مع تمكن المسار الاقتصادي (أحد مسارات الحل الأممي الثلاثة للأزمة الليبية)، من التوافق على حزمة إصلاحات لمعالجة تعثرات اقتصاد البلاد، من بينها تشكيل لجنة فنية لـ"إعداد تصور حول توحيد ميزانية البلاد العامة"، مؤلفة من مسؤولين ماليين من حكومة الوفاق والحكومة الموازية.

وفيما اعتبرت البعثة الأممية قرار تعديل وتوحيد سعر صرف الدينار "خطوة أولى في الإصلاحات الاقتصادية"، اعتبرته أيضا "خطوة جيدة في طريق توحيد هذه المؤسسة السيادية"، في إشارة للبنك المركزي.

وبرزت أولى آثار هذه الخطوات في إعلان حكومة الوفاق، السبت الماضي، عن اعتماد الميزانية الموحدة، إثر زيارة قام بها نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أحمد معيتيق، رفقة وزير المالية بحكومة الوفاق فرج بومطاري، إلى طبرق للقاء رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، لـ"مناقشة واعتماد الميزانية الموحدة للدولة لمعالجة الإنفاق الحكومي وتوحيد مؤسسات الدولة"، وفق تصريحات صحافية لمعيتيق.

وأوضح المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي أن لقاء معيتيق بعقيلة صالح ناقش "العمل على تمهيد الطريق للحكومة الموحدة لتستلم مهامها بميزانية موحدة ومؤسسات موحدة، وإنهاء الانقسام في مؤسسات السلطة التنفيذية". ونقل المكتب عن معيتيق قوله إن "اللقاء بحث بشأن العمل على إقرار ميزانية موحدة، وإنهاء حالة الانقسام المالي للدولة".

ولم تبرز الخطوة بشكل مفاجئ، بل جاءت نتاج مفاوضات أشار إليها بومطاري بقوله إن اعتماد الميزانية "جاء في إطار استكمال التوافقات التي أقرت سابقاً بمدينة البريقة في شأن إعداد تصور لميزانية عامة موحدة"، وجدد تأكيده أن الخطوة "تمهد لتوحيد مؤسسات الدولة، بخاصة المالية منها".

وفي الأثناء، أكد محافظ البنك المركزي في طرابلس الصديق الكبير أن البلاد تسير على الطريق الصحيح "حيث يتم وضع الأسس للاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي".

وأشار الكبير في تصريح لصحيفة إندبندنت، إلى أن البنك المركزي يقع في صميم التحرك نحو الطريق الصحيح باتجاه توحيد مؤسسات البلاد، لافتا إلى أنه سيعمل بالتنسيق مع السلطة الجديدة في البلاد بـ"صفة مستشار الدولة الاقتصادي"، وكذلك بالتنسيق مع مجموعة العمل الاقتصادية التي كونتها البعثة الأممية ضمن المسار الاقتصادي.

ولتوفير البيئة الآمنة لتوحيد مؤسسات الدولة، تحدث الكبير عن خطة للبنك المركزي لإنشاء أساس اقتصادي متين، موضحا أن تلك الخطة ستمكن الحكومة المنتظرة من العمل على تحسين الظروف الخدمية للمواطن، كما أنها ستوفر مناخا أكثر قبولا للانتخابات المقبلة.

لكنه ورغم أهمية توحيد البنك المركزي كأحد أهم خطوات التعافي الاقتصادي، يستدرك بالإشارة إلى وجود تحديات تجعل هذا الأمر صعبًا، منها قضية القروض الصادرة من بنك البيضاء، شرق البلاد، مطالبا بضرورة إتمام مراجعة كل الحسابات وإجراء تدقيق للتأكد من أن أموال هذه القروض لم تستخدم لأغراض عسكرية، في إشارة لإمكانية تمويل بنك البيضاء لقوات خليفة حفتر.

ما حدث على مستوى الميزانية خطوة فقط، لأن المعالجات الكبرى التي ستخرج مؤسسات البلاد من الانقسام لم تبدأ بعد

ورغم أهمية قرار توحيد الميزانية وتصريحات الكبير، إلا أن أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية عبد السلام زيدان، يرى أن استدراك محافظ البنك المركزي في قضية قروض بنك البيضاء قد يصبح عامل عرقلة حقيقيا في طريق توحيد أهم مؤسسات الدولة وهو البنك المركزي.

ويلفت الأكاديمي الليبي في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى امتزاج المسارات الثلاثة في طريق الحل، متسائلا: "إذا توافق الفرقاء سياسيا بتوحيد السلطة وعسكريا بإنهاء الاقتتال، فلماذا يقف المسار الاقتصادي في طريق التسوية النهائية واستمرار انقسام البنك المركزي؟".

ويرى زيدان أن ما حدث على مستوى الميزانية "خطوة فقط، لأن المعالجات الكبرى التي ستخرج مؤسسات البلاد من الانقسام لم تبدأ بعد، وهي من مهام السلطة الجديدة، وعلى رأسها تقسيم موارد الثروة وفق مبدأ المحاصصة بين الأقاليم الثلاثة"، معتبرا أن إجراء تقسيم الثروة سيوفر عامل الثقة وضمان حصول كل طرف على حصته وسيفتح الطريق أمام رفع الحظر عن موارد النفط وبدء تدفقها مجددا لحسابات البنك المركزي.

ويشدد زيدان على أهمية المسار الاقتصادي كطريق للدفع بمسارات الحل الأخرى، مؤكدا أن الانقسامات كان أحد أسبابها الرئيسية الصراع على الثروة وخاصة عائدات النفط، وبالتالي لن تبقى أي أسباب لاستمرار تشظي مؤسسات الدولة بعد المصالحة، معتبرا أن الكبير كان يعي هذا جيدا عندما عبر عن أن البنك المركزي "يقع في صميم" التقدم نحو تحقيق الاستقرار.

المساهمون