أسعار المحروقات في سورية بين سعرين للدولار وواقع معيشي مضطرب

16 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:39 (توقيت القدس)
محطة محروقات في دمشق، 18 يناير 2025 (إرجين إرتورك/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد أسعار المشتقات النفطية في سوريا تقلبات مستمرة بسبب التعديلات المتكررة في تسعيرة المحروقات، مما يخلق فجوة تسعيرية تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتؤثر سلباً على المستهلكين والتجار.
- يؤثر تذبذب أسعار المحروقات بشكل مباشر على معيشة السوريين، خاصة العاملين في قطاعات النقل، حيث يواجهون صعوبة في تحديد الأجور المناسبة، مما يزيد من الأعباء على الأسر.
- رغم التبريرات الرسمية، يثير غياب سياسة تسعير مستقرة مخاوف اقتصادية ويؤدي إلى تسريع التضخم، مما يتطلب سياسة تسعير شفافة لتحقيق الاستقرار.

تشهد أسعار المشتقات النفطية في سورية حالة مستمرة من عدم الاستقرار، في ظل التعديلات شبه الأسبوعية التي تُجريها الشركة السورية للبترول على تسعيرة المحروقات. وتعتمد هذه التعديلات على سعر صرف للدولار يختلف عن السعر الرسمي الذي يحدده مصرف سورية المركزي، وكذلك عن سعر السوق الموازي، ما ينعكس مباشرة على الأسواق ويعمّق حالة الضبابية لدى المستهلكين والتجار على حد سواء.

وتعتمد الشركة في تسعير البنزين والمازوت على سعر صرف متغيّر للدولار مقابل الليرة السورية، لا يلتزم بالنشرة الرسمية للمصرف المركزي ولا بسعر التداول في السوق السوداء. ففي بعض الأحيان يكون هذا السعر أعلى من السعر الرسمي وأقل من سعر السوق، أو يتجاوزهما معاً في أحيان أخرى، ما يخلق فجوة تسعيرية تربك حركة السوق وتفتح الباب أمام موجات جديدة من الغلاء.

وفي مثال حديث على هذا التباين، حدّد مصرف سورية المركزي سعر صرف الدولار عند 11 ألف ليرة للمبيع والشراء، فيما بلغ سعر الدولار في السوق السوداء نحو 12,250 ليرة للشراء و12,350 ليرة للمبيع، بينما اعتمدت الشركة السورية للبترول سعراً وسطياً للمحروقات بلغ 12,100 ليرة للدولار الواحد، وهو ما اعتبره متابعون دليلاً إضافياً على غياب مرجعية واضحة للتسعير.

هذا التذبذب اليومي ينعكس مباشرة على معيشة السوريين، ولا سيما العاملين في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على المحروقات. وفي السياق، قال شادي داود، سائق سيارة أجرة في دمشق، لـ"العربي الجديد"، إن تغيّر سعر البنزين بشكل شبه يومي، حتى وإن كان طفيفاً، يضعه أمام مخاطر الخسارة الدائمة، إذ لم يعد قادراً على تحديد أجرة الرحلة في ظل ارتفاع التكاليف وعدم استقرارها، متسائلاً عن كيفية قدرة المواطن على التكيف مع هذا التخبط المستمر.

ولا يختلف حال سائقي النقل الجماعي كثيراً، حيث يوضح محمد سلطان، سائق ميكروباص يعمل على خط جرمانا – دمشق، أنّ السائقين باتوا في مواجهة يومية مع الركاب بسبب تغيّر أسعار المحروقات، مشيراً لـ"العربي الجديد" إلى أن الأجور المحددة تصبح غير واقعية بعد فترة قصيرة من صدورها. وأضاف أن السائق يُترك وحيداً بين خيار العمل بخسارة أو رفع الأجرة وتحمّل غضب الركاب، في ظل غياب أي دعم أو آلية تعويض، ما يدفع بعض السائقين إلى تقليص عدد الرحلات أو التوقف عن العمل في بعض الأيام.

من جهتها، أكدت نبيهة العاص، وهي ربة منزل، أن جميع الأسعار باتت مرتبطة بالمحروقات، إذ ينعكس أي ارتفاع فيها فوراً على أسعار الخضراوات والفواكه والسلع الأساسية. وأوضحت أن الفروق البسيطة في التسعير تتراكم سريعاً لتتحول إلى عبء ثقيل على القدرة الشرائية للأسر.

ويرى تجار أن هذا الواقع يفرض عليهم اعتماد سياسة تسعير احترازية. بدوره، قال شعبان المحمد، صاحب سوبر ماركت في منطقة المزة بدمشق، لـ"العربي الجديد"، إن العلاقة بين أسعار المحروقات وأسعار السلع علاقة طردية لا يمكن فصلها، مشيراً إلى أن التذبذب اليومي في التسعير يدفع كثيراً من التجار إلى رفع الأسعار كإجراء وقائي، لأن أي تاجر لا يستطيع تحمّل الخسائر الناتجة عن تغيّر كلفة النقل، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى 100 ألف ليرة سورية للرحلة الواحدة.

وفي ما يتعلق بآلية التسعير، صرّح مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية، أحمد سليمان، لـ"العربي الجديد"، بأنّ التعديلات التي تطرأ على أسعار المشتقات النفطية تأتي في إطار ما وصفها بـ"المواءمة الدورية" مع سعر الصرف المعتمد، مؤكداً أن الهدف منها ضمان استقرار تأمين المحروقات ومنع حدوث اختناقات في السوق، وليس تحميل المواطنين أعباء إضافية. وأضاف أن البنزين والمازوت متوفران حالياً في محطات الوقود بكميات غير محدودة ووفق السعر الرسمي، مشيراً إلى أن الوزارة تتابع تطبيق التسعيرة في مختلف المحافظات، وأن أي تجاوزات يتم التعامل معها عبر الجهات الرقابية المختصة.

كما أشار سليمان إلى أن سورية باتت تنتج جزءاً من احتياجاتها من المشتقات النفطية، ما قد ينعكس مستقبلاً على تخفيض الأسعار. ولفت إلى أن أي انخفاض في أسعار المحروقات من شأنه أن يخفّض تكاليف نقل البضائع والسلع، وبالتالي ينعكس إيجاباً على أسعارها في الأسواق. وحول واقع المصافي، أوضح أن مصفاة بانياس غربي سورية تعمل بنسبة تقارب 80% من طاقتها الإنتاجية، فيما تتراوح نسبة تشغيل مصفاة حمص وسط البلاد بين 30 و40%.

غير أن هذا التبرير الرسمي لا يبدّد، وفق اقتصاديين، المخاوف المتزايدة في الأسواق من استمرار حالة عدم اليقين. ويرى الخبير الاقتصادي كرم شعار أن التعديلات شبه اليومية على أسعار المحروقات تعكس غياب سياسة تسعير مستقرة وواضحة، معتبراً أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في مستوى الأسعار، بل في عدم القدرة على التنبؤ بها. وقال شعار لـ"العربي الجديد" إن اعتماد سعر صرف متغيّر وغير معلن المعايير يدفع التجار إلى رفع أسعارهم بشكل استباقي للتحوط من أي تغيير مفاجئ، ما يؤدي إلى تسريع التضخم وإضعاف الثقة بالتسعيرة الرسمية، وأكد أن تثبيت سعر الصرف المعتمد لفترة زمنية محددة بات ضرورة لتخفيف الفوضى في الأسواق.

وبين خطاب رسمي يربط التعديلات بضمان توفر المشتقات النفطية، وواقع معيشي يتأثر بأي تغيير في أسعارها، يبقى المواطن السوري الحلقة الأضعف في معادلة تسعير غير مستقرة. فغياب سياسة واضحة وثابتة لأسعار المحروقات لا ينعكس فقط على كلفة النقل أو السلع الأساسية، بل يكرّس حالة دائمة من عدم اليقين في الأسواق، ويدفع مختلف الفاعلين الاقتصاديين إلى العمل بمنطق التحوط والخوف من الخسارة. ومع استمرار التعديلات شبه اليومية، تتزايد التساؤلات حول قدرة هذه السياسة على تحقيق الاستقرار المنشود، في وقت تبدو الحاجة ملحّة إلى تسعير أكثر شفافية وقابلية للتنبؤ، يخفف من الأعباء المتراكمة على السوريين.

المساهمون