إحياء الممر الاقتصادي…واشنطن ونيودلهي تقودان تحركات لتحدي هيمنة الصين
استمع إلى الملخص
- الدور الجيوسياسي: يسعى المشروع لتعزيز الاستقرار الاقتصادي في الشرق الأوسط وأوروبا، وربط الأسواق الهندية بالأوروبية، مع تحييد المخاطر الجيوسياسية وتعزيز التعاون بين الهند والإمارات.
- مشاركة الدول الأوروبية: تلعب فرنسا دوراً محورياً، بينما تتردد إيطاليا في الانخراط، مما قد يفقدها مزايا استراتيجية.
عاد الحديث مرّة أخرى عن مشروع الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا مع إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وهدوء القلاقل في منطقة الشرق الأوسط، وتصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والشركاء التجاريين، والضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد الصين صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم. وتقدر كلفة المشروع بنحو عشرين مليار دولار، في حين تقدّره دول أخرى مشاركة في المشروع بأكثر من ذلك.
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبرز ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) مشروعاً استراتيجياً يعكس طموحات الهند وشركائها الغربيين في تعزيز الترابط الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على الطرق التقليدية التي تهيمن عليها قوى أخرى منافسة، مثل الصين.
وتأتي الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إلى الولايات المتحدة وفرنسا دلالةً على الأهمية المتزايدة لهذا المشروع العملاق، إذ تسعى الهند إلى تأمين دعم سياسي واقتصادي لممر IMEC، الذي يُنظر إليه بديلاً محورياً لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، لا سيّما في ظل تصاعد التنافس على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
تناولت المحادثات التي أجراها مودي مع المسؤولين الأميركيين والفرنسيين سبل تعزيز الشراكات الاستراتيجية، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة، وهي ركائز أساسية لإنجاح IMEC. كما تعكس هذه اللقاءات تزايد اهتمام الدول الغربية بالمشروع وسيلةً لتعزيز الاستقرار الاقتصادي في الشرق الأوسط وأوروبا، عبر ربط الأسواق الهندية بالأوروبية مروراً بالخليج، إلّا أن هذا المشروع يواجه تحديات سياسية واقتصادية، خصوصاً في ظل الأزمات الإقليمية المتلاحقة، ومنها احتمال اندلاع الحرب مجدداً في منطقة الشرق الأوسط، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرته على تجاوز العقبات وتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
الممر الاقتصادي أحد أفكار تحدّي الولايات المتحدة للصين
يمثل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا أحد أفكار وجهود الولايات المتحدة لتحدّي الصين، ووقف تمدّدها في منطقة حيوية للمصالح الأميركية مثل آسيا، والخليج والشرق الأوسط. ومن هنا يرى رئيس مكتب تمثيل غرفة التجارة الهندية في إيطاليا، فاس شينوي، أن "الزيارة الأولى لرئيس الوزراء الهندي مودي إلى واشنطن رسخت الأهمية التي يوليها ترامب إلى الهند، سيّما أنه كان من أوائل الزعماء الدوليين الذين وفدوا إلى البيت الأبيض".
وأوضح، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، أن "التجارة هي الموضوع الأكثر أهمية في فترة ولاية ترامب الثانية، وهو يرى على نطاق واسع أن السلام في الشرق الأوسط هو إرثه. وسيحاول ترامب البناء على اتفاقيات أبراهام التي توسّط فيها في ولايته الأولى من خلال الدفع من أجل التقارب بين السعودية وإسرائيل في ولايته الثانية"، مضيفاً أن "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا IMEC، هو مشروع يجمع التجارة واتفاقيات أبراهام الموسّعة وتحالف غرب آسيا الرباعي (I2U2) في معين واحد".
وقال إن "تصريح ترامب بأن IMEC سيكون مساراً تجارياً يربط الهند بالولايات المتحدة عبر إسرائيل وإيطاليا يجب أن يؤخذ بجدية بالغة، لأنه يتحدث عن حلفاء يَعتقد أن بإمكانه الوثوق بهم والاعتماد عليهم".
واعتبر شينوي أن IMEC ليس مجرد ممر تجاري، إنما هو دليل مستقبلي للتجارة بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ضد الأعداء المشتركين"، متوقعاً أنّ "من شأن هذا المشروع وضع الهند في قلب منطقة الإندو-باسيفيك، الأمر الذي يستبدل المفهوم القديم لآسيا والمحيط الهادئ"، وختم بقوله إنه "مع تأسيس مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي متعدد القطاعات BIMSTEC، ومشاريع الربط الأخرى بين الهند ودول خليج البنغال ودول آسيان، أصبحت الهند مركزاً تجارياً بين الشرق والغرب، وبدأت في تحدي هيمنة الصين في بحر الصين الجنوبي جدياً، وهذا أمر ضروري بالنسبة للولايات المتحدة واليابان للحصول على ميزة ملموسة في جنوب شرق آسيا".
تغيير قواعد اللعبة في البيت الأبيض
المحلل الجيوسياسي الإيطالي إيمانويلي روسّي يؤكد في تقرير نشرته مجلة فورميكي الإلكترونية الإيطالية يوم 14 فبراير/شباط الجاري تحت عنوان "ترامب ومودي يطلقان IMEC.. الدور الآن على إيطاليا"، أن الولايات المتحدة تواصل التركيز على الربط التجاري الاستراتيجي بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وفقاً لمشروع IMEC الذي أُعيدت تسميته بـ "الطريق الذهبي"، ويمثل العمود الفقري لمنطقة الهند والبحر المتوسط.
وتابع روسّي أن دونالد ترامب أعلن خلال استقباله الزعيم الهندي في البيت الأبيض أنه ينوي "المساهمة في بناء أحد أعظم المسارات التجارية في التاريخ، الذي سيمتد من الهند إلى إسرائيل فإيطاليا وصولاً إلى الولايات المتحدة". وأوضح أن "هذا التصريح يؤكد التزام واشنطن المتجدد بمبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، التي أُعلن عنها في عام 2023 خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، وتعد إيطاليا أيضاً من بين مؤسّسيها".
ورأى أن ممر IMEC يشق طريقه ليصبح بديلاً أساسياً من منظور تحييد المخاطر، على ضوء هجمات الحوثيين في البحر الأحمر على السفن المتجهة إلى إسرائيل. ولفت إلى أنه "إذا كانت القضية الأمنية أساسيةً، فينبغي في هذا السياق أن نتذكر أيضاً أن الممر يمكن أن يكون بديلاً لمبادرة الحزام والطريق الصينية. ومن هذا المنظور، فإن IMEC لا يمثل لواشنطن ونيودلهي فرصة تجارية فحسب، بل يمثل أيضاً عنصراً أساسياً في المنافسة الجيوسياسية مع بكين".
ونقل المحلل الإيطالي عن السفير الهندي السابق أنيل تريغونايات قوله إن "ترامب ومودي أكدا على أهمية وضرورة المضي قدماً في مشروع IMEC مع إيطاليا ولاعبين آخرين لأنه يمكن أن يتحول إلى ممر سلام"، مشيراً إلى أن "الهند والإمارات تتخذان، لحسن الحظ، خطوات إلى الأمام في الجزء الخاص بهما من الاتفاق، ويمكن للممر أن يتحرك بوتيرة سريعة بمجرد إزالة العقبات الحالية".
واعتبر أن "الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مع سقوط آلاف الضحايا المدنيين، كانت سبباً في انقطاع عملية التطبيع الحاسمة بين إسرائيل والسعودية، وهي أساسية لإعطاء منفذ على البحر المتوسط للاتصال الشرقي بين الهند والخليج، وكذا لتحقيق الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع".
وأضاف أنه "بينما ترى واشنطن في IMEC أولوية استراتيجية، فإن بعض دول الخليج، مثل السعودية والإمارات الموقعتين فعلاً على الاتفاق، لا تعتبر المبادرة تحدياً مباشراً للصين ومبادرة الحزام والطريق، وإنما بديل تكميلي، فمن الممكن أن تستخدم الولايات المتحدة المشروع أيضاً آليةَ احتواءٍ فيما يتعلق بالتوسع الاقتصادي في بكين".
على إيطاليا أن تُسرع الخطى
وبحسب روسّي فإن إيطاليا، التي ألغت عضويتها في مبادرة الحزام والطريق العام الماضي "تعد واحدة من الدول التي يمكن أن تستفيد أكثر من غيرها من مشروع الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي، سواء من حيث الصادرات أو الموقع الاستراتيجي في التجارة العالمية".
وأضاف أنه "إذا كانت فرنسا قد تحركت فعلاً كي تضمن لنفسها دوراً مركزياً في تخطيط وتنفيذ برنامج IMEC، فإن إيطاليا تبدو أكثر تردداً؛ إذ لم تتخذ حتى الآن إجراءات ملموسة وحاسمة للاندماج في عملية صنع القرار وديناميات البنى التحتية للممر".
واستدرك أنه "على الرغم من أن الفرصة المتاحة لإيطاليا واضحة: أن تكون مركزاً أساسياً للربط التجاري بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وتجذب الاستثمارات وتعزز موقعها الجيوسياسي، فإن الحذر المفرط قد يؤدي إلى خسارة المزايا الاستراتيجية لصالح دول أوروبية أخرى أكثر سرعة في التمركز".
وختم بقوله "حان الوقت للتحرك، وإعادةُ إطلاق ترامب للمشروع تعد رسالة طمأنة لروما للإسراع وتعزيز دورها في هذه المبادرة المحورية لمستقبل التجارة العالمية".
فرنسا والهند والإمارات
في سياق متصل، ذكر الصحافي الإيطالي تيتسيانو مارينو، في تقرير نشره مركز الدراسات الدولية بروما بتاريخ 19 فبراير الجاري تحت عنوان "زيارة مودي إلى فرنسا والولايات المتحدة: المدلول والنتائج"، أن فرنسا طرحت مجدداً، على هامش زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي إلى باريس في فبراير الحالي، ميناءَ مارسيليا ليكون إحدى محطات مشروع IMEC، وما يدعم هذه الفرضية أنّ الهند افتتحت قنصلية لها في المدينة الفرنسية (مارسيليا) بحضور مودي.
وأضاف أن "فرنسا كانت قد عينت، في هذا السياق، مبعوثاً خاصاً لها في مشروع الممر هو جيرار ميستراليه، الرئيس السابق لمجموعة إنجي للطاقة، الذي زار في سبتمبر/أيلول الماضي ولاية غوجارات الهندية، وأجرى تحليلاً لاستراتيجيات التنمية الهندية بهدف تنسيقها مع الاستراتيجيات الفرنسية، مع اهتمام خاص بميناء موندرا".
ولفت إلى أن "الهند تحركت بقوة في الآونة الأخيرة جنباً إلى جنب مع الإمارات في استكمال الجزء الشرقي من IMEC، الذي يهدف إلى تعزيز الربط بين الساحل الغربي الهندي والخليج. ومن جهتها، أبدت فرنسا اهتماماً جلياً بالشراكة الاستراتيجية واسعة النطاق بين الهند والإمارات، ويبدو أنها تتطلع إلى تحويل تلك العلاقة الثنائية إلى شراكة ثلاثية أكثر اتساعاً".