محمود الفطيسي: من يسيطر على النفط يحكم ليبيا... والسياسة مجرد واجهة

11 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:50 (توقيت القدس)
محمود الفطيسي، رئيس المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي، ليبيا، (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الأزمة الليبية تتجاوز الانقسامات السياسية لتصل إلى الصراع على إدارة الثروة النفطية، حيث أدى سقوط نظام القذافي إلى صراع على السلطة والثروة وتدخلات خارجية بسبب ضعف المؤسسات.
- يلعب المجلس الوطني الليبي للتطوير الاقتصادي دورًا حيويًا في رسم السياسات الاقتصادية، من خلال تنفيذ مشاريع استراتيجية في مجالات الأمن الغذائي والمائي والدوائي، وتحديث قطاع النفط والغاز.
- يسعى المجلس لتعزيز اللامركزية كحل للصراع على الثروة، وفتح آفاق تعاون دولي لتعزيز العلاقات الاقتصادية، مؤكدًا على أهمية إدارة الثروة لتحقيق الاستقرار والتنمية.

لا تزال الأزمة الليبية، منذ عقد ونصف عقد، تختزل في عناوين سياسية وأمنية ترسم ملامح الانقسام، من حكومتين وبرلمانين وتدخلٍ خارجي، غير أن محمود الفطيسي، رئيس المجلس الوطني الليبي للتطوير الاقتصادي، يرى أنها في جوهرها صراع على الثروة، كاشفا عن صور أخرى تجري تفاصيلها تحت السطح، لتعكس صراعا أعمق يتمحور حول الاقتصاد، وتحديدا حول كيفية إدارة الثروة النفطية ومن يملك قرارها.

كثيرا ما يربط مراقبون بين الأزمة الاقتصادية والتحول في ليبيا بعد عام 2011، باعتبارها فترة انكشف فيها وجه جديد بعد سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، ما تعليقك؟

الربط صحيح نسبياً، لكن الخلل لم يكن في مبدأ الثورة، بل في الترتيبات التي تلتها، والاقتصاد كان أول من دفع كلفة هذا الخلل، فقد تأثر بشكل مباشر بالخيارات السياسية التي اتُّخذت بعد عام 2011، ومنها عدم التعامل مع بناء الدولة بوصفه أولوية. ورغم نجاح أول تجربة انتخابية عام 2012، نقل القفز إلى الانتخابات قبل الذهاب إلى بناء المؤسسات الصراع إلى التنافس على السلطة، ثم إلى صراع على الثروة، لأن من يتولى السلطة في دولة ريعية مثل ليبيا يتحكم تلقائياً في الموارد. وترتب على ذلك القفز العديد من الآثار، ومنها انفتاح الباب أمام تدخلات خارجية بسبب ضعف المؤسسات وهشاشة القرار الوطني. ومن التجليات الأخرى لانتقال البلاد نحو الصراع انقسام البلاد عام 2014، الذي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة غياب الدولة القادرة على إدارة الخلافات. وأدى هذا المسار إلى سياسات اقتصادية متقلبة، وتحول الحكومة إلى أداة توزيع لا إدارة، في سياق دولة ريعية لم تكسر آليات التحكم في ثروتها بعد الثورة، بل تعمقت.

المجلس يوصف بأنه "العقل التخطيطي للدولة" لكن عملياً أين تبدأ صلاحياتكم وسلطتكم، وأين تنتهي داخل منظومة الحكم؟ هل أنتم جهة اقتراح فقط أم لكم دور في اعتماد السياسات؟
نحن لسنا مركز أبحاث، ولسنا أكاديميين، بل نحاول أن نشارك في رسم السياسات من خلال طرح مبادرات واستراتيجيات تتحول إلى قرارات. ومجلسنا فيه عضوية من أغلب وزارات الحكومة والهيئات السيادية، لذلك لسنا جهة نظرية. نحن جزء من منظومة الدولة. وحتى الآن أستطيع أن أقول إننا نفذنا أكثر من خمسين مشروعاً منذ عام 2021، مشاريع ذات طابع استراتيجي، منها مشروعات تتعلق بالأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الدوائي، وهي ملفات كانت لعقود تدار بردات أفعال. نحن لا نكتفي بالاقتراح، بل نتابع مع الجهات التنفيذية العمل على تحويل هذه الاستراتيجيات إلى واقع، فقد قطعنا شوطاً مهماً في استراتيجية الأمن الدوائي والأمن الغذائي، وبعض أجزائها الآن بدأت تُنفذ فعلياً في عدة مظاهر، من بينها إعادة هيكلة الأجهزة المعنية بهذه الملفات بناءً على توصياتنا.

ماذا عن قطاع النفط والغاز، فهو العمود الفقري للاقتصاد الليبي؟
لدينا الآن تصور لتطوير قطاع النفط والغاز من خلال المؤسسة الوطنية للنفط. وهي مؤسسة عتيقة ومترهلة، تعاني مشكلات عميقة، ولا تدار بالشكل الصحيح حتى إنّها صارت متخلفة وتحتاج إلى تحديث شامل، ففي كثير من مشكلات المؤسسات لا يكمن الخلل في الأنظمة التي تدار بها، بل في الشخوص التي تقودها، التي تعودت على فكرة الدولة الريعية، ولذا يقاومون أي تغيير لأنهم يتخوفون من فكرة تنويع الاقتصاد، ويتذرعون بخبراتهم ليتمسكوا بمواقعهم.

بعض الشخصيات في هذه المؤسسات يرون أن القوانين والتشريعات تعيق الإصلاح داخل مؤسسة النفط...
صحيح أنّ التشريعات تحتاج إلى تحديث وتطوير، لكن هناك نصوص يمكن الانطلاق منها، وعموماً أرى أن تبرير الإخفاق بعائق التشريعات غير مقبول، فعندما قدمنا استراتيجية للمؤسسة لتحديث الجوانب المالية والفنية لم تعرقلنا التشريعات والقوانين، بل واجهتنا عوائق أخرى مثل غياب أدوات التنفيذ، خاصة في ظل الانقسام وعدم الاستقرار.

هل يتأثر قطاع النفط بالانقسام القائم على الأرض، في ظل وجود حكومة في طرابلس التي تدير مؤسسة النفط، ووجود مواقع إنتاج وتصدير تقع تحت سيطرة سلطة اللواء المتقاعد خليفة حفتر؟
هذا الواقع صحيح، لكن رغم تناقضه الظاهري بين وجود المؤسسة الشرعية في طرابلس ومصادر النفط في الجنوب ووسط البلاد، لم يشل الانقسام القطاع بسبب البعد الدولي الذي يفرض نوعاً من الوحدة في قرار الإنتاج والتصدير، كون ملف النفط دولياً، ولذا لا يزال فيه قدر من التماسك.

وماذا عن شركة أركنو التي صارت محل اهتمام الرأي العام الليبي، خاصة بعدما تحدثت تقارير دولية وأممية عن وجودها بالوثائق والدلائل التي تثبت حصولها على مزايا لتصدير النفط رغم أنّها شركة خاصة؟
كنت من بين الذين طالبوا بقوة بضرورة التحقيق في قضية هذه الشركة، لأنها أحدثت مشكلة كبيرة في قطاع النفط. وعن طريقة نشأتها، فالشركة جاءت بطريقة غير واضحة، وحتى الآن لا نستطيع الجزم بأمر تأسيسها، واللجنة التي شكلتها الحكومة للتحقيق في ملفها لم تُعلن أيَّ شيء من نتائج التحقيق، وما زلنا ننتظر لنتعرف على دواليبها. وربما عليّ أن أثني على شجاعة رئيس الحكومة (عبد الحميد الدبيبة) الذي عقد اجتماعاً معلناً للرأي العام، وشكل لجنة رفيعة المستوى من مسؤولين كبار، من بينهم الأجهزة الرقابية السيادية، للتحقيق في الموضوع، ولا بد من أن تكون هناك شفافية ووضوح في إنتاج النفط وتصديره وتوريده، فكل الشركات العاملة في القطاع لديها عقود واضحة، بخلاف "أركنو" التي تأخذ نسبة من إنتاج النفط بامتياز غير واضح في بعض الحقول النفطية.

ماذا عما يقال إنّ شركة أركنو جاءت نتيجة صفقة بين الحكومة في طرابلس وسلطة اللواء المتقاعد خليفة حفتر؟
بالنسبة لنا في المجلس، كل هذا الكلام بلا دليل حتى الآن، فلا يصح إطلاق الأحكام من دون أدلة، ولهذا نتمسك بضرورة التحقيق، وبحق الرأي العام في أن يعرف ماذا حدث، لكن هناك ملاحظة مهمة، وهي أنّ الجهة التي يُفترض أن تكون أول المطالبين بالتحقيق هي مجلس النواب، لأنه ينوب عن الشعب، ولم يتحدث البتة عن هذا الموضوع، بخلاف الحكومة في طرابلس التي تحدثت وتحركت، وأنا هنا لا أدافع عن الحكومة وإنما أصف الواقع.

ضمن الحديث عن أهداف رسالة مجلسكم المعلنة عبر موقعه الرسمي "تعزيز اللامركزية" ماذا تعنون باللامركزية، في الوقت الذي تعالت فيه أصوات تنادي بالحل الفيدرالي، والبعثة الأممية طرحت في بعض الأوقات مبدأ "توزيع الثروة" حلّاً لأزمة البلاد؟
اللامركزية لا تنحصر في هذه الصور، وسبب هذا الحصر أسباب عديدة، منها أن لدينا قانون الحكم المحلي الصادر عام 2012 لم ينضج، وكان من المفترض أن يحل مشكلة المركزية. واللامركزية هي أصل مشكلات ليبيا، وبكل شجاعة أقول إنّ الصراع على الحكومات سببه المركزية، فالمتصارعون يرون أن من يتولى الحكومة يتحكم في ثروة ليبيا، لأن الأموال تخرج من مؤسسة النفط إلى المصرف المركزي، ثم إلى الحكومة التي تقوم بتوزيعها، فمن يصل إلى الحكومة يمكنه السيطرة على ملف توزيع الثروة.

بدلاً من أن يكون النفط عامل صراع، هل يمكن أن يكون عامل وفاق؟
نعم، هذا ممكن جداً إذا فككنا عقدة ملف النفط، التي أرى أن مشكلتها ليست في توزيعها بل في إدارتها. وبشكل أوضح، فإن مبدأ توزيع الثروة يعزز المركزية، بينما إدارة الثروة تقلل الصراع. ويمكن أن تصل الخدمات مباشرة إلى المواطن عبر البلديات. فالبلديات تُعد مشاريعها، وتحول لها الميزانيات لتنفيذها وفق مبدأ الحوكمة التي تحد من المشاريع الوهمية التي تُطرح فقط للحصول على أموال. وهناك بلديات يخرج منها النفط وهي فقيرة جداً، فكيف يمكن تصور مناطق مثل أوجلة وجالو، التي يخرج منها جزء كبير من النفط، وتعاني في الوقت نفسه أزمة بيئية خطيرة للغاية؟ أدخنة آبار النفط سبَّبت أمراضاً خطيرة للسكان، تصور أن أهل هذه المناطق يعيشون وسط برك مخلفات استخراج النفط، وبعضها موجود منذ الستينيات، بينما نحن نستفيد من نفط هذه المناطق ولا نعطي سكانها حق العيش الآمن.

في ظل هذا الوضع، كيف يتعامل المجلس مع الانقسام الجغرافي والسياسي، خاصة في الشرق؟
طبيعة عمل المجلس لا تتعامل مع القضايا السياسية، لذلك نجد قدرة على التواصل مع الجميع، فقبل أيام عقدنا ورش عمل في طبرق والبيضاء حول الأمن الغذائي وملفات أخرى، وشباب المجلس في تلك المناطق يتعاملون مع الجهات الأمنية هناك لأخذ إذن المشاركة، ولم نجد ممانعة، وحتى مجلس النواب لنا تواصل معه، وقبل أيام قليلة شارك معنا نواب في نقاشات حول القانون الدبلوماسي.

ترأستم الوفد الحكومي الذي زار واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما الهدف من هذه الزيارة؟ ومن التقيتم؟
ذهبنا بقرار من السيد رئيس الحكومة، وكان الهدف فتح آفاق مع واشنطن، والتقينا ممثلين عن الكونغرس، والمجلس الأطلسي، ومراكز الأبحاث، ومسؤولين في الأمن القومي، وخلالها عقدنا ندوة في المجلس الأطلسي عن الوضع الاقتصادي في ليبيا وكيف يمكن تطويره، وحضر الندوة مسؤولون من الخارجية الأميركية وممثلون عن الكونغرس.

هل كنتم تشرحون الواقع الليبي، أم تعرضون مشروعات؟
العالم يعرف الواقع الليبي، لكن هناك خفايا ليست واضحة لديهم، فكثير من القوى الخارجية تعتقد أن الصراع في ليبيا بين شرق وغرب، وأن القبيلة لها حضور فاعل ومحرك وموجه للقرارات، وهذه قراءة مغلوطة. وبوضوح تام، الصراع عندنا بين ساسة يتصارعون على الثروة، لا أكثر. ورغم عراقة العلاقات الليبية الأميركية، تأخرت ليبيا كثيراً في بناء علاقة متينة مع الجانب الأميركي، بعدة أوجه، منها بناء سياسة خارجية اقتصادية بوصفها قوة ناعمة، مع ضرورة أن يكون ذلك بصوت من الداخل. فعلى مدار سنوات طويلة ظلت دول إقليمية تعرض على الدولة أن تتحدث باسمها في العواصم الدولية ذات الثقل بوصفها وسطاء، لكننا نملك القدرة على أن نتحدث عن أنفسنا، وهذا ما أردنا فعله في زيارتنا هذه.

عمَّ أسفرت هذه الزيارة، وما أهمية الاقتصاد الليبي في ما يخص الجانب الأميركي؟
نحن نجهز الآن لتوقيع مذكرات تفاهم لفتح آفاق تعاون واسعة، خاصة في مجالات الطاقة، وهناك شركات أميركية كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون ترغب في العودة إلى ليبيا خلال العام الجاري، لكنهم ما زالوا في مرحلة الترتيبات حتى الآن. والنفط الليبي مهم عالمياً لجودته ونقائه، كما أنه لا يتأثر كثيراً بالأزمات العالمية، وما يُقال الآن عن تأثره بأزمة فنزويلا بعيد عن التقدير الواقعي. أولاً، لأنّ واشنطن لا تستورد النفط من ليبيا أصلاً، ومن جانب آخر فإنّ النفط الصخري الذي تتميز به الولايات المتحدة الأميركية لم يتأثر بالأزمة الفنزويلية. وهنا يجب لفت الانتباه إلى أنّ ليبيا تحتوي على احتياطي هائل من النفط الصخري لم يُشرع بعد في استخراجه، ما يضعها في موقع مهم عالمياً إذا أُدير الملف بشكل صحيح.

في لقاء أجرته معكم مجلة نيوزويك خلال زيارتكم واشنطن، كنتم تتحدثون عن مرونة حكومة الوحدة الوطنية في تعاملها مع الجميع في ليبيا، وصرحتم بوجود "إمكان دمج الحكومتين من أجل إجراء انتخابات وبعد ذلك ستكون لدينا بالطبع انتخابات رئاسية وبرلمانية" وكأنّ الوفد كان يعرض رؤية سياسية، فما تعليقكم؟
في ذلك الوقت كان هناك مشروع حقيقي بمبادرة من حكومة الوحدة الوطنية لدمج الحكومتين، وكنت مع هذا المشروع بقوة، لكن مجلس النواب أوقفه. ولا تزال حكومة الوحدة الوطنية تفتح الباب لأي حل، وهناك الآن مبادرة جديدة لتعديل وزاري، ثم الذهاب إلى قانون انتخابات جديد يتماشى مع مبادرة الأمم المتحدة. والاقتصاد يمكن أن يكون مدخلاً لتخفيف الصراع إذا تغيرت طريقة التعامل معه من توزيع الثروة إلى إدارة الثروة، وتغيرت التصورات السائدة بأنّ الحكومة غنيمة، وعندها يخرج الاقتصاد من ساحة الصراع إلى ساحة البناء.