المودعون اللبنانيون... جدل حول استرداد الحقوق بين الشطب والإنصاف
استمع إلى الملخص
- وزير المهجرين السابق عصام شرف الدين انتقد مخالفات المصارف وخطط حكومة ميقاتي، مؤكدًا على استعادة الأموال المنهوبة وإنشاء صندوق سيادي لاسترداد أموال المودعين.
- رئيس جمعية المودعين حسن مغنية دعا إلى تدقيق جنائي لاستعادة الأموال، منتقدًا خطة شطب 80% من الودائع، ومشيرًا إلى مسؤولية المصارف في الأزمة.
منذ انكشاف الأزمة المالية في لبنان عام 2019، أصبحت قضية إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعويض المودعين من المواضيع الأكثر جدلاً في الساحة الاقتصادية. فالمصارف تبرّر موقفها بالعجز عن ردّ الودائع بسبب شحّ السيولة وتراجع قيمة الأصول، بينما يرى اقتصاديون أن المسؤولية تقع على المصارف ومصرف لبنان والسياسيين الفاسدين، مطالبين بخطة واضحة لتوزيع الخسائر بشكل عادل، وعدم تحميلها بالكامل للمودعين.
كما يؤكد صندوق النقد أن أي خطة تعافٍ مالي يجب أن تتضمن إصلاحات جذرية لضمان استقرار الاقتصاد على المدى البعيد، فيما يطالب المودعون باسترجاع أموالهم المحتجزة من دون أي سند قانوني. ومع تسلّم الحكومة الجديدة مهامها، وجدت نفسها أمام تحدٍّ كبير في التعامل مع ملف الودائع، خاصة مع ازدياد الضغوط المحلية والدولية لإيجاد حلّ شامل وعادل.
مخطط شطب الودائع في لبنان
وقال وزير المهجرين السابق عصام شرف الدين، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إن المصارف في لبنان خالفت قانون النقد والتسليف واعتمدت تسليف مصرف لبنان دون الالتزام ببنود القانون، حيث يمنع هذا القانون استثمار أكثر من 10% من أصول المصارف في مكان واحد، كما أن هيئة الرقابة على المصارف ساهمت إلى حدٍّ كبير في استمرار تلك المخالفات.
وأضاف شرف الدين أن مصرف لبنان قدم تسليفات للدولة من دون ضمانات، كل هذا مع سياسة الهدر والفساد التي اتبعتها الحكومات، وأشار إلى أن حكومة ميقاتي تقدمت بعدها بعدة خطط مشبوهة كانت تتمحور حول شطب الودائع، وقد تصدت وزارة المهجرين عبر الاعتراض الخطي وأسقطت تلك المحاولات بمساعدة جمعيات المودعين كافة. وأهم تلك المشاريع ما يسمى "خطة التعافي"، "مشروع التوازن المالي"، "مشروع هيكلة المصارف" و"مشروع معالجة المصارف"، التي كانت كلها تتمحور حول شطب الودائع، مؤكداً أن الوزارة تقدمت بمشاريع بديلة إلى مجلس الوزراء ولم تؤخذ بالاعتبار.
وأضاف شرف الدين أن سياسة الهدر والفساد التي اتُبعت منذ التسعينيات كاعتماد التسنيد وإعادة التسنيد (سندات) بفوائد عالية كانت تهدف إلى إفقار لبنان بشهادة المبعوث الأممي للفقر في الأمم المتحدة أوليفيه دي شوتر الذي صرّح بأن إفقار لبنان مفبرك. وأضاف أن الاقتراحات والاستراتيجيات التي قدمتها الوزارة للنهوض بالقطاع المالي وحل مشكلة الإيداعات والمصارف المتعثرة تقوم على ردم الفجوة المالية للدولة المقدرة تقريباً بـ72 مليار دولار كما وردت في خطة التعافي.
وأوضح أن خطة وزارة المهجرين تركز على تسديد الدولة 25 مليار دولار من سندات الخزينة بفائدة 1% مكفولة بالأصول والمشاعات والأملاك البحرية، بالإضافة إلى تحميل المصارف مسؤولية استخدام 70% من ودائع الدولة ومصرف لبنان، لذلك يجب تحميلها 15 مليار دولار تسدد فوراً، وتسديد المصرف المركزي 18 مليار دولار، أي ما يعادل نصف قيمة موجوداته من الاحتياطي الإلزامي والذهب. وشدّد على محورية استعادة الأموال المنهوبة والمحولة والمهربة إلى الخارج وإنشاء صندوق سيادي لاسترداد أموال المودعين، وهذا ما يؤكد للمودع ضمان وديعته بقيمتها الأصلية.
تقسيم الودائع وسدادها
بدوره، أفاد رئيس جمعية المودعين حسن مغنية، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، بأن أموال المودعين قد "سُرقت" منذ اتفاق الطائف وحتى ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، حيث كان لبنان يتعرض لنهب مالي شرس ضمن نظام التحاصص السياسي القائم. واعتبر مغنية أن كل الذين شاركوا في الحكومات السابقة كانوا شركاء في هذه السرقة.
وأضاف مغنية أن استعادة أموال المودعين يجب أن تبدأ بإجراء تدقيق جنائي شامل، إلا أنه شكّك في إمكانية حصول ذلك، مؤكداً أن لبنان لم يكشف حقيقة واحدة في أي من الملفات المالية الكبرى، ومنها أموال المودعين.
وأشار مغنية إلى أن الجميع مشاركون في عملية سرقة أموال المودعين، معتبراً أن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة كان بمثابة "ATM" للمنظومة السياسية، لكنه ليس المسؤول الوحيد، بل إن الحكومات المتعاقبة كانت تقرر وتنفذ، فيما مجلس النواب، الذي وصفه بـ"مقبرة القوانين"، لم يتحرك لحماية حقوق المودعين.
وفي ما يخص قانون النقد والتسليف، أوضح مغنية أن هذا القانون يمنح المودع الحق في الوصول إلى وديعته بحرية، وبالتالي لا توجد حاجة لإقرار قانون جديد لحماية المودعين، لافتاً إلى أن التعاميم الصادرة عن المصرف المركزي غير قانونية ولا دستورية، وجمعية المودعين تقدمت بطعن بها، مؤكداً أن التعميم لا يمكن أن يسبق القانون.
وانتقد مغنية خطة رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، التي تقوم على شطب 80% من أموال المودعين الذين تتجاوز ودائعهم 100 ألف دولار. والحل العادل برأيه يكون بتقسيم الودائع إلى مشروعة وغير مشروعة، وليس كما وصفها ميقاتي بـ"المؤهلة وغير المؤهلة"، مشدداً على ضرورة استرداد الأموال المسروقة من الشخصيات التي جمعت ثروات مشبوهة، مثل بعض الوزراء والمسؤولين الأمنيين والعسكريين.
وفي ما يخص القطاع المصرفي، أكد مغنية أن المصارف تتحمل المسؤولية الكبرى عن الأزمة، لأنها أودعت أموال المودعين في المصرف المركزي طمعاً بالفوائد المرتفعة، حيث بلغت الفوائد على الليرة اللبنانية 40% في 1997، و24% عشية الأزمة في 2019.
وأضاف أن احتياطي مصرف لبنان ارتفع إلى 14 مليار دولار، واحتياطي الذهب إلى 24 مليار دولار، فيما يمكن لبعض المصارف إعادة أموال المودعين لديها إذا باعت أصولها، وتساءل عن مصير 600 مليون دولار جناها بنك عودة من بيع فروعه في مصر. وتابع مغنية حديثه بالسخرية من خطة توزيع الخسائر، حيث جرى تحميل المصارف 25% فقط من الخسائر، في حين أن الدولة والمصرف المركزي والمودعين يتحملون الأعباء المتبقية.
إنصاف المودعين
من جانبه، أشار الخبير المالي والضريبي كريم ضاهر، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إلى أهمية تحديد الودائع الجديرة بالحماية، لا سيما أن النظام المصرفي شهد تلاعباً وغياباً للرقابة، ما أدى إلى وجود أموال مجهولة المصدر، وجميع المصارف، بما في ذلك المصرف المركزي، متورطة في هذا الإهمال، كما شدد على ضرورة رفع السرية المصرفية لمعرفة مصادر بعض الحسابات، لا سيما تلك العائدة لموظفي القطاع العام، حيث قد تكشف هذه العملية عن أرصدة ضخمة لا تتناسب مع المداخيل، ما يطرح تساؤلات حول شرعيتها، سواء من حيث التهرب الضريبي أو الأنشطة غير المشروعة.
وأشار ضاهر إلى ضرورة التمييز بين الودائع المشروعة وغير المشروعة في ما يتعلق بالاسترداد، وهو ما ترفضه السلطة وأصحاب النفوذ من سياسيين ورجال أعمال، الذين يسعون إلى منع أي تدقيق في حساباتهم عبر إشعال المواجهات السياسية. وفي هذا السياق، أوضح أن المسؤولية في القطاع المصرفي تنقسم إلى المساهمين والإداريين. فالمساهمون يتحملون مسؤولية إعادة رسملة المصارف، بينما الإداريون الذين أساؤوا إدارة المؤسسات المالية يجب أن يُحاسبوا وفق القوانين النافذة أو من خلال تشريعات جديدة لإعادة الهيكلة.
وأوضح ضاهر أن صندوق النقد الدولي يعتمد على معايير حسابية بحتة وليس على العواطف، وهو يضع شروطاً صارمة لأي قرض يقدّمه لضمان قدرة الدولة على السداد، وأشار إلى أن لبنان بحاجة إلى حلول منطقية وواقعية لإقناع الصندوق، مثل إنشاء صندوق لإعادة الودائع، أو فرض ضرائب على استرداد الأموال المهربة.