المركز العربي: لبنان أمام فجوة إعادة إعمار تفوق 20 مليار دولار والتمويل مرهون بالإصلاح والتنفيذ
- تعتمد الدولة على القروض والهبات الدولية المشروطة بالإصلاحات، لكن الإجراءات البيروقراطية وضعف القدرة الإدارية تعيق تنفيذ المشاريع وتحويل الالتزامات إلى مشاريع فعلية.
- الإصلاحات السياسية والمالية ضرورية لجذب التمويل الدولي، مع التركيز على إعادة هيكلة الدين العام وإصلاح القطاع المصرفي وتوجيه التمويل نحو قطاعات مستدامة لتحقيق النمو الاقتصادي.
يدخل لبنان مرحلة ما بعد الحرب وهو يواجه تحديًا اقتصاديًّا غير مسبوق: كيف يمكن تمويل إعادة الإعمار في ظل أضرار تتجاوز 20 مليار دولار، واقتصاد منهك منذ انهيار النظام المالي عام 2019، ودولة فقدت قدرتها التقليدية على الاقتراض والإنفاق؟ ويشير تقرير تقييم حالة صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - بيروت اليوم الجمعة، بعنوان "هل من تمويل متاح للبنان لإعادة الإعمار؟ بين مطرقة الاقتراض وشروط التعافي"، إلى أن الفجوة بين حجم الأضرار والحاجات الفعلية من جهة، والموارد المتاحة من جهة أخرى، باتت هائلة، ما يجعل الأولوية لا تقتصر على البحث عن الأموال، بل على قدرة الدولة على إدارة ما يمكن الحصول عليه وتحويله إلى تعافٍ اقتصادي واجتماعي.
ووفق التقرير، فإن خسائر الحرب الأخيرة والأضرار المتراكمة تجاوزت تقديريًّا 20 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 65 % من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني، فيما لا يملك لبنان حاليًّا سوى هوامش محدودة من التمويل القابل للتحريك. ويأتي ذلك بعد سلسلة أزمات متلاحقة بدأت بانهيار النظام المالي نهاية عام 2019، مرورًا بالحربين مع إسرائيل خلال عامي 2024 و2026، حيث أدت هذه التطورات إلى تراجع التدفقات التمويلية التقليدية، وتحول الاعتماد بشكل أساسي إلى القروض والهبات الدولية المشروطة بإصلاحات سياسية ومالية وإدارية.
أضرار تضاعفت وفجوة تمويلية تتسع
كانت تقديرات ما بعد حرب عام 2024 تشير إلى أن كلفة الأضرار في الأصول المادية بلغت نحو 6.8 مليارات دولار، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية إلى نحو 7.2 مليارات دولار، مع حاجة إلى ما يقارب 11 مليار دولار لتمويل إعادة الإعمار والتعافي خلال السنوات الأولى وحتى عام 2030. لكن هذه الأرقام لم تعد تعكس الواقع بعد اندلاع الحرب الجديدة عام 2026.
فوزير المال اللبناني ياسين جابر قدّر أن الحرب التي بدأت في 2 آذار/مارس 2026 قد تؤدي إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بين 7 و10 % خلال العام الحالي، وأن مجموع الأضرار المباشرة وغير المباشرة قد يصل إلى 20 مليار دولار. كما أوضح أن الحكومة خصصت 50 مليون دولار من الأموال العامة لمساندة أكثر من مليون نازح، مشيرًا إلى أن المبادرة الدولية التي أطلقت بعد زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى لبنان في آذار/مارس لجمع 300 مليون دولار لم تؤمّن حتى الآن سوى 100 مليون دولار.
وتظهر مؤشرات حجم الأزمة أن أكثر من 1.2 مليون شخص نزحوا داخليًّا حتى منتصف حزيران/يونيو 2026، فيما تضررت أو دمرت أكثر من 68 ألف وحدة سكنية بين 2 آذار و17 أيار. ولا تقتصر الخسائر على الأبنية والبنى التحتية، إذ طاولت النشاط الاقتصادي والعقود التجارية والقدرة الإنتاجية المحلية، ما يعني أن لبنان يواجه فجوة مركبة تجمع بين دمار جديد، وأضرار قديمة لم تُعالج، وانكماش اقتصادي يقلص قدرة الدولة على جمع الإيرادات.
أكثر من 600 مليون دولار متاحة... لكنها لا تكفي
رغم محدودية الموارد، لا يبدأ لبنان مرحلة إعادة الإعمار من الصفر. ويشير التقرير إلى وجود محفظة قروض قائمة لدى البنك الدولي بلغت التزاماته فيها نحو 1.8 مليار دولار حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025، موزعة على 18 مشروعًا نشطًا تشمل قطاعات الطاقة والمياه وإعادة الإعمار والصحة والحماية الاجتماعية والزراعة والبيئة والإدارة المالية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
كما أقر البنك الدولي عام 2025 قرضًا بقيمة 250 مليون دولار ضمن مشروع المساعدة الطارئة للبنان (LEAP)، بهدف إصلاح البنى التحتية والخدمات الأساسية المتضررة، وإدارة الردميات في المناطق المتأثرة بالحرب. ويضاف إلى ذلك مسار محتمل مع صندوق النقد الدولي، بعدما توصل لبنان والصندوق في نيسان/إبريل 2022 إلى اتفاق على مستوى الموظفين ضمن برنامج تسهيل الصندوق الممدد (EFF) بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، لكنه بقي مرتبطًا بتنفيذ إصلاحات مسبقة وموافقة إدارة الصندوق ومجلسه التنفيذي.
وفي هذا السياق، تكتسب إشارة وزير المال إلى توفر أكثر من 600 مليون دولار أهمية خاصة، إلا أن التقرير يوضح أن هذه الأموال ليست مخصصة لإعادة الإعمار الكامل، بل للاستجابة الأولية، مثل دعم النازحين، إزالة الردميات، تمويل النفقات الطارئة، وتشغيل الإدارات العامة. فحتى لو تم استخدام هذا المبلغ كاملًا، فإنه لا يغطي سوى جزء محدود من حاجات التعافي المقدرة بنحو 20 مليار دولار.
التمويل موجود جزئيًّا... لكن المشكلة في القدرة على استخدامه
يرى التقرير أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في حجم الأموال المتاحة، بل في قدرة الدولة على نقلها من مرحلة الالتزام إلى التنفيذ. فالقرض لا يتحول إلى مشروع بمجرد توقيعه، بل يحتاج إلى سلسلة طويلة من الإجراءات تشمل الموافقات الرسمية، وإعداد دفاتر الشروط، وإطلاق المناقصات، واختيار المتعهدين، ثم بدء الصرف والتنفيذ. ويشير التقرير إلى أن لبنان يملك على الورق تمويلات مهمة، لكن جزءًا منها بقي معطلًا بسبب ضعف القدرة الإدارية والتأخير في استكمال الإجراءات.
ويقدم التقرير مثالًا على ذلك من خلال إلغاء البنك الدولي في أيلول/سبتمبر 2020 الجزء غير المصروف من قرض مشروع سد بسري بقيمة 244 مليون دولار، بسبب عدم استكمال الشروط المطلوبة لبدء التنفيذ. ويؤكد أن تجربة سد بسري تكشف أن القرض غير المستخدم لا يختلف كثيرًا عن التمويل غير الموجود، لأن الأموال التي لا تصل إلى المشاريع لا تنتج أثرًا اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا.
إعادة توجيه القروض القائمة قد تكون الحل الأسرع
يركز التقرير على أهمية استخدام القروض القائمة أداةَ تدخلٍ سريع بدل انتظار تمويلات جديدة. فالبنك الدولي بحث في عام 2024 إمكانية تحرير ما يصل إلى 100 مليون دولار للبنان عبر بنود الاستجابة الطارئة الموجودة في بعض القروض القائمة، والتي تسمح بإعادة توجيه الأموال غير المصروفة عند وقوع أزمات. كما أن مشروع LEAP لا يقتصر على التمويل الحالي البالغ 250 مليون دولار، بل يمثل إطارًا قابلًا للتوسع ليصل إلى نحو مليار دولار عبر إدماج منح وقروض إضافية. أما التمويل الأوروبي والفرنسي، فيبقى مرتبطًا بتحقيق شروط الإصلاح وبناء الثقة، إذ إن المانحين لا ينظرون إلى حجم الدمار فقط، بل إلى قدرة الدولة على إدارة الأموال ومكافحة الهدر.
ويحذر التقرير من التعامل مع القروض باعتبارها حلًّا مجانيًّا، إذ إن لبنان لا يزال متعثرًا عن سداد ديونه السيادية منذ آذار/مارس 2020، ويواجه أزمة مصرفية ومالية مفتوحة. ويؤكد أن القروض قد تكون ضرورية في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصًا إذا كانت ميسرة وموجهة إلى مشاريع منتجة، مثل الطاقة والمياه والزراعة والصحة والتحول الرقمي.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول القروض إلى إنفاق قصير الأجل لا يعيد تشغيل الاقتصاد، لأنها ستضيف أعباء جديدة إلى دولة تعاني أصلًا أزمة ديون. ويشير التقرير إلى أن صندوق النقد الدولي ربط أي برنامج تمويلي مع لبنان بإعادة هيكلة الدين العام، وإصلاح القطاع المصرفي، ووضع استراتيجية مالية تسمح باستعادة الاستدامة المالية.
الإصلاح شرط جذب الأموال الإضافية إلى لبنان
لا يتوقع التقرير تدفق أموال إعادة إعمار كبيرة من دون مسارين متوازيين: الأول سياسي وأمني، يتعلق بتقليص المخاطر المرتبطة بالاستقرار الإقليمي. والثاني مالي وإصلاحي، يتعلق بتنفيذ إصلاحات الدولة، خصوصًا في القطاع المصرفي والمالية العامة والإدارة. ويشير إلى أن فرنسا أبدت استعدادها لدعم إعادة إعمار لبنان وحشد دعم دولي له، لكنها ربطت ذلك باستمرار الإصلاحات وإقرار التشريعات المطلوبة، فيما أكد صندوق النقد أن الإصلاحات شرط أساسي لجذب الدعم الدولي.
ويخلص التقرير إلى أن نجاح لبنان لا يقاس فقط بحجم الأموال التي سيحصل عليها، بل بما إذا كانت هذه الأموال ستعيد تشغيل الاقتصاد. فإعادة بناء المنازل والطرق والخدمات لا تكفي إذا عاد لبنان إلى النموذج الاقتصادي الهش نفسه الذي سبق الأزمة. ويحتاج لبنان، بحسب التقرير، إلى توجيه التمويل نحو قطاعات قادرة على خلق قيمة اقتصادية مستدامة: الطاقة لتخفيض كلفة الإنتاج، والمياه لضمان عودة السكان، والزراعة لتوليد الدخل، والصحة والتعليم للحفاظ على رأس المال البشري، والإدارة المالية لبناء دولة أكثر قدرة على التخطيط والرقابة.
فالاختبار الحقيقي بعد الحرب لن يكون: كم حصل لبنان من أموال؟ بل: هل استطاعت الدولة تحويل هذه الأموال إلى خدمات وفرص عمل ونمو اقتصادي؟ ويختصر التقرير جوهر الأزمة بالقول إن لبنان لا يواجه فقط مشكلة نقص التمويل، بل مشكلة تحويل التمويل المتاح إلى تعافٍ فعلي، لأن الأموال التي لا تجد إدارة قادرة على استخدامها تبقى مجرد أرقام على الورق.