المغرب: اقتراض جديد يثير جدلاً برلمانيا... وانتقادات لتفاقم العجز
استمع إلى الملخص
- أثار الاقتراض نقاشاً برلمانياً حول تقليل الاعتماد على الدين وتوسيع قاعدة التمويل، مع التركيز على فعالية الإنفاق والاستثمارات الحكومية، وتفعيل رقابة برلمانية على الاقتراض وربطه بمشاريع إنتاجية.
- يرى بعض الاقتصاديين أن الدين الداخلي والخارجي يساهمان في دعم الاقتصاد، بينما تراهن الحكومة على زيادة الإيرادات الجبائية لتمويل الإنفاق الاجتماعي والاستثماري دون توسع كبير في الدين.
تتجه الحكومة في المغرب إلى تنفيذ حزمة اقتراضات جديدة بقيمة 13.3 مليار دولار خلال العام المقبل، في خطوة أعادت فتح الجدل حول مسار المديونية وتصاعد حاجيات التمويل. وبينما تراهن الحكومة على سد العجز وخدمة نفقات الصحة والتعليم، يثير هذا التوسع المالي مخاوف برلمانية واقتصادية من اتساع اعتماد الدولة على الدين وتراجع قدرة الموازنة على توليد موارد ذاتية كافية.
ولم يغب موضوع المديونية عن النقاش البرلماني المصاحب لعرض مشروع موازنة العام المقبل في المغرب، حيث شدد نواب على ضرورة الحد من الإمعان في الاقتراض عبر توسيع قاعدة تمويل الدولة وتنويع مصادره وربطه حصراً ببرامج ذات مردودية تنموية واضحة. وعكست مداخلات النواب في مجلس النواب قلقاً متزايداً من مسار الدين العمومي، في ظل توسع حاجيات التمويل وارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي، ما دفع العديد منهم إلى المطالبة بمراجعة شاملة لآليات التمويل وتقييد اللجوء إلى الدين بضوابط أكثر صرامة. وبرزت في هذا السياق مخاوف تتعلق بفعالية الإنفاق العمومي وقدرة الاستثمارات الحكومية على إنتاج عائد اقتصادي يضمن استدامة الدين ويخفف عبئه عن المالية العمومية.
وفي هذا الإطار، عبّر نواب عن الحاجة إلى آليات مبتكرة لتمويل الإنفاق العمومي، وتفعيل رقابة برلمانية أكثر تشدداً على عمليات الاقتراض وتخصيصاته، مع تأكيد ضرورة احترام السقف القانوني للدين وربط أي اقتراض جديد بمشاريع إنتاجية. وفي المقابل، رأى نواب آخرون أن ارتفاع حجم الدين يظل مرتبطاً بتوسع الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يوفر -في نظرهم- مؤشرات على قدرة الدولة على حفظ استدامة الدين في المدى المتوسط، رغم الارتفاع المسجل خلال السنوات الأخيرة. وتضمنت الجلسات تصريحات مباشرة من نواب اعتبروا أن المغرب مطالب بتقييد توسع مديونيته عبر تحسين مردودية النفقات وترشيد الاستثمار العمومي، وهو ما يشكل -برأيهم- شرطاً جوهرياً للحد من تراكم الدين.
اقتراض جديد
ويأتي هذا النقاش في وقت تتجه فيه الحكومة إلى اقتراض نحو 13.3 مليار دولار على المديين، المتوسط والطويل، خلال العام المقبل، موزعة بين الاقتراضات الداخلية التي ستبلغ 6.5 مليارات دولار، والخارجية التي ستقارب 6.8 مليارات دولار. ويستند هذا التوجه إلى هدف خفض عجز الموازنة من 3.5 في المائة خلال العام الحالي إلى 3 في المائة في العام المقبل، وتقليص مديونية الخزينة من 67.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 65.9 في المائة. غير أن هذا الهدف يواجه -بحسب خبراء- صعوبات مرتبطة بارتفاع نفقات الصحة والتعليم التي ستبلغ 14 مليار دولار، ما يجعل التحكم في العجز رهيناً بزيادة تعبئة الموارد الجبائية وتحسين مردودية التحصيل.
وتشير بيانات وزارة الاقتصاد والمالية إلى استقرار واضح في تركيبة الدين، حيث بلغت حصة الدين الداخلي 75.1 في المائة مقابل 24.9 في المائة للدين الخارجي، بينما وصل حجم الدين الداخلي للخزينة العام الماضي إلى نحو 82 مليار دولار، والدين الخارجي إلى حوالى 27 مليار دولار. وتؤكد الوزارة أن الدائنين متعددي الأطراف يستحوذون على 56.6 في المائة من الدين الخارجي، تليهم الأسواق المالية الدولية بنسبة 28.8 في المائة، ثم الدائنون الثنائيون بنسبة 14.6 في المائة، وهو ما يعكس استمرار اعتماد المغرب على الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية متعددة الأطراف في تمويل جزء مهم من حاجياته.
رهان حكومي
وفي تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، يرى الاقتصادي رضوان الطويل، أن الدين الداخلي يظل المكون المهيمن على بنية المديونية المغربية، باعتباره شكلاً من أشكال تحويل المدخرات المحلية نحو الدولة التي تحافظ على قدرة مستقرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المقرضين المحليين. ويضيف الطويل أن الدين الخارجي، رغم التحذيرات المرتبطة بمخاطره، يساهم عملياً في دعم احتياطي النقد الأجنبي، ويحقق فوائد مهمة عندما يوجه إلى استثمارات ذات أثر اجتماعي مباشر مثل بناء المستشفيات والمدارس، حيث تستفيد الأجيال المقبلة من خدمات صحية وتعليمية أفضل، ما يعزز العائد الطويل الأجل للمشاريع المقترضة.
وتظهر حركة إيرادات الخزانة خلال الأعوام الأخيرة أن مستوى المديونية كان سيبلغ مستويات أعلى لولا الارتفاع الملحوظ في الموارد الجبائية التي انتقلت من 22.3 مليار دولار في نهاية 2021 إلى 31.3 مليار دولار العام الماضي، ما ساهم في رفع الإيرادات العامة من 26 مليار دولار إلى حوالى 37 مليار دولار خلال ثلاثة أعوام فقط. وتراهن الحكومة على هذه الدينامية الجبائية لتعزيز قدرة الموازنة على تمويل الإنفاق الاجتماعي والاستثماري من دون الاضطرار إلى توسع كبير في حجم الدين. وفي السياق نفسه، تتجه الحكومة نحو رفع نفقات الاستثمار في موازنة العام المقبل إلى 13.4 مليار دولار، مع وصول الاستثمار العمومي الإجمالي -عند احتساب استثمارات المؤسسات الحكومية والجماعات المحلية- إلى نحو 38 مليار دولار. وينتظر، بحسب التقديرات الرسمية، أن تساهم هذه الاستثمارات في دعم النمو الاقتصادي وتقليص الاعتماد على الدين مستقبلاً، إن أحسن توجيهها نحو مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية واضحة.