بعد إلغاء قانون قيصر.. الليرة السورية تشهد انتعاشاً وتحولاً في المزاج الاقتصادي
استمع إلى الملخص
- إلغاء قانون قيصر له تأثير نفسي واقتصادي، حيث هدأ التوقعات السلبية وقلل الخوف، لكن التحسن المستدام يتطلب زيادة الإنتاج وتعديل السياسات النقدية.
- يشكل إلغاء القانون فرصة لربط المصارف السورية بالنظام المالي العالمي، مما يعزز الاستيراد والتصدير، ويزيد السيولة، ويستقر سعر الصرف، ويوفر فرص عمل جديدة.
لم تنتظر الأسواق السورية طويلاً بعد إعلان موافقة مجلس النواب الأميركي على إلغاء قانون قيصر، أمس الخميس، فقد بدأت تظهر المؤشرات الأولى لتخفيف الضغط عن الاقتصاد السوري في اليوم نفسه. وقد شهدت الساعات التالية لإلغاء القانون صعود الليرة السورية أمام الدولار، مسجّلة تحسّناً يقارب 6% مقارنة بمستويات التداول التي سبقت الإعلان، في واحد من أسرع ردات الفعل التي شهدها سوق الصرف منذ سنوات.
هذا الارتفاع السريع بدا بمثابة نافذة أمل للسوريين الذين يعيشون في ظل واحدة من أطول الأزمات الاقتصادية في تاريخ البلاد، ويفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول قدرة الليرة على الحفاظ على هذا المسار.
سعر الدولار أمام الليرة السورية
وسجّل سعر الدولار تراجعاً ملحوظاً في معظم المحافظات السورية خلال تداولات يومَي الخميس والجمعة، مع اعتماد المتعاملين يوم الجمعة على تسعيرة الخميس بسبب إغلاق محال الصرافة، وبحسب أسعار السوق الموازية، تم تداول الدولار في دمشق وحلب وإدلب قرب 11,200 ليرة للشراء و11,300 ليرة للبيع، بعد أن كان يتجاوز هذه المستويات في الأسابيع الماضية حين استقر فوق 12 ألف ليرة طوال الأسبوع الماضي.
وفي الرقة، تشير بيانات الصرف إلى تداول الدولار عند 11,775 ليرة للشراء و11,825 للبيع، بينما ترتفع الأسعار قليلاً في الحسكة لتصل إلى نحو 11,850 ليرة للشراء و11,900 للبيع. وعلى الرغم من تفاوت الأرقام بين منطقة وأخرى، فإن الاتجاه العام يشير إلى تراجع واضح في سعر الدولار مقابل الليرة السورية خلال اليومين الماضيين.
هذا التراجع يعكس حالة من انخفاض الطلب على الدولار وتراجع الهلع الشرائي الذي كان يسيطر على المتعاملين، إضافة إلى تحسّن المزاج العام في الأسواق بعد التطورات السياسية الأخيرة. كما أن الفارق البسيط بين المحافظات يبقى ضمن حدود التأثر بالوضع الأمني، وتوافر السيولة، ومراكز النشاط التجاري، من دون أن يغيّر من الاتجاه العام نحو التحسن.
تأثير نفسي أم تحوّل اقتصادي؟
التحسّن الأخير في سعر الصرف لا يرتبط فقط بعوامل مالية، بل يحمل بعداً نفسياً مهماً، كما يرى عدد من الخبراء. فإلغاء قانون قيصر ولو من جهة واحدة داخل الولايات المتحدة فتح الباب أمام تصوّر جديد للمناخ الاقتصادي في سورية. فالموقف الأميركي، حتى وإن لم يكتمل تشريعياً، اعتبره كثيرون إشارة إلى بداية تخفيف الضغط المالي والسياسي الذي قيّد حركة الاقتصاد السوري لسنوات.
يقول الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي لـ"العربي الجديد" إن الأسواق تتعامل عادة مع الأخبار قبل الحقائق الاقتصادية، مضيفاً أنّ "القرار شكّل إشارة سياسية أكثر مما هو تحوّل اقتصادي مباشر". ويوضح جزماتي، أن التحسن الأخير ناتج أساساً عن تراجع حالة الخوف وتهدئة التوقعات السلبية، وهو ما ينعكس سريعاً على حجم الطلب على الدولار، خصوصاً لدى التجار والمستوردين.
لكن جزماتي يحذّر من الإفراط في التفاؤل، مؤكداً أن التأثير الحقيقي على الأسعار سيحتاج وقتاً أطول ليتجلى، موضحاً أنّ "الانخفاض الحالي هو بداية موجة نفسية، لكن أي تحسن مستدام لسعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية مرتبط بعوامل حقيقية مثل زيادة الإنتاج، وتراجع تكاليف الاستيراد، وتعديل السياسات النقدية، وتحسن حركة التجارة".
في سياق متصل يشير الخبير الاقتصادي زياد عربش لـ"العربي الجديد" إلى أن رفع القيود المرتبطة بالعقوبات سيمنح التجار والمستوردين قدرة أكبر على تأمين البضائع بأسعار أقل، ما قد ينعكس على انخفاض تدريجي في أسعار السلع الأساسية خلال الأسابيع المقبلة. كما أن تراجع تكلفة الامتثال القانوني وعمليات التحويل المالي، قد يدعم عودة حركة التجارة إلى مستويات أفضل مما كانت عليه خلال سنوات العقوبات المشددة، وفق قوله.
ويذكر الخبير الاقتصادي أنّ إلغاء قانون قيصر "يعيد فتح قنوات كانت شبه مغلقة بين القطاع المالي السوري والعالم الخارجي، بما يعنيه ذلك من انخفاض تكاليف التحويل والتأمين، وتحسن قدرة الشركات على العمل دون مخاطر قانونية كبيرة". ويرى محشي أنّ "زيادة حجم المستوردات وعودة التنافس بين التجار، إضافة إلى تسهيل الحصول على التمويل، ستسهم كلها في خفض أسعار بعض السلع وتوفير فرص عمل جديدة".
ويتوقع الخبير أن يؤدي هذا الانفراج إلى تحسّن في حركة التحويلات المالية، سواء من السوريين في الخارج أو عبر المؤسسات المصرفية، "وهو ما يخلق مزيدًا من السيولة داخل السوق، ويزيد من قيمة الليرة السورية مقابل الدولار على المدى المتوسط"، بحسب تصريحه.
القطاع المصرفي… بوابة التحسّن الحقيقي
لكن الأثر الأكثر عمقاً لإلغاء قانون قيصر، بحسب العديد من الباحثين، يتعلق بإمكانية إعادة ربط المصارف السورية بالنظام المالي العالمي، وعلى رأسه نظام سويفت.
ويشير الخبير المصرفي إبراهيم قوشجي لـ"العربي الجديد" إلى أنّ عودة النظام المصرفي السوري إلى التعاملات الدولية "تشكل نقطة انعطاف حقيقية، لأنها تسهّل عمليات الاستيراد والتصدير وتعيد جزءاً من الثقة المفقودة منذ سنوات". ويرى قوشجي أن تدفق رؤوس الأموال عبر التحويلات والاستثمارات المباشرة كان شبه مجمّد بفعل العقوبات، وأن تخفيف هذه القيود سيعيد تنشيط حركة الأموال، ما يساهم في استقرار سعر الصرف وتراجع التضخم. ويضيف أنّ المشاريع الاستثمارية خصوصاً في القطاعات الخدمية والبنى التحتية يمكن أن توفر آلاف الوظائف وتنعش الدورة الاقتصادية من جديد.
توقعات الأيام المقبلة
رغم كل المؤشرات الإيجابية، يتفق الخبراء على أن الطريق إلى استقرار طويل الأمد لا يزال يحتاج إلى إصلاحات جوهرية، خصوصاً في القطاع المصرفي والسياسات المالية. فالتحسن الحالي مهما كان واضحاً يبقى مرتبطاً بالسيولة المتاحة وبالتوقعات المستقبلية، وأكثر منه بتحسن حقيقي في الإنتاج أو القطاعات الاقتصادية الأساسية.
ومع ذلك، فإن الأسواق السورية تعيش في هذه اللحظة حالة تفاؤل حذر، وسط قناعة متزايدة بأن إلغاء قانون قيصر، إن اكتمل تشريعياً، قد يشكل لحظة فارقة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الاقتصاد السوري، عنوانها الأول: تخفيف القيود وعودة الأنفاس إلى الليرة السورية.