المركزي الأوروبي: فائض الصين يغزو أوروبا قبل التعرفات الجمركية

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:00 (توقيت القدس)
مقر البنك المركزي الأوروبي، فرانكفورت 8 مايو 2025 (توماس لونز/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت دراسة أن إغراق الأسواق الأوروبية بالمنتجات الصينية الرخيصة يعود إلى ضعف الطلب المحلي في الصين، نتيجة الركود في قطاع الإسكان والاستثمار الموجه من الدولة، مما أدى إلى فائض إنتاجي دفع الصين لتكثيف صادراتها.

- يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات من تدفق السلع الصينية الرخيصة، حيث تستفيد أوروبا من انخفاض الأسعار، لكنها تواجه منافسة تهدد الصناعات المحلية، مما يستدعي إعادة النظر في السياسات التجارية لحماية الصناعة.

- يعكس التوتر بين الولايات المتحدة والصين تحولًا في العولمة، حيث يسعى كل منهما لبناء شبكات اقتصادية خاصة، مما يبطئ النمو العالمي ويزيد من عدم اليقين، مع إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

ذكرت دراسة صادرة عن البنك المركزي الأوروبي اليوم الثلاثاء، أن ضعف الطلب المحلي في الصين هو السبب الرئيسي وراء إغراق الصين للأسواق الأوروبية بفائض منتجاتها بأسعار منخفضة للغاية على حساب المنتجين المحليين، وليس التعرفات الجمركية الأميركية. وتزايد الضغط على الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات بشأن الارتفاع الكبير في الواردات من الصين، مع اضطرار بكين إلى البحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها التي تواجه صعوبة في بيعها بسبب التعرفات الأميركية، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.

وجاء في مقال ضمن النشرة الاقتصادية للبنك المركزي الأوروبي: "قد تؤدي التوترات التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين إلى مزيد من تحويل الصادرات الصينية نحو أوروبا". وأضاف البنك: "مع ذلك، فإن ارتفاع صادرات الصين إلى الاتحاد الأوروبي يسبق أحدث التوترات، ويتزامن بدلًا من ذلك مع بداية ضعف الطلب المحلي في الصين".

ويرى البنك أن بداية هذا الاتجاه الحالي تعود إلى عام 2021، عندما أدى الركود في قطاع الإسكان الصيني إلى تراجع الطلب المحلي وبدأ يضغط على الاستثمار في قطاع الإسكان، وهو قطاع يعتمد بشكل كبير على الواردات. وفي الوقت نفسه، أدى الاستثمار الذي تقوده الدولة في قطاع التصنيع، بهدف استقرار النمو، إلى خلق طاقة إنتاجية فائضة ودفع الشركات إلى خوض حروب أسعار، مما جعلها تعيد توجيه مبيعاتها نحو الأسواق الخارجية، بحسب الدراسة.

وأوضح البنك المركزي الأوروبي: "لكي تتوسع الشركات في الخارج، يجب أن تكتسب القدرة التنافسية. وغالبًا ما تفعل ذلك من خلال خفض التكاليف والأسعار الهامشية على المدى القصير، أو من خلال قبول هوامش ربح أضيق، وفي بعض الحالات حتى الخسائر". وفي الوقت نفسه، تواصل مجموعة من العوامل في الصين – مثل ضعف الطلب الاستهلاكي، والسياسات التجارية، والتركيز الاستراتيجي على التصنيع المحلي للمنتجات الرئيسية – الحد من الطلب على الواردات، مما يشير إلى تحول دائم في سلوك الصين التجاري، ويُبقي الفجوة التجارية في مسار متسع.

تحول بنيوي في طبيعة الاقتصاد الصيني

تُظهر دراسة البنك المركزي الأوروبي بوضوح أن ظاهرة إغراق الأسواق الأوروبية بالبضائع الصينية ليست مجرد نتيجة آنية للتوترات التجارية بين بكين وواشنطن، بل تعبّر عن تحوّل بنيوي في طبيعة الاقتصاد الصيني ومسار التجارة العالمية. فبعد عقود من النمو المدفوع بالطلب المحلي والاستثمار العقاري، تجد الصين نفسها اليوم أمام واقع اقتصادي جديد تُحدّده العوامل الداخلية قبل الخارجية: تراجع الطلب المحلي، تزايد الفائض الإنتاجي، وتحوّل الدولة إلى نموذج تصديري أكثر شراسة لتصريف الإنتاج الفائض.

هذا التحوّل يضع الاقتصاد العالمي، ولا سيّما الأوروبي، أمام معادلة معقدة:  فمن جهة، تستفيد أوروبا من تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة التي تخفف الضغط التضخمي على المستهلكين وتساعد في استقرار الأسعار. ومن جهة أخرى، تواجه الصناعات المحلية الأوروبية منافسة غير متكافئة قد تهدد بنيتها الإنتاجية وفرص عملها، خصوصًا في القطاعات الحساسة كالصناعات الخضراء، والمركبات الكهربائية، والمنتجات التقنية.

يعكس هذا المشهد تحوّل مركز الثقل التجاري العالمي من نموذج التكامل المتوازن إلى نموذج يقوم على "تصدير الأزمات الهيكلية"، إذ تحاول الصين تعويض ضعف الطلب الداخلي عبر غزو الأسواق الخارجية، تمامًا كما تفعل الاقتصادات المتقدمة في فترات الركود الصناعي. ومع استمرار ضعف الاستهلاك المحلي في الصين وتراجع الواردات، يبدو أن الفجوة التجارية بين بكين وشركائها التجاريين، خصوصًا الاتحاد الأوروبي، مرشحة للاتساع على المديين المتوسط والطويل.

على المستوى الأوروبي، تُطرح تساؤلات جدّية حول قدرة سياسات الاتحاد على مواجهة هذا الإغراق التجاري دون الدخول في حرب تجارية مفتوحة. فالاتحاد الأوروبي، الذي يسعى إلى الحفاظ على توازنه الاقتصادي ومبادئ السوق الحرة، يجد نفسه مضطرًا اليوم إلى إعادة النظر في آليات حماية صناعته، وربما تبنّي أدوات أكثر صرامة مثل الرسوم التعويضية أو تشديد قواعد المنافسة، مع محاولة تجنب الانعكاسات التضخمية المحتملة على المستهلك الأوروبي. 

في المقابل، تشير التحليلات إلى أن استمرار هذه الدينامية قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة الإمداد العالمية، بحيث تزداد التبعية الأوروبية للسلع الصينية في ظل ضعف البدائل التنافسية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء بكين عبر سياسة العزل التجاري. هذه التفاعلات تضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة إعادة توازن جديدة، حيث لم تعد الحرب التجارية مجرد صراع على الرسوم، بل صراعًا على من يمتلك القدرة الإنتاجية والتكنولوجية الفائضة في عالم يتراجع فيه الطلب الإجمالي.

في النهاية، تكشف دراسة البنك المركزي الأوروبي عن أزمة مزدوجة: أزمة طلب داخلي خانق في الصين، وأزمة منافسة في أوروبا، تتقاطعان لتشكّلا أحد أبرز ملامح الاقتصاد العالمي في العقد المقبل. وإذا لم تُعد الصين توازنها بين الإنتاج والاستهلاك، ولم تطوّر أوروبا سياسات تجارية وصناعية أكثر استقلالية ومرونة، فقد يجد الطرفان نفسيهما في دوامة تجارية طويلة الأمد، تُعيد تعريف ملامح العولمة الاقتصادية وتحدّد اتجاهها القادم.

التوتر بين الولايات المتحدة والصين وأثره على العولمة الاقتصادية

يُعدّ الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين من أبرز التحولات البنيوية في النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود الأخيرة، إذ تجاوزت جذوره البعد التجاري ليصبح صراعًا استراتيجيًا شاملاً على النفوذ التكنولوجي، والمالي... بدأت ملامح هذا التوتر بالظهور بوضوح منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين بدأت الصين تتحول من "مصنع العالم" إلى قوة تكنولوجية وصناعية منافسة، مدعومة بسياسات صناعية طموحة.

هذا التصعيد المستمر بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم أدى إلى تحوّل في خريطة العولمة، التي سادت منذ تسعينيات القرن الماضي. فبعدما كانت العولمة تقوم على التكامل الاقتصادي وتحرير التجارة، أصبح العالم يشهد اليوم عولمة مجزّأة أو عولمة ثنائية القطب، حيث يسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى بناء شبكات اقتصادية وتحالفات تجارية وتقنية خاصة بها. وقد انعكس هذا الانقسام على العالم الذي بدأ يتحرك من نموذج "التجميع العالمي" إلى نموذج "التموضع الإقليمي" أو ما يُعرف بسياسات "الصديق الموثوق" وإعادة التموضع الصناعي، في محاولة لتقليل الاعتماد المتبادل بين الجانبين.

أدى هذا التوتر إلى إبطاء وتيرة النمو العالمي وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق، كما دفع العديد من الدول النامية إلى إعادة حساباتها في علاقاتها التجارية مع كل من واشنطن وبكين. فبينما تحاول الولايات المتحدة إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي وفق معايير الأمن القومي وسلاسل القيمة الآمنة، تعمل الصين على توسيع نفوذها من خلال مبادرة "الحزام والطريق" التي تربط أكثر من 140 دولة بمشاريع استثمارية وبنى تحتية ضخمة.

أما على صعيد العولمة، فقد أنتج هذا الصراع ما يمكن وصفه بـ"العولمة الجديدة"، التي لم تعد تركز على تدفق السلع فقط، بل على التحكم في التكنولوجيا والمعرفة والطاقة. ومع تصاعد الحواجز التجارية وتراجع التعاون الدولي، أصبحت العولمة أكثر انتقائية وأقل شمولية، حيث تسعى الدول الكبرى إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية قبل مصالح النظام الاقتصادي العالمي ككل. في هذا السياق، يُتوقّع أن يستمر تأثير التوتر الأميركي–الصيني في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي لعقود قادمة، عبر رسم حدود جديدة للتجارة والاستثمار، وتقسيم الأسواق، وإعادة تعريف مفهوم التنافسية. وبذلك، لم تعد العولمة تعني اندماج الاقتصادات، بل توازن القوى الاقتصادية في عالم منقسم، تسعى فيه كل دولة إلى حماية أمنها الاقتصادي أكثر من سعيها إلى توسيع انفتاحها التجاري.

المساهمون