المصانع المظلمة تغزو الصين... روبوتات "بشرية" تقضي على العمال
استمع إلى الملخص
- الصين تعزز رقمنة القطاع الصناعي بإنشاء مصانع ذكية تعتمد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي، مع خطط لتطوير مصانع مظلمة تعمل دون تدخل بشري باستخدام تقنيات متقدمة.
- سوق الروبوتات البشرية يواجه تحديات تقنية مثل عمر البطاريات، لكنه يتوقع نموًا كبيرًا في قطاع السيارات لتحسين الكفاءة وخفض التكاليف، مع تجارب من شركات كبرى مثل تسلا وهيونداي وفورد.
قال الرئيس التنفيذي لشركة شاومي، كبرى شركات الإلكترونيات الصينية، لي جون، إن الشركة تتوقع نشر الروبوتات البشرية على نطاق واسع في مصانعها خلال السنوات الخمس المقبلة، في خطوة وصفها بأنها جزء من تحول عميق في نموذج التصنيع يقوده الذكاء الاصطناعي. وأوضح لي جون خلال فعالية للإعلام التقني في الصين، أول أمس الاثنين، أن الروبوتات البشرية ستدخل خطوط الإنتاج بوصفها عنصراً رئيسياً في تشغيل المصانع الذكية التابعة للشركة، مؤكدا أن هذه الخطوة تمثل استجابة مباشرة لضغوط ارتفاع التكاليف وتراجع أعداد العمالة الشابة في الصين، إلى جانب سباق عالمي على تبني الأتمتة المتقدمة في الصناعات الإلكترونية والسيارات، وفقا لموقع "تيك نود".
واستشهد لي جون بمصنع شاومي للسيارات الكهربائية في ييتشوانغ - بكين بوصفه حالة عملية على ما يمكن أن تفعله الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في بيئة إنتاج معقدة. فقد استبدلت الشركة الفحص اليدوي البطيء لقطع السيارات المصبوبة كبيرة الحجم بنظام يجمع بين الأشعة السينية ونموذج رؤية حاسوبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، بحيث تستكمل عملية الفحص خلال ثانيتين فقط، أي أسرع بنحو عشر مرات من العامل البشري، مع دقة قال لي جون إنها تفوق الفحص اليدوي بأكثر من خمس مرات، بحسب موقع "ميد داي". ويرى الرئيس التنفيذي لشركة شاومي أن هذه القفزة في السرعة والجودة تمثل بروفة لما يمكن أن تفعله الروبوتات البشرية حين تدمج بالكامل في خطوط الإنتاج، خاصة في المهام المتكررة أو التي تتطلب دقة عالية.
وإلى جانب الاستخدام الصناعي، أكد لي جون في تصريحات نقلها موقع "إنتريستينغ إنجنيرنغ"، أول أمس الاثنين، أن شاومي تراهن على الروبوتات البشرية للاستخدام المنزلي باعتبار ذلك سوقاً أكبر على المدى البعيد من السوق الصناعية، وأوضح أن الروبوتات التي ستعمل في البيئات المنزلية ستحتاج إلى أداء أعلى بكثير من تلك المستخدمة في المصانع، لأنها ستتعامل مع مهام متنوعة وبيئات غير معيارية ومليئة بالمتغيرات. وتطور الشركة منذ عام 2022 الروبوت "سايبر ون"، وهو روبوت "أنثروبومورفي" تسعى شاومي إلى توظيفه في سلسلة واسعة من الأعمال اليومية. لكن هذا التوسع، سواء في المصانع أو المنازل، يعني في النهاية تضييقا متزايدا على مساحة العمل البشري التقليدي، خاصة في الوظائف ذات المهارات المتوسطة والمنخفضة.
كفاءة المصانع المظلمة
وأعلنت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية أن الصين أنشأت أكثر من 30 ألف مصنع ذكي في مستواها الأساسي ضمن برنامج وطني لتسريع رقمنة القطاع الصناعي، وذلك وفق بيان نشرته وكالة شينخوا الرسمية في 12 فبراير/ شباط الماضي. وبحسب الوزارة، فقد تم أيضاً تطوير 1200 مصنع ذكي متقدم و230 مصنعا على مستوى التميز، موزعة على جميع المقاطعات الحادية والثلاثين وتغطي أكثر من 80% من القطاعات الصناعية. وتشير بيانات الوزارة إلى أن هذه المصانع المتقدمة خفضت مدة تطوير المنتجات بنسبة 28.4%، ورفعت كفاءة الإنتاج بنسبة 22.3%، وقلصت معدلات العيوب بنحو 50.2%، إلى جانب خفض انبعاثات الكربون بنسبة 20.4%، ما يجعلها نموذجا عمليا على التحول نحو التشغيل شبه المؤتمت. وأوضحت الوزارة أن هذه المنظومة تمثل الأساس الذي ستبنى عليه المصانع ذات التشغيل الذاتي الكامل، بما في ذلك نماذج "المصانع المظلمة" المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مؤكدة أنها تستعد لإطلاق مرحلة المصانع الرائدة ضمن موجة توسع جديدة في التصنيع الذكي.
وقدم تقرير نشرته منصة "ديجيتال ثريد" في 27 أغسطس/ آب الماضي صورة تفصيلية عن البنية التقنية التي تقف خلف صعود المصانع المظلمة في الصين، وهي منشآت تعمل دون أي عمال أو إضاءة وتعتمد بالكامل على الروبوتات والذكاء الاصطناعي. ووفق التقرير، تقوم هذه المصانع على منظومة من الروبوتات الصناعية، والمركبات الذاتية الحركة، وشبكات الاستشعار عالية الكثافة، إضافة إلى منصات ذكاء اصطناعي تشرف على سير العمليات لحظة بلحظة. وذكر التقرير أن مصانع مثل منشأة شاومي في تشانغبينغ - بكين تستخدم نظام "هايبر إمب" (HyperIMP) لإدارة 11 خط إنتاج روبوتي وصنع هاتف كل ثلاث ثوان دون تدخل بشري. وأوضح التقرير أن مصنع جيتور في فوزو خفض زمن اللوجستيات الداخلية بأكثر من 40% بفضل استخدام مركبات AMR، بينما حقق مصنع غري إلكتريك في تشوهاي زيادة في كفاءة الإنتاج بلغت 86% بعد دمج شبكة الجيل (5.5G) مع أنظمة التحكم الذكية.
وأكد التقرير أن هذه التطبيقات تشكل بداية تحول هيكلي في نموذج التصنيع الصيني، حيث تعمل الخوارزميات على تنسيق الإنتاج في الوقت الحقيقي، وتراقب الجودة عبر الرؤية الحاسوبية، وتنفذ الصيانة التنبؤية قبل حدوث الأعطال. ويرى التقرير أن هذا النموذج يفتح الباب لمرحلة صناعية تعمل فيها الآلات باعتبارها وحدات ذاتية التنظيم، ما يثير تساؤلات حادة حول مستقبل المهارات المطلوبة ودور الإنسان في بيئة إنتاج تدار بالكامل عبر أنظمة ذكية متشابكة.
وظائف بشرية جديدة
وفي المقابل، أكد الرئيس التنفيذي لشركة سيمنز للصناعات الرقمية وعضو مجلس إدارة سيمنز إيه جي سيدريك نايكه أن الصناعة العالمية تنتقل من خطوط الإنتاج الثابتة إلى أتمتة شديدة المرونة تعاد برمجتها وفق الطلب، بحيث تصبح المصانع قادرة على إعادة تهيئة خطوطها بين عشية وضحاها اعتمادا على التوائم الرقمية والروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي الصناعية. وقال نايكه، في مقابلة نشرتها صحيفة إيكونوميك تايمز، أمس الثلاثاء، إن المستقبل لن يقوم على ميزة العمالة الرخيصة، بل على القدرة على بناء وظائف عالية الإنتاجية ومتقدمة تكنولوجيا، وأوضح أن بيانات الذكاء الاصطناعي الصناعي، التي قدرها بما يعادل 34 مليون سنة من بث نتفليكس بدقة 4K، ما زالت غير مستغلة بالكامل، إذ لا يستخدم القطاع سوى 20% منها فقط حتى الآن.
ورفض نايكه فكرة المصانع المظلمة بالكامل، قائلا إن الروبوتات تحمي الوظائف بدلا من القضاء عليها، مؤكدا أن موجة الأتمتة الحالية ستخلق وظائف جديدة داخل المصانع، مثل مستقصي قرارات الذكاء الاصطناعي، وملقن الآلات القادر على توجيه الروبوتات بكفاءة. وكشف أن سيمنز تعمل على بناء أول مصنع يحاكي بالكامل في الواقع الرقمي المتقدم بمدينة إرلانغن الألمانية بالتعاون مع شركة إنفيديا، بعد استثمار تجاوز 500 مليون يورو في هذا المشروع. كما أكد أن سلاسل الإمداد العالمية تتجه إلى ما سماه الغلوكالايزيشن (Glocalisation)، حيث ستنشأ مناطق نفوذ صناعية إقليمية مثل منطقة النفوذ الهندية والصينية والأوروبية، مع انتشار مصانع أصغر وأكثر قدرة على التكيف مع تقلبات السوق العالمية.
نماذج ذكية متعددة
وقالت "بلومبيرغ إنتليجنس"، في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم إن شركات تصنيع السيارات العالمية تتجه إلى الاعتماد على الروبوتات الشبيهة بالبشر لسد ما تبقى من المهام اليدوية في المرحلة الأخيرة من خطوط التجميع، وهي المرحلة التي تتضمن تركيب المقاعد ولوحات القيادة وتمديد ضفائر الأسلاك، وهي عمليات ما زالت تعتمد بنسبة تقارب 90% على العمالة البشرية والروبوتات التقليدية، وأشارت إلى أن ارتفاع الرسوم الجمركية وعودة التصنيع إلى الداخل وارتفاع تكاليف العمالة، إلى جانب نقص المهارات، يدفع الشركات للبحث عن كفاءة أعلى في المراحل التي يصعب أتمتتها بالكامل حتى الآن. وتوقع التقرير أن ترتفع حصة الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى 14% من إجمالي مبيعات الروبوتات الصناعية في قطاع السيارات بحلول 2035، بشرط تحقيق قفزات تتعلق بالأمان والكلفة وكفاءة التشغيل.
وأوضحت أن الروبوتات الشبيهة بالبشر لا تزال بحاجة إلى بطاريات بعمر تشغيلي يصل إلى ثماني ساعات كاملة كي تصبح قابلة للاستخدام الواسع في بيئات العمل المصممة أساسا للبشر، كما لفتت إلى أن معدل النمو السنوي المركب المتوقع لسوق هذه الروبوتات في قطاع السيارات قد يصل إلى 38%، مع بلوغ حجم سوق محتمل يقدر بنحو خمسة مليارات دولار بحلول عام 2035، شريطة انخفاض التكاليف وارتفاع كفاءة المناولة ودقة الحركة مقارنة بالمستوى البشري، وبينت أن الفوائد المبكرة ستظهر في مهام مناولة المواد، حيث يمكن أن تساهم الروبوتات الشبيهة بالبشر في خفض تكاليف العمالة في مرحلة ما قبل التسليم النهائي بنسبة تصل إلى 4%.
وأشارت "بلومبيرغ إنتليجنس" إلى أن شركة تسلا الأميركية تعمل على اختبار روبوتاتها "أوبتيموس" في إطار نظام تصنيعها المعياري الجديد، وهو ما قد يشكل أول تجربة واسعة النطاق لدمج الروبوتات الشبيهة بالبشر في تصنيع السيارات، وترى أن اعتماد تسلا على وحدات تصنيع معيارية قد يسهل على الروبوتات تنفيذ المهام المتكررة، رغم بقاء المخاوف مرتبطة بمستوى الجودة والتزامن بين الوحدات، كما لفتت إلى دخول شركات مثل "فيغر إي آي" (Figure AI) ومطورين صينيين عدة في مرحلة التوسع الإنتاجي، بينما تختبر شركات مثل هيونداي وفورد مسارات مختلفة للدمج داخل مصانع السيارات، الأمر الذي يعكس تعدد النماذج الممكنة لتجارة الروبوتات الشبيهة بالبشر وعدم وجود مسار موحد لاعتمادها.