استمع إلى الملخص
- منذ يوليو 2025، استفاد نحو 470 ألف جزائري من المنحة، مما أدى إلى صرف حوالي 400 مليون يورو عبر البنوك، وأثار اهتمام المقيمين في الخارج والنقاشات على منصات التواصل الاجتماعي حول الفرص المالية.
- رغم الفوائد المالية، تواجه المنحة انتقادات لتأثيرها على الخزينة العمومية والاقتصاد التونسي، مع ظهور ابتكارات تجارية تستغل القرار، مثل عروض رحلات مجانية مقابل تحصيل المنحة.
في الحافلة الليلية المتجهة إلى طبرقة التونسية، يعيد أب جزائري حساباته على دفتر صغير: خمسة جوازات، وبتعبير أدق للهدف المتوخى "خمسة حجوزات منحة"، وأسبوع واحد يكفي لـ "تمرير العملية". الرحلة ليست سياحة بالمعنى الرومانسي، إنها "مشوار رزق" صار مألوفا منذ أن رُفعت المنحة السياحية (المبلغ الذي يحق للمسافر خارج الوطن الاستفادة منه بسعر البنك مرة واحدة في العام) إلى 750 يورو للبالغ في قرار رئاسي صدر يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، قبل أن تُفعل المنظومة فعليا بتعليمة بنك الجزائر.
بين القرار والتطبيق، جاءت التفاصيل التنظيمية تباعا، تعليمة بنك الجزائر بتاريخ 17 يوليو/تموز 2025 حدّدت قيمة الحق وشروط المنحة (750 يورو للبالغين و300 يورو للقصر)، ثم انطلقت العملية فعليا يوم الأحد 20 يوليو/تموز 2025 عبر البنوك ونقاط العبور، وطلب البنك على الراغبين في الاستفادة من منحة السفر أن يقوموا بحجز المبلغ قبل ثلاثة أيام عمل على الأقل من موعد السفر، وهكذا صار بإمكان العابرين برا نحو تونس الاستفادة مثلهم مثل ركاب الطائرات.
كل طفل بمدخول إضافي
المعادلة التي تغري الأُسر بسيطة وواضحة. عائلة من خمسة أفراد كلهم بالغون، تسحب 3,750 يورو. بالسعر الرسمي (نحو 151 دينارا لليورو)، تُسدد ما يقارب 566 إلى 570 ألف دينار في البنك. ثم تبيع المبلغ نفسه في سوق "سكوار" (أشهر وأقدم سوق موازٍ في الجزائر) حيث يدور اليورو بين 267 و270 دينارا، لتحصل على نحو مليون دينار، وبالتالي الفارق الصافي يقترب من 430 إلى 450 ألف دينار قبل تكاليف الطريق والإقامة. هذه الفجوة بين سعر رسمي وسوق "سكوار" هي التي حوّلت "العطلة" إلى هامش ربح منزلي سريع.
من يقطن في الحدود الشرقية الجزائرية وبالضبط في مدينة أم الطبول (26 كلم على الحدود التونسية) أو يقطن في الجنوب الجزائري في محافظة وادي سوف (592 كلم جنوب شرق العاصمة الجزائرية و90 كلم على الحدود الجنوبية لتونس) بالنسبة له الأمر أصبح مصدرا للرزق ولو مرة في الموسم، الدخول للجنوب التونسي وقضاء الأسبوع في مدينة نفطة أو حتى توزر حيث أسعار الفنادق أقل بكثير من الشمال، فضلا عن توفر شقق للخواص بسعر رمزي لا يفوق 30 دينارا تونسيا (2100 دينار جزائري في السوق الموازي) لليلة الواحدة لعائلة بأكملها مما يعني تكلفة 14 ألفا و700 دينار جزائري (97 يورو)، وإذا أضاف لها تكاليف الوقود الذي يكون الخزان ممتلئاً من الجزائر عند دخوله لتونس بالنظر لفارق السعر الكبير بين البلدين (في الجزائر 0.31 يورو للتر الواحد وفي تونس 0.74 يورو) الذي يصل لفائدة نصف مليون دينار.
400 مليون يورو في شهرين
النتيجة على الأرض كانت فورية، في لقائه الدوري مع الصحافة يوم 26 سبتمبر/أيلول 2025، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن "نحو 470 ألف جزائري استفادوا من المنحة السياحية منذ 20 يوليو/تموز، بما يقارب 400 مليون يورو صُرفت عبر البنوك". هذه الأرقام لا تشرح الإقبال فحسب، بل تضع الظاهرة في سياق مالي ضخم تدفق نحو الأفراد خلال أسابيع ونزيف للخزينة العمومية.
إغراء المنحة يتجاوز الحدود
حتى المقيمون في الخارج، سال لعابهم رغم أنهم غير معنيين بالمنحة وبفضل نظام الرقمنة يمكن اكتشاف إقامتهم خارج التراب الجزائري بكل سهولة، ورغم ذلك لا يزال البعض يطمع في فجوة قانونية تمكنه من الانضمام لنادي المنحة؛ ففي مجموعة الجالية الجزائرية في قطر على منصة فيسبوك كتب أحد الأعضاء "هل أستطيع أخذ منحة 750 يورو مع العلم أن لديّ إقامة وتذكرة ذهاب وإياب" وردت عليه لبنى: "تعددت الآراء ولا نعلم مدى صحتها، هناك من يقول إنه استفاد من المنحة، وهناك من يقول إنه تم رفض طلبهم، أرجو أن توضحوا لنا الأمور". ليرد عمار على الجميع بأسلوب يدعي فيه علمه بكل التفاصيل: "اسمها ليس منحة بل حق الصرف ويمكن لأي جزائري أن يستفيد منها". طبعا هي نصيحة مضلّلة لكن يمكن لتوقف النظام البنكي أو ثغرة أن تتيح للمغترب الاستفادة من المنحة.
هل صرف منحة السفر الجديدة 💷 ستأدي إلى القضاء على سوق السكوار في الجزائر ؟
— 🇩🇿 حسيبة 🇩🇿 (@RachidaYahi2) July 21, 2025
إجازة مجانية
على الشبكات، تحوّل الأمر إلى حديث يومي. يوسف نبّه في مجموعة عمال مطار هواري بومدين في منصة فيسبوك عندما أشار إلى أن "الجزائري سيصرف فقط 40% من المنحة إذا توجه لتونس ويقتصد ما يقارب 350 يورو ما يعني 91 ألف دينار بسعر السوق الموازي"، وذكر مفارقة استثنائية، "تسافر لقضاء إجازة ممتعة ويدفعون لك مقابل ذلك!"، لكن أرجع المشكل إلى وجود سعرين مختلفين لصرف العملة وبفارق يصل للضعف وتوقع أن يصل عدد المستفيدين إلى 3 ملايين جزائري مما يعني 2.25 مليار يورو.
انتقادات رغم الاستفادة
وهناك من انتقد القرار رغم أنه يصب في مصلحة المواطن بطريقة غير مباشرة، أحد رواد منصات التواصل كتب على "فيسبوك": "الدولة تتبنى دراسة البيانات وتحليلها بشكل دقيق من أجل اتخاذ قرارات في المستقبل بطريقة تجعلك تحقق أهدافك من ورائها. وبما أننا باستثناء بيانات الاقتصاد الكلي نفتقد أغلب باقي البيانات، سنكون عاجزين إلى حد بعيد عن اتخاذ قرارات محسوبة ومدروسة تحقق أهدافها بنجاعة كبيرة، لذلك أول خطوة لأي إصلاح اقتصادي هي بناء قاعدة بيانات". وهنا توقع مازيغ عدم صمود هذه المنحة أكثر من سنتين لما تشكله من استنزاف للخزينة العمومية.
وكتب آخر على "فيسبوك": "بالنسبة لي، ما تسمى منحة السفر بـ 750 أورو هي في الحقيقة دعم غير مباشر للاقتصاد التونسي"، في تلخيص لاعتقاد شائع بأن الوجهة الأقرب والأرخص برا صارت "مصنع سيولة" للبيوت. في وقت اشتكى الكثيرون من رفع الفنادق التونسية أسعارها بما أن السيولة أصبحت متوفرة.
تجارة مربحة
ولم تخلُ السوق من ابتكارات تجارية تستثمر القرار، تقارير محلية رصدت عروض أشخاص لرحلات إلى تونس بـ"صفر دينار" للزبون، صاحب العرض يتكفّل بالحجز والتنقّل والإجراءات مقابل تحصيل المنحة بالعملة الصعبة عند الوصول. بالنسبة للبعض لم تعد المسألة فندقا وشاطئا، بل عقد مقايضة واضحاً "أنت تسافر وتأخذ حقّك، ونحن نشتري المنحة".
ورغم أن التعليمة تشترط حدا أدنى للإقامة خارج البلاد (سبعة أيام) وتُحدّد إجراءات التسديد المسبق بالدينار عبر البنوك، فإن قصص "الترتيبات الذكية" لا تتوقف: مجموعات على منصة فيسبوك تتبادل كيفيات ضغط البرنامج الزمني، ونقاط حدودية توثّق طوابير استخراج المنحة قبل العبور. وكل ذلك يتحرك على إيقاع قانون واقعيّ اسمه فجوة الأسعار.
ويظل بيع العملة خارج القنوات الرسمية نشاطا غير قانوني، لكنه راسخ في المشهد الاقتصادي الجزائري منذ سنوات، فسوق "سكوار" ليس مكانا فحسب، بل منظومة ظلّ غذتها قيود الصرف وطلب الأسر على العملة، واليوم وجدت في المنحة "الوقود" الذي تحتاجه لتدور بسرعة أكبر.