استمع إلى الملخص
- ارتفعت فاتورة دعم الكهرباء بشكل كبير هذا العام بسبب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي وتراجع قيمة الجنيه، مما دفع الحكومة لضخ كميات كبيرة من الغاز والمازوت لضمان استقرار الشبكة الكهربائية.
- مع مراجعات صندوق النقد الدولي، قد يصبح ملف تعريفة الكهرباء أولوية في 2026، مع التركيز على دعم الشرائح الأقل استهلاكًا واستهداف الشرائح الأعلى لأي تعديل.
في الوقت الذي تكررت فيه التأكيدات الرسمية خلال الأشهر الماضية بعدم تحريك أسعار الكهرباء قبل يناير/كانون الثاني 2026، تكشف مصادر حكومية رفيعة المستوى لـ"العربي الجديد" أن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في مصر انتهت بالفعل من إعداد مقترحات لرفع تعريفة الاستهلاك بنسب تتراوح، في بعض السيناريوهات، بين 15% و25% وفقًا لشرائح الاستهلاك، على أن تُعرض على مجلس الوزراء بمجرد اتضاح الصورة النهائية لمؤشرات التضخم وسعر الصرف المتوقع خلال الربع الأول من العام المقبل.
ووفقًا للمصادر، التي فضلت عدم ذكر اسمها، لا يعد هذا المقترح قرارًا نهائيًا بقدر ما يمثل أحد السيناريوهات الحكومية التي يجري اختبارها داخل الدوائر الضيقة، في ظل تفاقم الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلكين، وارتفاع فاتورة دعم القطاع على نحو يضغط بقوة على الموازنة العامة.
يأتي ذلك بالتوازي مع خطاب رسمي يؤكد في كل مناسبة أن أسعار الكهرباء ستظل مجمّدة حتى بداية العام المقبل، وهو ما كرره وزير الكهرباء محمود عصمت أكثر من مرة خلال مشاركاته في فعاليات قطاع الطاقة خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين شدد على أن أي تعديل للتعريفة لن يحدث قبل يناير 2026، وأن الحكومة ملتزمة بحماية الشرائح الأقل استهلاكًا. كما أعاد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التأكيد في سبتمبر/أيلول على أنه "لا توجد أي زيادة في الوقت الحالي"، في رسالة مستمرة إلى الرأي العام تهدف إلى طمأنة المواطنين في ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة، ووسط هواجس من تأثير أي خطوة قد تمس فاتورة الكهرباء على ملايين الأسر.
لكن ما يدور خلف كواليس الحكومة يبدو أكثر تعقيدًا. فخلال العام الجاري، سجلت فاتورة دعم الكهرباء قفزة ضخمة، إذ تشير بيانات رسمية إلى تخصيص 75 مليار جنيه كدعم إضافي للكهرباء في موازنة العام المالي الحالي، بينما تحدث وزير الكهرباء عن أن إجمالي الدعم التقديري يقترب من 170 مليار جنيه (الدولار = نحو 47.6 جنيهاً)، وهو رقم غير مسبوق يعكس ثلاثة تطورات وهي: ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في السوق العالمية، وزيادة الاعتماد على المازوت في تشغيل بعض المحطات خلال فترات الضغط، وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار بما رفع تكلفة التشغيل والصيانة واستيراد المعدات.
وتوضح مصادر حكومية أن الاعتماد على المازوت، على سبيل المثال، يضيف ما يقرب من 20 قرشًا (الجنيه = 100 قرش) إلى تكلفة إنتاج الكيلووات/ساعة في المحطات التي تعمل به، ما يضاعف الضغوط المالية على الدولة.
وتكشف مصادر في قطاعي البترول والكهرباء أن الحكومة عملت خلال الصيف الماضي على ضخ نحو 3.3 مليارات قدم مكعبة من الغاز يوميًا لمحطات الكهرباء، إضافة إلى نحو 32 ألف طن من المازوت يوميًا، لضمان استقرار الشبكة الوطنية ومنع تكرار الانقطاعات الكبيرة. ورغم نجاح هذه السياسة في تحقيق استقرار نسبي خلال أشهر الذروة، فإن كلفتها المالية باتت تفرض على الدولة إعادة مراجعة منظومة التسعير، خصوصًا أن مصر منخرطة في برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي يتضمن التزامات واضحة بشأن خفض دعم الطاقة وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء.
وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من رفع أسعار الوقود في أبريل/نيسان الماضي بنسب وصلت إلى 15%، وهو التحرك الذي اعتبرته مصادر حكومية "المرحلة الأولى" من إعادة هيكلة دعم الطاقة خلال العام، فيما مثل إلغاء التخفيضات الممنوحة للصناعة في يوليو/تموز الماضي خطوة أخرى على هذا المسار.
ومع اقتراب بعثة صندوق النقد من اختتام المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الممدد، تشير المصادر إلى أن ملف تعريفة الكهرباء قد ينتقل إلى مقدمة الأولويات الاقتصادية خلال الربع الأول من 2026، خصوصًا إذا تحسن التضخم وانخفضت الضغوط على سعر الصرف، ما يفتح المجال أمام الحكومة لاتخاذ قرارات تدريجية في ملف كان شديد الحساسية طوال العام.
ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن الحكومة تميل إلى الحفاظ على دعم الشرائح الأقل استهلاكًا، وعدم المساس بشرائح 0–100 و100–200 كيلووات/ساعة، وهي الطبقات التي تعتمد عليها الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط الأدنى. أما الشرائح الأعلى استهلاكًا، فتمثل الهدف الأساسي لأي تعديل مرتقب، ما يعيد طرح فكرة "التحرير الجزئي" لسوق الكهرباء، والتي تستهدف وضع أسعار شبه حرة للشرائح المتوسطة والعالية، مع الإبقاء على دعم موجه بدقة للفئات الأضعف. ويُتوقع أن تؤدي مثل هذه الزيادة، إذا أقرت، إلى ارتفاع الفواتير المنزلية للطبقة المتوسطة بما يتراوح بين 40 و80 جنيهًا شهريًا في المتوسط، وفق تقديرات أولية لمسؤولين في قطاع الطاقة.
ولا يقتصر التأثير المتوقع على الأسر فقط، إذ من المحتمل أن ينعكس أي تعديل للتعريفة على القطاع التجاري والخدمي، ولا سيما المطاعم والمحال والأنشطة الصغيرة.